2026-05-21

ثلاثة‭ ‬إصدرات‭ ‬جديدة‭ ‬عن‭  ‬دار‭ ‬مسكلياني‭ ‬للنشر‭ :‬ ‭” ‬ليلة‭ ‬رأفت‭ ‬الهجان‭”‬،‭ “‬الغروب‭ ‬الخالد‭” ‬و‭”‬شيزوفرينيا‭”‬

‭ ‬الصحافة‭ ‬اليوم‭: ‬كمال‭ ‬الهلالي

من‭ ‬أحدث‭ ‬اصدارت‭ ‬دار‭ ‬مسكلياني‭ ‬للنشر‭ ‬نشير‭ ‬إلى‭ ‬صدور‭ ‬مجموعة‭ ‬قصصية‭ ‬لحسن‭ ‬المرزوقي‭ ” ‬ليلة‭ ‬رأفت‭ ‬الهجان‭”  ‬ورواية‭ ” ‬الغروب‭ ‬الخالد‭”  ‬للكاتب‭ ‬الكبير‭ ‬حسنين‭ ‬بن‭ ‬عمو‭ ‬موضوعها‭ ‬ابن‭ ‬خلدون،‭ ‬ورواية‭ ‬شيزوفرينيا‭” ‬لهادي‭ ‬تيمومي‭.‬

تبدأ‭ ‬المجموعة‭ ‬القصصية‭ ” ‬ليلة‭ ‬رأفت‭ ‬الهجان‭” ‬لحسن‭ ‬مرزوقي‭  ‬ببراءة‭ ‬تساؤلات‭ ‬الأطفال،‭ ‬وتنتهي‭ ‬بوقاحة‭ ‬أسئلة‭ ‬الكبار،‭ ‬وبينهما‭ ‬يُقاد‭ ‬القارئ‭ ‬في‭ ‬رحلة‭ ‬عميقة‭ ‬تستفز‭ ‬عقله،‭ ‬وتتركه‭ ‬في‭ ‬مواجهة‭ ‬صارخة‭ ‬مع‭ ‬أسئلة‭ ‬وجوده‭ ‬الأولى‭. ‬هذه‭ ‬قصص‭ ‬لتخريب‭ ‬الطمأنينة‭ ‬الكاذبة،‭ ‬وتشريح‭ ‬الهوية‭ ‬المزيفة‭. ‬تضعنا‭ ‬أمام‭ ‬حقيقة‭ ‬مفادها‭ ‬أننا‭ ‬لم‭ ‬نتطوّر‭ ‬كما‭ ‬اعتقدنا،‭ ‬وأن‭ ‬إنسانيتنا‭ ‬المزعومة‭ ‬ليست‭ ‬سوى‭ ‬قشرة‭ ‬تُخفي‭ ‬خلف‭ ‬رقتها‭ ‬حيوانًا‭ ‬بدائيا،‭ ‬مرتبكا،‭ ‬ضائعا‭.‬

يُمسك‭ ‬حسن‭ ‬مرزوقي‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬الكتاب‭ ‬مرآة‭ ‬ضخمة‭ ‬ويرفعها‭ ‬أمامنا‭ ‬جميعا،‭ ‬كي‭ ‬نرى‭ ‬ما‭ ‬لا‭ ‬نرغب‭ ‬في‭ ‬رؤيته،‭ ‬فربما‭ ‬نفهم‭ ‬أين‭ ‬نقف،‭ ‬وإلى‭ ‬أي‭ ‬هاوية‭ ‬نقود‭ ‬أنفسنا‭. ‬ينزع‭ ‬عنا‭ ‬القناع‭ ‬تلو‭ ‬الآخر،‭ ‬بأسلوبه‭ ‬الساخر‭ ‬ولغته‭ ‬العارية‭ ‬من‭ ‬التكلف‭ ‬والمساحيق،‭ ‬ليضعنا‭ ‬أمام‭ ‬مشاهد‭ ‬موجعة‭ ‬من‭ ‬حياتنا‭ ‬اليومية،‭ ‬يكشف‭ ‬فيها‭ ‬عن‭ ‬مفارقاتنا‭ ‬الصارخة،‭ ‬ونفاقنا‭ ‬الاجتماعي‭ ‬المزمن‭.‬

