الصالون الدولي للحروفية بقصر خيرالدين و النادي الثقافي الطاهر الحداد من الحـــــرف إلى الشـــــكل
لا يوجد عدد محدد من أنواع الخط العربي ، فبالاضافة الي انواعه الاكثر شهرة ، مثل خط الرقعة او خط الثلث او خط النسخ ، فاننا نجد ايضا انواعا من الخط التي تم ابتداع اشكالها ، ضمن حيز جغرافي مخصوص ، لتكون امتدادا لذلك التنوع في اساليب الخط ، مثل الخط الاندلسي اوالقيرواني ، هذا التنوع قد نلحظ درجة ثرائه ، عندما نستحضر ما قد يزخر به كل خط من تلك الخطوط ، من خطوط فرعية ، مثل الخط الكوفي بانواعه من المربع و القيرواني و النيسابوري و الموصلي و المعماري . هذا الثراء في الخط ينسب الى طرق كتابته ، اي الى بعده الوظيفي المباشر و الذي لا يزال قادرا علي البقاء و الحياة ، رغم ما عرفته الكتابة من تقنيات حديثة باستعمال الحاسوب .
في ضفة اخرى ، نجد الخط يبحث عن مغامرته ، انها ضفة الفن ، حيث يهتم عدد كبير من الفنانين بربط مجالهم الابداعي بعنصر الهوية من خلال الخط و ما يحمله من زخم يترجم ارثنا الحضاري و الثقافي و الديني ، غير ان هجرة الحرف من الكتابة الى الفن ، اصبحت في اعتقادنا ، تستمد وجودها بالانتماء الى هوية الفن ذاته ، كمبحث جمالي واسلوبي و كذاكرة تختزل توجهات و تيارات و مقاربات متنوعة ، و هذا ما يبينه معرض الصالون الدولي للحروفية المستمر حاليا ، بمتحف مدينة تونس ا قصر خيرالدينب و بالنادي الثقافي الطاهر الحداد و الذي ينظمه اتحاد الفنانين التشكيليين التونسيين . المعرض ضم مشاركات متعددة من تونس ومن البلاد العربية و الاجنبية . عدد المشاركين في هذا المعرض الضخم ، يسمح لنا ، ببناء جملة من الافكار و الاستنتاجات التي تخص مجال الحروفية اليوم ، بلغة الارقام ضم هذا المعرض 97 مشاركا قدموا 117 عمل ، بقصر خيرالدين و 36 عمل بالنادي الثقافي الطاهر الحداد ، اي ما مجموعه 153 عمل ، من بينهم اعمال لـ27 فنانا عربيا و اجنبيا ، يمثلون 16 دولة . اما المشاركة التونسية ، فكانت و على غير عادة الصالونات الحروفية السابقة ، اكثر تعددا و تنوعا ، من ناحية الاسماء و الاجيال و كذلك الاساليب و الوسائط . يمكننا و من خلال هذا المعرض استخلاص جملة من المعاني الاساسية ، و التي ما كان لها ان تبرز لنا ، لو لا غزارة و تنوع التجارب الحاصلة في هذا المعرض .اول تلك المعاني ، يكمن في بعض الاعمال التي قامت علي دمج الحرف في حركيته و ايقاعه مع هيئات تشخيصية ، مثل اعمال اسلام الحاج رحومة الغرافيكية و اعمال منى عبيدة ، فامام هذه العينة من الاعمال ، اصبحت تلك الفكرة القائلة ، بأن انتشار الحروفية جاء كبديل عن تحريم التشخيص ، فكرة هشة او قد تجاوزتها مغامرة الحرف في مغامرته التشكيلية .
حياة اخرى ..
