2026-06-06

الغش‭ ‬في‭ ‬الباكالوريا‭:‬ حين‭ ‬يتحول‭ ‬الغش‭ ‬إلى‭ ‬ثقافة‭ ‬تهدّد‭ ‬قيمنا‭ ‬التربوية

الصحافة‭ ‬اليوم‭:‬

في‭ ‬الوقت‭ ‬الذي‭ ‬تنتظر‭ ‬فيه‭ ‬العائلات‭ ‬بفارغ‭ ‬الصبر‭ ‬حصاد‭ ‬أبنائها‭ ‬في‭ ‬أهم‭ ‬محطات‭ ‬مسارهم‭ ‬الدراسي،‭ ‬يعود‭ ‬الجدل‭ ‬هذه‭ ‬السنة‭ ‬حول‭ ‬ظاهرة‭ ‬الغش‭ ‬التي‭ ‬تعكر‭ ‬صفو‭ ‬هذا‭ ‬الاستحقاق‭ ‬الوطني‭.‬ومع‭ ‬انطلاق‭ ‬امتحان‭ ‬الباكالوريا‭ ‬،‭ ‬تم‭ ‬تسجيل‭ ‬حالات‭ ‬متتالية‭ ‬تؤكد‭ ‬تطور‭ ‬أساليب‭ ‬الغش‭ ‬اذ‭ ‬نجحت‭ ‬فرقة‭ ‬الشرطة‭ ‬العدلية‭ ‬بتونس‭ ‬المدينة‭ ‬في‭ ‬تفكيك‭ ‬شبكة‭ ‬مختصة‭ ‬في‭ ‬الغش‭ ‬الإلكتروني‭ ‬بجهة‭ ‬الحفصية‭ ‬حيث‭ ‬تم‭ ‬حجز‭ ‬أجهزة‭ ‬إلكترونية‭ ‬متطورة‭ ‬وسماعات‭ ‬دقيقة‭ ‬مخفية‭ ‬كانت‭ ‬تستخدم‭ ‬لتمرير‭ ‬الإجابات‭. ‬وسبقت‭ ‬هذه‭ ‬العملية‭ ‬بيوم‭ ‬واحد‭ ‬عملية‭ ‬اخرى‭ ‬لإقليم‭ ‬الأمن‭ ‬الوطني‭ ‬بالقصرين‭ ‬أدت‭ ‬إلى‭ ‬تفكيك‭ ‬وفاق‭ ‬آخر‭ ‬مختص‭ ‬في‭ ‬الغش‭ ‬باستعمال‭ ‬وسائل‭ ‬تقنية‭ ‬حديثة،‭ ‬ما‭ ‬أسفر‭ ‬عن‭ ‬إيقاف‭ ‬عنصرين‭ ‬رئيسيين‭ ‬وحجز‭ ‬مبالغ‭ ‬مالية‭.‬

لا‭ ‬شك‭ ‬ان‭ ‬تكرار‭ ‬هذه‭ ‬العمليات‭ ‬وتطور‭ ‬ادوات‭ ‬الغش‭ ‬من‭ ‬أوراق‭ ‬صغيرة‭ ‬إلى‭ ‬سماعات‭ ‬ذكية‭ ‬متصلة‭ ‬بشبكات‭ ‬يكشف‭ ‬خللا‭ ‬في‭ ‬منظومتنا‭ ‬التربوية‭ ‬والاجتماعية‭. ‬وللأسف‭ ‬فقد‭ ‬أصبح‭ ‬الغش‭ ‬أشبه‭ ‬بالثقافة‭ ‬التي‭ ‬تترسخ‭ ‬لدى‭ ‬التلميذ‭ ‬منذ‭ ‬المراحل‭ ‬الابتدائية‭. ‬ففي‭ ‬السنوات‭ ‬الأولى‭ ‬من‭ ‬الدراسة،‭ ‬كثيرا‭ ‬ما‭ ‬يتم‭ ‬التساهل‭ ‬مع‭ ‬محاولات‭ ‬التلميذ‭ ‬الغش‭ ‬تحت‭ ‬مبررات‭ ‬مثل‭ ‬صغر‭ ‬السن،‭ ‬وهوما‭ ‬يزرع‭ ‬في‭ ‬ذهن‭ ‬الطفل‭ ‬أن‭ ‬النجاح‭ ‬لا‭ ‬يتطلب‭ ‬جهدا‭ ‬منه‭ ‬بقدر‭ ‬ما‭ ‬يتطلب‭ ‬مهارة‭ ‬في‭ ‬التملص‭ ‬من‭ ‬القواعد‭ .‬

