الغش في الباكالوريا: حين يتحول الغش إلى ثقافة تهدّد قيمنا التربوية
الصحافة اليوم:
في الوقت الذي تنتظر فيه العائلات بفارغ الصبر حصاد أبنائها في أهم محطات مسارهم الدراسي، يعود الجدل هذه السنة حول ظاهرة الغش التي تعكر صفو هذا الاستحقاق الوطني.ومع انطلاق امتحان الباكالوريا ، تم تسجيل حالات متتالية تؤكد تطور أساليب الغش اذ نجحت فرقة الشرطة العدلية بتونس المدينة في تفكيك شبكة مختصة في الغش الإلكتروني بجهة الحفصية حيث تم حجز أجهزة إلكترونية متطورة وسماعات دقيقة مخفية كانت تستخدم لتمرير الإجابات. وسبقت هذه العملية بيوم واحد عملية اخرى لإقليم الأمن الوطني بالقصرين أدت إلى تفكيك وفاق آخر مختص في الغش باستعمال وسائل تقنية حديثة، ما أسفر عن إيقاف عنصرين رئيسيين وحجز مبالغ مالية.
لا شك ان تكرار هذه العمليات وتطور ادوات الغش من أوراق صغيرة إلى سماعات ذكية متصلة بشبكات يكشف خللا في منظومتنا التربوية والاجتماعية. وللأسف فقد أصبح الغش أشبه بالثقافة التي تترسخ لدى التلميذ منذ المراحل الابتدائية. ففي السنوات الأولى من الدراسة، كثيرا ما يتم التساهل مع محاولات التلميذ الغش تحت مبررات مثل صغر السن، وهوما يزرع في ذهن الطفل أن النجاح لا يتطلب جهدا منه بقدر ما يتطلب مهارة في التملص من القواعد .
ويخلق هذا التساهل في المدارس الابتدائية والإعدادية تراكمات سلوكية إذ ينمو التلميذ معتقدا أن الغش هو أداة للمرور من سنة الى أخرى وهذه السلوكيات تقريبا نجدها في كل المدارس والمعاهد . وعندما يصل هؤلاء التلاميذ إلى مرحلة الباكالوريا باعتبارها امتحانا مصيريا لا يجد حرجا في الاستثمار في شبكات إجرامية أو شراء أجهزة إلكترونية باهظة الثمن لأن التدرج في التهاون أفقدهم البوصلة الأخلاقية.
إن أخطر ما يهدد المجتمع جراء هذه الظاهرة هو ضرب مبدإ تكافؤ الفرص فحين ينجح المترشح الذي اعتمد الغش بفضل التكنولوجيا والشبكات المنظمة، ويضيع حق التلميذ الذي سهر الليالي في المراجعة والتحصيل العلمي، فإننا نرسل رسالة سلبية ومدمرة للأجيال المقبلة ونؤكد ان هذا الواقع يخلق شرخا في الثقة في الشهادات الوطنية، ما يقلل من قيمة الكفاءة في سوق العمل مستقبلا.
مسؤولية مشتركة
رغم أهمية الجهود الأمنية ونجاحها في تفكيك شبكات بالعاصمة والقصرين الا انه لا يمكنها ان تعالج لوحدها أصل الداء، فالمعالجة يجب أن تكون جذرية تشترك فيها العائلة والمؤسسة التربوية وذلك من اجل رفع سقف الرقابة التربوية الأخلاقية.
كما يجب أن ندرك أن محاربة الغش تبدأ من رفض التسامح مع التجاوزات الصغيرة في المرحلة الابتدائية وتكريس قيمة العمل والجهد كقيمة عليا لا تقبل المساومة ووجب إصلاح العقلية التي جعلت من الغش وسيلة للنجاح وذلك من خلال اصلاح المناهج التربوية وتعديل التربية الأسرية التي تبني شخصية التلميذ.
سامية جاءبالله
المياه مجهولة المصدر في الأحياء الشعبية: صيف حارّ تقوده مخاوف التّسمم
الصحافة اليوم: مع حلول فصل الصيف وما يشهده من ارتفاع في درجات الحر…
