بعد نجاحه التجاري في مصر فيلم إذماب… لمحمد صادق في القاعات التونسية: قصـّـة من سينما التأمل النفسي والغموض المشوّق
الصحافة اليوم: كمال الشيحاوي
في وقت تبدو فيه السينما العربية، والمصرية على وجه الخصوص، منشغلة إلى حدّ بعيد بأفلام الكوميديا التجارية أو أفلام الحركة ذات الإيقاع السريع، يأتي فيلم اإذماب ليقترح مسارًا مختلفًا يقوم على التشويق النفسي والأسئلة الوجودية، مستندًا إلى حكاية تبدو بسيطة في ظاهرها لكنها تنفتح على مستويات متعددة من التأويل. ومع انطلاق عرضه في القاعات التونسية ابتداءً من 18 جوان الجاري، يجد الجمهور نفسه أمام أحد أبرز الأفلام المصرية التي أثارت الفضول خلال الموسم السينمائي الحالي.
الفيلم من تأليف وإخراج محمد صادق، ويؤدي بطولته أحمد داود إلى جانب سلمى أبو ضيف وجيسيكا حسام الدين وبسنت شوقي. وتدور الأحداث حول اعيسى الشوافب، رجل في السادسة والثلاثين من عمره يعيش حياة تبدو عادية ومستقرة، قبل أن يتلقى رسالة غامضة من نفسه حين كان في الثامنة عشرة. تقوده تلك الرسالة إلى لعبة كنز منسية وإلى سلسلة من الذكريات التي ظنّ أنه تجاوزها، لتتحول رحلته إلى بحث مضنٍ عن الذات، وعن الأخطاء القديمة التي لا تكفّ عن العودة بأشكال مختلفة.
من الرّواية إلى الشّاشة
منذ هذه الفرضية الدرامية الطريفة، يبني الفيلم عالمه القائم على المزج بين الواقعي والمتخيَّل، وبين الذاكرة والحاضر، ليطرح سؤالًا شديد الإنسانية: ماذا لو أتيحت لنا فرصة محاورة ذواتنا السابقة؟ وهل يمكن للماضي أن يُصلح ما أفسده الزمن؟
لا يُعدّ محمد صادق اسمًا غريبًا عن هذا النوع من الأعمال. فمنذ سنوات ارتبط اسمه بالروايات الرومانسية والنفسية التي وجدت جمهورًا واسعًا بين الشباب، وبعضها تحوّل إلى أعمال سينمائية ناجحة. ويبدو أن اإذماب يمثل خطوة جديدة في مشروعه الفني، إذ يبتعد نسبيًا عن الرومانسية التقليدية ليقترب من سينما التأمل النفسي والغموض السردي.
وإذا كانت السينما المصرية قد عرفت خلال السنوات الأخيرة محاولات عديدة للخروج من القوالب المعتادة، فإن اإذماب يندرج ضمن هذا التوجه الذي يمنح الأولوية للفكرة والسيناريو، ويستثمر في التشويق الذهني أكثر من اعتماده على الاستعراض البصري أو النكات السهلة.
نجاح جماهيري يؤكد الرهان
لم يقتصر حضور الفيلم على إثارة النقاش النقدي، بل حقق أيضًا نتائج لافتة في شباك التذاكر المصري. فقد تجاوزت إيراداته 23 مليون جنيه خلال أسبوعين فقط من عرضه، مع مئات الآلاف من التذاكر المباعة، ما مكّنه من التقدم إلى المراكز الأولى بين الأفلام المعروضة.
ويبدو هذا النجاح دالًا على تحوّل مهم في ذائقة الجمهور، إذ يؤكد أن المشاهد العربي لا يبحث فقط عن الترفيه السريع، بل يمكنه أيضًا أن يتفاعل مع أعمال أكثر تعقيدًا عندما تُقدَّم في صيغة جذابة ومشوقة
سينما الأسئلة لا سينما الأجوبة
ما يمنح اإذماب خصوصيته هو أنه لا يقدّم حكاية مغامرة أو لغزًا بوليسيًا بالمعنى التقليدي، بل يضع المشاهد أمام شبكة من الأسئلة المتعلقة بالهوية والذاكرة والندم والزمن. فالبطل لا يطارد كنزًا ماديًا بقدر ما يطارد أجزاء ضائعة من ذاته.
وتجعل هذه المقاربة الفيلم قريبًا من بعض الاتجاهات العالمية التي اشتغلت على فكرة الزمن والذاكرة، لكنها تُقدَّم هنا من داخل بيئة مصرية معاصرة وبحساسية عربية واضحة، وهو ما يمنحه طابعًا خاصًا بعيدًا عن التقليد أو الاستنساخ.
إضافة جديدة إلى المشهد العربي
قد لا يكون اإذماب فيلمًا ثوريًا بالمعنى الجمالي للكلمة، لكنه يمثل دون شك علامة على الحيوية التي تعرفها السينما المصرية اليوم. فهو يبرهن على إمكانية الجمع بين النجاح الجماهيري والطموح الفني، وبين التشويق التجاري والأسئلة الفكرية.
ومع وصوله إلى القاعات التونسية، يتيح الفيلم فرصة لاكتشاف وجه آخر من وجوه السينما المصرية الجديدة؛ سينما تراهن على الذكاء السردي، وعلى شخصيات مأزومة تبحث عن خلاصها وسط متاهة الذاكرة. لذلك يبدو اإذماب أكثر من مجرد فيلم موسم، بل تجربة تؤكد أن السينما العربية قادرة، متى امتلكت الجرأة على المغامرة، على أن تجعل من الماضي مادةً لإعادة اختراع الحاضر.
الدورة الخامسة لمهرجان المسرح والمجتمع في سليانة تحتفي بالمسرح والفنون رهان على تغيير وجه المدينة بالفن
تتحوّل مدينة سليانة من 21 إلى 28 جوان 2026، إلى فضاء مفتوح للإبداع…
