الكاتب التونسي “فهمي البلطي” في لقاء أدبي بالمدينة العتيقة بسوسة: حوار حول رواية” دم سيـّئ” المتوّجة بجائزة لجنة تحكيم جوائز كومار
الصحافة اليوم: كمال الشيحاوي
تواصل مدينة سوسة تعزيز حضورها في المشهد الثقافي التونسي من خلال المبادرات المدنية التي تراهن على الكتاب والقراءة بوصفهما فعلين ثقافيين مقاومين للنسيان والعزلة. وفي هذا السياق تنظّم جمعية عشّاق الكتب بسوسة، يوم غد الأحد 28 جوان الجاري بفضاء دار بابا بالمدينة العتيقة، لقاءً أدبيًا مع الروائي التونسي فهمي البلطي لمناقشة روايته ادم سيّئب، الصادرة مطلع السنة الحالية عن دار كابصا للنشر، والتي تُوّجت مؤخرًا بجائزة لجنة التحكيم في الكومار الأدبي.
ويكتسي هذا اللقاء أهمية خاصة، لا فقط بسبب القيمة الأدبية للرواية، بل أيضًا لأنه يتيح للقراء فرصة الحوار المباشر مع أحد أبرز الأصوات السردية التونسية التي اختارت أن تنحت مشروعها الأدبي بعيدًا عن الأضواء، معتمدة على قوة الكتابة وجدية الرؤية.
كاتب ينصت إلى هشاشة الإنسان
ينتمي “فهمي البلطي” إلى ذلك الجيل من الروائيين الذين جعلوا من الرواية فضاءً للتفكير في الإنسان المعاصر، في قلقه الوجودي وتصدعاته النفسية وعلاقته المربكة بالعالم. وفي أعماله السردية لا يبحث الكاتب عن الحكاية بمعناها التقليدي فحسب، بل ينقب في الطبقات العميقة للشخصيات، حيث تتجاور الرغبات والهواجس والخيبات والأسئلة الكبرى المتعلقة بالحياة والموت والحرية. وتبرز هذه الخصوصية بوضوح في رواية ادم سيّئب التي تبدو امتدادًا لهذا الانشغال المستمر بالنفس البشرية، لكنها تذهب هذه المرة إلى مناطق أكثر عتمة وأكثر جرأة في استكشاف ما يختبئ خلف الأقنعة الاجتماعية والمهنية.
طبيب يطارده الموتى
تتمحور الرواية حول شخصية “سديم”، وهو طبيب يجد نفسه منهكًا تحت وطأة ما راكمه من تجارب إنسانية مؤلمة. يحاول الحصول على عطلة مرضية طويلة عبر استشارة طبيب نفسي، وكأنه يبحث عن هدنة مؤقتة مع العالم، غير أن هذه المحاولة سرعان ما تتحول إلى رحلة داخلية شاقة. فبدل أن يبتعد عن أشباحه، يجد نفسه محاصرًا بها أكثر من أي وقت مضى. المرضى الذين مروا بحياته، المنتحرون الذين تركوا آثارهم في ذاكرته، النساء اللواتي أحبهن أو خسرهن، جميعهم يعودون في شكل صور واستعادات وهلوسات تقتحم وعيه وتدفعه إلى مواجهة ذاته. ومن هنا تنبع فرادة النص؛ فهو لا يكتفي بسرد الأحداث، بل يحوّل الذاكرة نفسها إلى مسرح روائي تتداخل فيه الأزمنة وتتقاطع فيه الأصوات، في بناء سردي يقترب من الاعتراف والهذيان المنظم أكثر مما يقترب من الحكاية التقليدية.
رواية ضد السرد المألوف
تكمن طرافة ادم سيّئب في قدرتها على كسر النماذج السردية الجاهزة. فالقارئ لا يجد نفسه أمام حبكة مستقيمة أو أحداث متتابعة بوضوح، بل أمام نسيج لغوي كثيف تتجاور فيه الصور الشعرية والتأملات الفلسفية والاستبطانات النفسية. وتطرح الرواية أسئلة جوهرية حول معنى الحرية وحدود المسؤولية وثقل الذاكرة وهشاشة الوجود الإنساني. كما تستثمر خبرة الشخصية الطبية لتفكيك العلاقة المعقدة بين الحياة والموت، وبين الجسد وما يعتمل داخله من انكسارات خفية. ولعل هذا البعد التأملي هو ما جعل الرواية تحظى باهتمام نقدي واسع، قبل أن تنال تتويجًا مهمًا ضمن جوائز الكومار، بما يؤكد مكانتها ضمن أبرز الإصدارات الروائية التونسية لهذا العام.
القراءة بوصفها حوارًا حيًا
و لا يقتصر هذا الموعد الثقافي على تقديم رواية جديدة أو الاحتفاء بكاتب متوج، بل يمثل مناسبة لإعادة الاعتبار لفعل القراءة نفسه، باعتباره حوارًا حيًا بين الكاتب وقرائه. كما تكشف مبادرة جمعية عشّاق الكتب في توفير نسخ من الرواية، رغم غيابها عن مكتبات سوسة، عن إيمان حقيقي بأهمية تقريب الكتاب من جمهوره. وبذلك يبدو لقاء ادم سيّئب أكثر من مجرد جلسة نقاش أدبي؛ إنه دعوة لاكتشاف رواية تجرؤ على اقتحام المناطق الهشة في النفس الإنسانية، وفرصة للقاء كاتب جعل من الأدب أداة للتأمل في ما يجعلنا بشرًا وهو الحب، والخسارة، والذاكرة، والموت.
مسرحية اماذا لو؟ب لفتحي العكاري في عرضها الأخير بدار الثقافة ابن رشيق: حين يتحوّل الركح إلى مختبر لكتابة المسرح داخل المسرح
الصحافة اليوم: كمال الشيحاوي في أمسية الخميس 25 جوان، احتضنت دار الثقا…
