«القارة لا تزال تواجه مظالم تاريخية في ما يتعلق بالتمثيل، والتمويل، والتعرض للمخاطر المناخية..»، هكذا شخّص الأمين العام لمنظمة الأمم المتحدة انطونيو غوتيريش الوضع في افريقيا عشية احتفال المجموعة الدولية بيوم إفريقيا الذي يوافق هذه السنة الذكرى الثالثة والستين لإنشاء مُنظّمة الوحدة الإفريقية في 25 ماي 1963، والتي تحوّلت إلى الاتّحاد الإفريقي سنة 2002.
واللّافت أن الإحتفال بيوم افريقيا هذا العام اتخذ أبعادا غير مسبوقة، سواء من حيث الفعاليات والأنشطة الاحتفالية جهويا ودوليا، أو في علاقة بالمواقف المعلنة والتي بدت منحازة ومدافعة عن حقوق القارة السمراء وشعوبها، وكأننا إزاء صحوة ضمير متأخرة أو إدراك قوي لما تمثله هذه الرقعة من الأرض وهذه الموارد المادية والبشرية التي تزخر بها.
وتعتبر تونس أن هذا الاحتفال مناسبة لاستحضار نضالات وتضحيات الآباء المؤسسين لمنظمة الوحدة الإفريقية حتى تكون إفريقيا للأفارقة سيّدةً لقرارها ومتحكّمةً في مقدّراتها وثرواتها الطبيعية وقادرة على فرض مكانتها في النظام الدولي.
وبلادنا ملتزمة أيضا كما عبرت عن ذلك وزارة الشؤون الخارجية والهجرة والتونسيين بالخارج في بيان معهود بالمناسبة، بتوطيد عُرى الأخوّة وتوثيق علاقات التعاون مع شقيقاتها في القارّة على أسس الاحترام المتبادل والتضامن والشراكة الرابحة والمنفعة المتبادلة.
والشراكة على الصعيد الثنائي أو الجماعي بين الدول الإفريقية يجب أن تقوم وفق المقاربة التونسية على تقاسم المعرفة ونقل الخبرات في جميع القطاعات والمجالات الاقتصادية والاجتماعية والأكاديمية والثقافية في إطار التعاون جنوب ـ جنوب.
وطبيعي أن تدافع تونس هنا على مبدإ «الحلول الإفريقية للتحدّيات الإفريقية» باعتبار أنّ التحديات التي تواجهها القارة الإفريقية، مهما تعدّدت وتشعّبت، لا يمكن مجابهتها بصورة ناجعة إلا من خلال حلول إفريقية تنبع من واقع القارة وخصوصيات شعوبها، وتعكس أولوياتها الحقيقية، على أَن يقترن ذلك بدعم دولي فعلي ودائم، دون تدخل ودون إسقاط للوصفات الجاهزة ودون إعطاء الدروس..
بعبارة أخرى، ما يجب أن يحكم العلاقات والشراكات، النِدّية والاحترام المتبادل والثقة والمسؤولية والمصالح المشتركة بِمَا يَتكيَّف مع المتغيّرات العالمية.
ومهم في هذا الإطار ان تتقاطع دعوه تونس الى التعجيل بإصلاح مجلس الأمن الدولي بِمَا يعكس التغيّرات الراهنة للنظام الدولي، وإِعادة هيكلة النظام المالي العالمي ليكون أكثر عَدْلاً وإنْصَافًا وشُمُوليةً، بِمَا من شأنه أن يستجيب لاحتياجات الدول النامية ويسَدّ فَجْوَة تمويل التنمية، مع قناعة راسخة لدى الأمين العام للأمم المتحدة نفسه والذي يقول بوضوح: «إن استمرار إقصاء إفريقيا من التمثيل الدائم في مجلس الأمن يُعد بالفعل مظلمة تاريخية، ولا يمكننا القبول بذلك. إن الأمر هنا لا يتعلق بالامتيازات أو الرمزية، بل يتعلق بضمان أن يكون المجلس ملائما للغرض المنشود منه، وقادرا على العمل بمشروعية وفعالية».
إن هذه المواقف المبدئية من القارة السمراء تستند بداية إلى القيم والمبادئ الإنسانية والإيمان بالكرامة المتأصلة في بني البشر، وإلى ما تمتلكه افريقيا من إمكانات هائلة بفضل مواردها الطبيعية وتركيبتها السكانية الشابة وقطاع الطاقة الخضراء الآخذ في التوسع وآفاق التجارة فيها ومعها..
وللأسف لا يمكن هنا القفز على جملة من الصعوبات والتحديات التي تعيق الأفارقة وتكبّل نهضتهم ونذكر بالخصوص معضلة الديون وخاصة منها الديون الكريهة التي يتوجب إسقاطها وتحويل البقية الى استثمارات وفي أقصى الحالات تجميدها الى حين. كذلك الأمر بالنسبة إلى الأموال المنهوبة والتي هي جريمة ثانية تقترفها نفس تلك الدول التي مارست الاستعمار المباشر ونهبت الثروات الإفريقية على امتداد عقود.
أضف إلى ذلك المشكلات البيئية والفقر والاوبئة والهشاشة الأمنية التي تشهدها بعض دول القارّة نتيجة الصراعات المسلحة والنزاعات العرقية وتنامي نشاط الجماعات الإرهابية والتي أضحت تهدّد بصورة جدية أمنها واستقرارها، وأفرزت استفحالا خطيرا لظاهرة الهجرة غير النظامية التي يتمّ استغلالها من قبل شبكات الجريمة المنظمة العابرة للحدود.
وقد أصبحت الهجرة غير النظامية سيفا مسلّطا على الدول «المصدّرة» للمهاجرين غير النظاميين ودول «العبور» ودول «الاستقبال» ودول «الاستيطان» في نفس الوقت، ولا يمكن معالجة هذه الظاهرة المتفاقمة خارج إطار المقاربة الشاملة والتشاركية المتضامنة على قاعدة تقاسم المسؤولية والأعباء بين دول المصدر والعبور والوجهة، بما يحفظ كرامة الإنسان الإفريقي، ويُوفّر له الإمكانيات التنموية اللازمة للعيش في كرامة في وطنه الأمّ.
إن اللحظة الراهنة مناسبة جدا لإعادة كتاب تاريخ القارة السمراء بل وكتابة تاريخ البشرية وإنصاف شعوب ودول تعرضت إلى أبشع أنواع الاستغلال ونكران الحقوق وقد حان الوقت لعلاج هذا الخلل بالرهان على الحلول الإفريقية الإفريقية للتحديات الإفريقية.
بعد ترامب.. بوتين في ضيافة بكين: الصين تُحكم لعبة خلط الأوْراق في المشهد الدولي
بعد أربعة أيام فقط من زيارة رئيس الولايات المتحدة الأمريكية، أدّى …