ليلة‭ ‬رأفت‭ ‬الهجان‭ ‬مجموعة‭ ‬قصصية‭ ‬تذكرنا‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬قصة‭ ‬بأننا‭ ‬مجرد‭ ‬كائنات‭ ‬هشة،‭ ‬تلهث‭ ‬وراء‭ ‬أوهام‭ ‬صنعتها‭ ‬بأيديها‭ ‬وتعيش‭ ‬حياتها‭ ‬على‭ ‬حافة‭ ‬العبث‭.‬

ويقدّم‭ ‬حسنين‭ ‬بن‭ ‬عمّو‭ ‬روايته‭ ” ‬الغروب‭ ‬الخالد‭” ‬على‭ ‬النحو‭ ‬التالي‭: ” ‬بمناسبة‭ ‬صدور‭ ‬طبعة‭ ‬جديدة‭ ‬منقحة‭ ‬ومزدانة‭ ‬بالعديد‭ ‬من‭ ‬التفاصيل‭ ‬من‭ ‬رواية‭ ‬الغروب‭ ‬الخالد‭ ‬ذهبت‭ ‬لزيارة‭ ‬صديقي‭ ‬الأثري‭ ‬عبد‭ ‬الرحمان‭ ‬بن‭ ‬خلدون‭ ‬لأقدم‭ ‬له‭ ‬روايتي‭ ‬عنه‭ ‬وعن‭ ‬مسيرته،‭ ‬فقد‭ ‬كنت‭ ‬جلست‭ ‬إليه‭ ‬مرارا‭ ‬ليحدثني‭ ‬عن‭ ‬نفسه،‭ ‬فكان‭ ‬يراوغني‭ ‬وأراوغه‭ ‬فلا‭ ‬أظفر‭ ‬منه‭ ‬بالكثير‭ ‬من‭ ‬مكنون‭ ‬نفسه،‭ ‬لكنني‭ ‬تمكنت‭ ‬أحيانا‭ ‬من‭ ‬محاصرته‭ ‬ليبوح‭ ‬لي‭ ‬بما‭ ‬لم‭ ‬يبح‭ ‬به‭ ‬من‭ ‬قبل‭ ‬سواء‭ ‬ترفعا‭ ‬أو‭ ‬خوفا‭ ‬من‭ ‬السقوط‭ ‬من‭ ‬عليائه‭ ‬في‭ ‬نظر‭ ‬الناس،‭ ‬لكن‭ ‬المهم‭ ‬في‭ ‬لقاءاتنا‭ ‬هو‭ ‬ذلك‭ ‬التناغم‭ ‬الذي‭ ‬حصل‭ ‬بيننا‭ ‬فكانت‭ ‬كتابتي‭ ‬عنه‭ ‬نابعة‭ ‬مني‭ ‬منه،‭ ‬وكانت‭ ‬مغامرتي‭ ‬أنا‭ ‬لتسلق‭ ‬أعالي‭ ‬هذه‭ ‬الشخصية‭ ‬الفريدة‭ ‬لألقي‭ ‬نظرة‭ ‬فوقية‭ ‬على‭ ‬عوالم‭ ‬من‭ ‬التاريخ‭ ‬ومن‭ ‬العبر‭ ‬وديوان‭ ‬المبتدأ‭ ‬والخبر‭ ‬في‭ ‬أيام‭ ‬الأمم‭ ‬ومن‭ ‬عاصرهم‭ ‬من‭ ‬ذوي‭ ‬السلطان‭ ‬وملوك‭ ‬الأوطان‭.”‬