ويخلق‭ ‬هذا‭ ‬التساهل‭ ‬في‭ ‬المدارس‭ ‬الابتدائية‭ ‬والإعدادية‭ ‬تراكمات‭ ‬سلوكية‭ ‬إذ‭ ‬ينمو‭ ‬التلميذ‭ ‬معتقدا‭ ‬أن‭ ‬الغش‭ ‬هو‭ ‬أداة‭ ‬للمرور‭ ‬من‭ ‬سنة‭ ‬الى‭ ‬أخرى‭ ‬وهذه‭ ‬السلوكيات‭ ‬تقريبا‭ ‬نجدها‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬المدارس‭ ‬والمعاهد‭ . ‬وعندما‭ ‬يصل‭ ‬هؤلاء‭ ‬التلاميذ‭ ‬إلى‭ ‬مرحلة‭ ‬الباكالوريا‭ ‬باعتبارها‭ ‬امتحانا‭ ‬مصيريا‭ ‬لا‭ ‬يجد‭ ‬حرجا‭ ‬في‭ ‬الاستثمار‭ ‬في‭ ‬شبكات‭ ‬إجرامية‭ ‬أو‭ ‬شراء‭ ‬أجهزة‭ ‬إلكترونية‭ ‬باهظة‭ ‬الثمن‭ ‬لأن‭ ‬التدرج‭ ‬في‭ ‬التهاون‭ ‬أفقدهم‭ ‬البوصلة‭ ‬الأخلاقية‭.‬

إن‭ ‬أخطر‭ ‬ما‭ ‬يهدد‭ ‬المجتمع‭ ‬جراء‭ ‬هذه‭ ‬الظاهرة‭ ‬هو‭ ‬ضرب‭ ‬مبدإ‭ ‬تكافؤ‭ ‬الفرص‭ ‬فحين‭ ‬ينجح‭ ‬المترشح‭ ‬الذي‭ ‬اعتمد‭ ‬الغش‭ ‬بفضل‭ ‬التكنولوجيا‭ ‬والشبكات‭ ‬المنظمة،‭ ‬ويضيع‭ ‬حق‭ ‬التلميذ‭ ‬الذي‭ ‬سهر‭ ‬الليالي‭ ‬في‭ ‬المراجعة‭ ‬والتحصيل‭ ‬العلمي،‭ ‬فإننا‭ ‬نرسل‭ ‬رسالة‭ ‬سلبية‭ ‬ومدمرة‭ ‬للأجيال‭ ‬المقبلة‭ ‬ونؤكد‭ ‬ان‭ ‬هذا‭ ‬الواقع‭ ‬يخلق‭ ‬شرخا‭ ‬في‭ ‬الثقة‭ ‬في‭ ‬الشهادات‭ ‬الوطنية،‭ ‬ما‭ ‬يقلل‭ ‬من‭ ‬قيمة‭ ‬الكفاءة‭ ‬في‭ ‬سوق‭ ‬العمل‭ ‬مستقبلا‭.‬

مسؤولية‭ ‬مشتركة

رغم‭ ‬أهمية‭ ‬الجهود‭ ‬الأمنية‭ ‬ونجاحها‭ ‬في‭ ‬تفكيك‭ ‬شبكات‭ ‬بالعاصمة‭ ‬والقصرين‭ ‬الا‭ ‬انه‭ ‬لا‭ ‬يمكنها‭  ‬ان‭ ‬تعالج‭ ‬لوحدها‭ ‬أصل‭ ‬الداء،‭ ‬فالمعالجة‭ ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬جذرية‭ ‬تشترك‭ ‬فيها‭ ‬العائلة‭ ‬والمؤسسة‭ ‬التربوية‭ ‬وذلك‭ ‬من‭ ‬اجل‭ ‬رفع‭ ‬سقف‭ ‬الرقابة‭ ‬التربوية‭ ‬الأخلاقية‭.‬

كما‭ ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬ندرك‭ ‬أن‭ ‬محاربة‭ ‬الغش‭ ‬تبدأ‭ ‬من‭ ‬رفض‭ ‬التسامح‭ ‬مع‭ ‬التجاوزات‭ ‬الصغيرة‭ ‬في‭ ‬المرحلة‭ ‬الابتدائية‭ ‬وتكريس‭ ‬قيمة‭ ‬العمل‭ ‬والجهد‭ ‬كقيمة‭ ‬عليا‭ ‬لا‭ ‬تقبل‭ ‬المساومة‭ ‬ووجب‭ ‬إصلاح‭ ‬العقلية‭ ‬التي‭ ‬جعلت‭ ‬من‭ ‬الغش‭ ‬وسيلة‭ ‬للنجاح‭ ‬وذلك‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬اصلاح‭ ‬المناهج‭ ‬التربوية‭ ‬وتعديل‭ ‬التربية‭ ‬الأسرية‭ ‬التي‭ ‬تبني‭ ‬شخصية‭ ‬التلميذ‭.‬

سامية‭ ‬جاءبالله

‫شاهد أيضًا‬

المياه‭ ‬مجهولة‭ ‬المصدر‭ ‬في‭ ‬الأحياء‭ ‬الشعبية‭:‬ صيف‭ ‬حارّ‭ ‬تقوده‭ ‬مخاوف‭ ‬التّسمم

الصحافة‭ ‬اليوم‭:‬ مع‭ ‬حلول‭ ‬فصل‭ ‬الصيف‭ ‬وما‭ ‬يشهده‭ ‬من‭ ‬ارتفاع‭ ‬في‭ ‬درجات‭ ‬الحر…