بمناسبة اختتام تظاهرة بالمسرح أكون: حـيـن يـتـحوّل الـركح إلـى مـسـاحـة للشفاء والاعـتراف بالاخــتـلاف
الصحافة اليوم: كمال الشيحاوي
في زمن تتعاظم فيه الحاجة إلى إعادة التفكير في الوظائف العميقة للفن، لا بوصفه مجرّد فرجة جمالية فقط، بل باعتباره ممارسة إنسانية قادرة على ترميم الذات وإعادة وصل الفرد بالمجتمع، جاءت تظاهرة ابالمسرحة أكونب التي احتضنتها قاعة المبدعين الشبان بمدينة الثقافة الشاذلي القليبي من 14 إلى 17 ماي 2026، لتفتح أفقا مختلفا داخل المشهد المسرحي التونسي، أفقا يجعل من المسرح فضاء للاندماج والعلاج والتعبير عن الهشاشة الإنسانية بقدر ما يجعله فنا للتمثيل والإنجاز الركحي.
التظاهرة التي نظمها قطب المسرح والفنون الركحية بمسرح أوبرا تونس تحت إشراف وزارة الشؤون الثقافية، لم تكن مجرّد سلسلة عروض متتالية، بل بدت أقرب إلى بيان جمالي وإنساني يعلن أن المسرح يمكن أن يكون أداة مقاومة للعزلة، ووسيلة لاستعادة الصوت بالنسبة إلى الفئات التي كثيرا ما وُضعت على هامش الفعل الثقافي. ولهذا اكتسب عنوانها ابالمسرحة أكونب بعدا وجوديا واضحا، إذ يحيل مباشرة إلى سؤال الكينونة والاعتراف والحق في الظهور داخل المجال العمومي.
المسرح بوصفه تجربة إدماجية
إن ما ميّز هذه الدورة الأولى هو طبيعة الأعمال المشاركة والجهات المنتجة لها. فالعروض لم تصدر عن مؤسسات مسرحية تقليدية فحسب، بل جاءت أيضا من جمعيات تُعنى بذوي الإعاقة أو بالفئات ذات الاحتياجات الخصوصية، مثل جمعية نجوم التحدي لحاملي الإعاقة بقربة، وجمعية مساعدة القاصرين ذهنيا بسوسة، وجمعية أولياء وأحباء الصم بأريانة. وهو ما منح التظاهرة خصوصيتها الأساسية: الانتقال بالمسرح من دائرة العرض الفني إلى دائرة الفعل الاجتماعي والثقافي العميق.
وقد افتُتحت التظاهرة بمسرحية الوحةب للمخرجة هدى اللموشي، قبل أن يتواصل البرنامج مع عرض اأحكيليب لكريم خرشوفي، ثم اأنا هكةب للصادق الحجيج، وصولا إلى عرضي ابصمةب لمحمد العتيري واما لا يقالب لسوار الحجري ولينا قصاص في الاختتام. هذه الأعمال، ورغم اختلاف أساليب هذه الأعمال وتجاربها، التقت جميعها عند فكرة مركزية: المسرح باعتباره إمكانا للقول حين تعجز اللغة اليومية عن الإفصاح.
في عرض اما لا يقالب مثلا، بدا الركح مساحة لتعويض الصمت المفروض على فئة الصمّ بلغة جسدية وإيقاع بصري كثيف، بينما اشتغلت اأحكيليب على تحويل التجربة الحياتية لذوي الإعاقة الحركية إلى مادة فنية تتجاوز منطق الشفقة إلى منطق الاعتراف بالقدرة على الخلق والإبداع. أما اأنا هكةب فقد حملت عنوانا دالا على المصالحة مع الذات والاختلاف، في حين بدت ابصمةب وكأنها تأكيد رمزي على حق كل فرد في ترك أثره داخل العالم
نحو أفق جديد للمسرح التونسي
تكمن أهمية هذه التظاهرة أيضا في أنها أعادت طرح سؤال جوهري يتعلق بوظيفة المسرح اليوم. فبعد عقود ظل فيها النقاش النقدي محصورا غالبا بين الجمالي والسياسي، يأتي هذا النوع من المبادرات ليؤكد أن المسرح قادر كذلك على لعب أدوار علاجية وتربوية وإدماجية دون أن يفقد قيمته الفنية.
واللافت أن العروض المشاركة لم تسقط في فخ الخطاب الوعظي أو الاستعراضي، بل حاولت ـ بدرجات متفاوتة ـ إنتاج لغة ركحية تستثمر الجسد والإيقاع والصورة والذاكرة الشخصية، بما جعل التجربة أكثر قربا من الحساسية الإنسانية المعاصرة.
لقد نجحت ابالمسرحة أكونب في دورتها الأولى في فرض انتباه نقدي حقيقي، ليس فقط لأنها منحت الخشبة لمن اعتادوا البقاء خارج الضوء، بل لأنها ذكّرت أيضا بأن المسرح، في جوهره العميق، فعل وجود ومقاومة وشفاء. وربما في هذا بالتحديد تكمن طرافتها وفرادتها داخل المشهد الثقافي التونسي والعربي: أن يتحول الركح من فضاء للتمثيل إلى فضاء للاعتراف بالإنسان في هشاشته وقوته معا.
بعد المصادقة البرلمانية على قانون الفنان في تونس: بين مكسب التشريع ومخاوف الوصاية على الإبداع
الصحافة اليوم: كمال الشيحاوي لم تمرّ المصادقة البرلمانية على قانون الفنا…