في‭ ‬زمنٍ‭ ‬تتقاطع‭ ‬فيه‭ ‬المصائر‭ ‬وتشتعل‭ ‬الحروب،‭ ‬تأتي‭ ‬رواية‭ ‬االغروب‭ ‬الخالدب‭ ‬لتكشف‭ ‬الستار‭ ‬عن‭ ‬قصّة‭ ‬عبد‭ ‬الرحمان‭ ‬بن‭ ‬خلدون،‭ ‬الشابّ‭ ‬الذي‭ ‬انقلبت‭ ‬حياتُه‭ ‬رأسًا‭ ‬على‭ ‬عقب‭ ‬بسبب‭ ‬الاضطرابات‭ ‬السياسية‭ ‬والاجتماعية‭ ‬التي‭ ‬اجتاحت‭ ‬شمال‭ ‬إفريقيا‭ ‬في‭ ‬القرن‭ ‬الرابع‭ ‬عشر‭.‬

من‭ ‬تونس‭ ‬إلى‭ ‬فاس،‭ ‬ومن‭ ‬غرناطة‭ ‬إلى‭ ‬تلمسان،‭ ‬تجوب‭ ‬الرواية‭ ‬أرجاء‭ ‬هذه‭ ‬الممالك‭ ‬المتناثرة‭ ‬وهي‭ ‬تتخبّط‭ ‬في‭ ‬صراعاتٍ‭ ‬مريرة‭. ‬فهل‭ ‬سيبقى‭ ‬عبد‭ ‬الرحمان‭ ‬أسيرًا‭ ‬لصراعات‭ ‬الماضي؟‭ ‬أم‭ ‬أنّ‭ ‬هناك‭ ‬مجالًا‭ ‬لإعادة‭ ‬بناء‭ ‬مجد‭ ‬الأجداد‭ ‬وسط‭ ‬الفوضى‭ ‬العارمة؟

في‭ ‬هذه‭ ‬الرواية،‭ ‬لا‭ ‬مكان‭ ‬للهرب‭ ‬من‭ ‬الحقيقة،‭ ‬ولا‭ ‬فرصة‭ ‬إلّا‭ ‬للنجاح‭ ‬إذا‭ ‬استطاع‭ ‬الشخص‭ ‬التمسّك‭ ‬بمصيره‭ ‬وسط‭ ‬الأمواج‭ ‬العاتية‭.‬

‭”‬الغروب‭ ‬الخالد‭” ‬ليست‭ ‬سيرة‭ ‬تاريخيّة‭ ‬فحسب‭. ‬إنّها‭ ‬رحلة‭ ‬في‭ ‬الزمن‭ ‬يأخذنا‭ ‬إليها‭ ‬حسنين‭ ‬بن‭ ‬عمّو‭ ‬ببراعةٍ‭ ‬لافتة‭ ‬إذ‭ ‬يستنطق‭  ‬بن‭ ‬عمو‭ ‬بلسان‭ ‬ابن‭ ‬خلدون،‭ ‬رحلةٌ‭ ‬تفتح‭ ‬أبواب‭ ‬الأسئلة‭ ‬المعلّقة،‭ ‬وتُعيد‭ ‬صياغة‭ ‬الحقيقة‭ ‬في‭ ‬قالَبٍ‭ ‬مُشوّق،‭ ‬مليء‭ ‬بالمغامرة‭ ‬والأمل‭. ‬

وفي‭ ‬روايته‭  ‬الجديدة‭ ” ‬شيزوفرينيا‭”‬،‭ ‬ينسج‭ ‬الروائيّ‭ ‬التونسيّ‭ ‬هادي‭ ‬التيمومي‭ ‬بمهارةٍ‭ ‬عالية‭ ‬عالمًا‭ ‬روائيًّا‭ ‬معقّدًا،‭ ‬يدور‭ ‬في‭ ‬فضاء‭ ‬تتداخل‭ ‬فيه‭ ‬عوالم‭ ‬الواقع‭ ‬والوهم،‭ ‬وتمتزج‭ ‬الحقيقة‭ ‬بالخرافة‭.‬