اذا كانت اساليب الخط قد قامت وفق قوانين اساسية و حسابية و مناهج متعددة في طرق كتابة كل حرف ، فان تحرر الخط عبر الفن ، منحه ايضا افق الاندماج من المواد و الخامات المتنوعة ، و كأن الخط هنا لم يعد بحاجة لتلك العملية المعقدة في تقهير الورق لجعله اكثر سهولة و انسيابية مع انواع الحبر التقليدي و حركة الخط ، بل اصبحت تلك الخامات و المواد ، بما تحدثه من تأثيرات بصرية و ملمسية ، تبرز النتوء و التضاريس و التفاصيل ، هي مجال التقهير الذي يبحث عن الطاقة و الجمالية من خلال الامتزاج مع حركة الخط و تعبيريته و نستعيد هنا اعمال فنان مثل الليبي عمر بركة ، حيث يقوم الخط لديه ككتلة تمزج بين الحدة و السيولة في حرف مثل ا الهاء ا او ا الحاء ا ، وجعلها كمادة معدنية من النحاس الصلب و قد اكتسب غلاف العتاقة بفعل الاكسدة . هذا الجانب في دمج الحرف ، خارج محمله التقليدي ، نتبين جماليته و عنفوانه ايضا ، في ثلة من الاعمال الخزفية ، مثل اعمال ياسين رضواني و منى عبيدة و محمد سحنون ، او في لوحات فنانين مثل المقدونية باندورا ابوستولاسكا ، حيث يبرز عندها الحرف اللاتيني ، و كانه اثر من جدار و هي في ذلك قريبة من المعنى الجمالي الذي تقدمه لوحة الفنان و الكاتب المغربي حسان بورقية ، حيث الحرف عنده اثر هش و يقاوم عبور الأزمنة و كأنه سليل مخطوط قديم ، بقيت اجزاء منه و ضاعت اخرى ، كما قد يتخلص الحرف من مائه ، اي الحبر و مشتقاته من السوائل في تقنيات الرسم ، ليطرق سبلا اخرى ، ليصبح عجينة من خليط الجص و الغراء ، متماسكا و منسابا و ثابتا على الحامل و بالوان متداخلة تجعله اشبه بخيوط النسيج ، و هو ما عليه العمل المقدم من طرف الفنان محمد المالكي . كما قد يخضع الحرف الى مواد مصنعة و صلبة واستهلاكية ، مثل الشرائح المخصصة عادة ، في صناعة العلامات الاشهارية ، و لكنها تتحول بيد الخبير و المتمكن من اسرار الحرف و صناعته ، في تجربة عمر الجمني ، الي خيوط رقيقة منقادة ، و هو ما تبدو عليه ايضا اعمال الفنان الليبي محمد الخروبي ، حيث تحول الحرف لديه الى بناء ضمن نسيج لوني متعدد ومتناسق ، ضمن خلفية تخفي بقشرتها البيضاء الشفافة نسيج لوني خافت ، كل ذلك باستعمال الوان الاكريليك .
الى جانب هذه الاعمال و غيرها من التجارب المقدمة في هذا المعرض ، و التي توسلت الاستفادة و التماهي مع اساليب الحداثة الفنية و تقنياتها ، فاننا نجد اعمالا لا تقل قيمة في بعدها التجريبي و لكن مع المحافظة على نفس الوسائط التقليدية في الرسم ، مثل عمل بشيرة التريكي ، و التي تحول لديها الحرف الي بنية من الأحجية و فتح لها باب اللعب و التلاعب ، فجعلت من حرف الهاء حرفا متعدد الاوجه و طرق التمثل البصري الى حد السليان و الامحاء ، اما الجزائري عبدالله جلاب ، فقد اعادنا بحروفياته الي عالم المعلقات و المخطوطات القديمة ، ضمن ايقاع بصري ، تخفت او تحتد ضمنه سماكة الخط الاسودعلي خلفية بيضاء ، وفق موسيقى مدروسة من بين مكوناتها عنصر الفراغ ودرجة مساحته بين حرف و اخر او بين جملة و اخرى ، او كذلك في طريقة الكتابة و التي تصل الى درجة الذوبان لتصبح لطخات و اثر فرشاة . المعرض احتضن التفاتة مشكورة للرسام الراحل بشير الدزيري و الذي فارق الحياة في منتصف جانفي المنقضي ، حيث تم عرض نماذج من اعماله الحروفية و التي تلخص مغامرته في هذا المجال الىي جانب ما عرف به من اعمال في الواقعية الفائقة . اعمال هذا المعرض الدولي ، والذي يشكل مبادرة حميدة ، من طرف اتحاد الفنانين التشكيليين ، كان عبارة عن حقل مفتوح ، لا يقدم فقط تجارب متنوعة و متعددة ، بل و يقدم ايضا مادة حية ، تفتح لنا المجال للتمعن في ثراء الفن بارتباطه بالحرف و افاقه المبدعة ، بل وحتى سبيل التفكير و المقارنة ، بين الامكانات الابداعية للحرف العربي و الحرف اللاتيني ، ذلك ان هذا المعرض ، قد ضم مشاركة فنانين اجانب ، من مقدونيا و من الصين كندا و بولونيا و ايطاليا ، حيث يمكننا تبين ، و لو بشكل ضمني ، ثراء الامكانات التي يكتنزها الحرف العربي ، في غنائيته وحركته و تعدد انماطه التي تشكل انفتاحه و ثرائه .. انه ذلك الحرف الذي رفع عنه القلم ، ليصبح ، خارج الصناعة ، و من خلال الفن حرا و مجنحا ، باسم الابداع .
عمر الغدامسي
معرض سنية بن سليمان بفضاء ارشيفار هـــنـــــدســــة الــــــذاكــــــــرة و الــــنـــــســـــيــــان
في معرضها الشخصي الجديد و عنوانه ” هذه البقايا مني ، و لا تز…