‎تُطرد‭ ‬عائلة‭ ‬برناز‭ ‬من‭ ‬فيلتها‭ ‬الفاخرة‭ ‬إلى‭ (‬خربة‭ ‬الحجّارية‭)‬،‭ ‬الخربة‭ ‬التي‭ ‬تلاحقها‭ ‬سمعة‭ ‬سيّئة‭ ‬عن‭ ‬الجنّ‭ ‬والعفاريت‭. ‬ومع‭ ‬مرور‭ ‬الأيام،‭ ‬تتكشّف‭ ‬خيوطٌ‭ ‬تربط‭ ‬أفراد‭ ‬العائلة‭ ‬بشخصياتٍ‭ ‬غامضةٍ‭ ‬من‭ ‬الماضي،‭ ‬وتظهر‭ ‬طلاسمُ‭ ‬قديمة‭ ‬وطقوسٌ‭ ‬غريبة‭ ‬تقود‭ ‬الأحداث‭ ‬نحو‭ ‬منعطفاتٍ‭ ‬غير‭ ‬متوقعة‭. ‬فيجد‭ ‬زكريّا‭ ‬ابن‭ ‬سلطان‭ ‬دعلوش‭ ‬نفسَه‭ ‬في‭ ‬مواجهةٍ‭ ‬قاسيةٍ‭ ‬مع‭ ‬ماضيه،‭ ‬وتنكشف‭ ‬له‭ ‬حقائقُ‭ ‬مؤلمةٌ‭ ‬تتعلّق‭ ‬بنسبه‭ ‬وهويّته‭.‬

‎تغوص‭ ‬الرواية‭ ‬في‭ ‬الموروث‭ ‬الشعبي‭ ‬والأساطير‭ ‬القديمة،‭ ‬وتفتح‭ ‬أمام‭ ‬القارئ‭ ‬باب‭ ‬الجنّ‭ ‬والأسحار‭ ‬والطلاسم‭ ‬على‭ ‬مصراعيه،‭ ‬فتقحمه‭ ‬فيه‭ ‬لتخلّصه‭ ‬منه‭ ‬ومن‭ ‬إرثِ‭ ‬ثقيل‭ ‬جعل‭ ‬حضارة‭ ‬بأسرها‭ ‬تعيش‭ ‬حالة‭ ‬فصام‭.‬

‎تُقدّم‭ “‬شيزوفرينيا‭” ‬حكايةً‭ ‬آسرةً‭ ‬عن‭ ‬تأثير‭ ‬الماضي‭ ‬في‭ ‬الحاضر،‭ ‬عن‭ ‬الأوهام‭ ‬التي‭ ‬تسيطر‭ ‬على‭ ‬العقول،‭ ‬وعن‭ ‬الصراع‭ ‬المحتدم‭ ‬بين‭ ‬الواقع‭ ‬والأسطورة‭ ‬في‭ ‬بيئةٍ‭ ‬مُثقلة‭ ‬بالتاريخ،‭ ‬ومشحونة‭ ‬بالأسرار‭. ‬روايةٌ‭ ‬تشدّ‭ ‬القارئ‭ ‬إليها‭ ‬من‭ ‬أول‭ ‬صفحةٍ‭ ‬إلى‭ ‬آخر‭ ‬سطرٍ،‭ ‬وتتركه‭ ‬في‭ ‬مواجهةٍ‭ ‬مع‭ ‬السؤال‭ ‬الأصعب‭: ‬ما‭ ‬الذي‭ ‬يُصدّق‭ ‬حقّا‭ ‬؟

‫شاهد أيضًا‬

في‭ ‬كتابة‭ ‬التاريخ‭ ‬الثقافي،‭ ‬كتاب‭ ‬تكريمي‭ ‬للأستاذ‭ ‬المتميّز‭ ‬لطفي‭ ‬عيسى‭: ‬ من‭ ‬أجل‭ ‬تاريخ‭ ‬تركيبي‭ ‬يراوح‭ ‬بين‭ ‬الجزئيـّة‭ ‬والشموليـّة

الصحافة‭ ‬اليوم‭: ‬كمال‭ ‬الهلالي في‭ ‬افتتاحية‭ ‬الكتاب‭ ‬التكريمي‭ ‬لأستاذ‭ ‬التاريخ‭ ‬ا…