أعلن رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف فجر أمس الاثنين التوصّل إلى «اتفاق سلام» بين الولايات المتحدة الأمريكية والجمهورية الإسلامية الإيرانية بعد مفاوضات مكثّفة ومعقّدة استوجبت ثلاثة أشهرٍ و16 يوماً من العمل الدؤوب والجهود المتواصلة والزيارات المكوكية والمزايدات الكلامية في ظل استمرار المناوشات وتبادل إطلاق النار كما يقال، ليس ذلك فحسب، تم تحقيق تقدّم مهمّ بين طهران وواشنطن بشأن القضايا المتعلّقة بلبنان الذي يكتسي أهمية استراتيجية في ما يُعرف بمحور المقاومة في المنطقة.
وحسب المسؤول الباكستاني الذي تحظى بلاده بثقة طهران وهي ترعى المفاوضات بينها وبين الولايات المتحدة، يُنتظر توقيع «اتفاق سلام» الذي تم التوصّل إليه والذي ينص على إنهاء العمليات العسكرية بشكل فوري في منطقة الشرق الأوسط، بما في ذلك المواجهات في لبنان كما أسلفنا، في مدينة جنيف بسويسرا يوم الجمعة القادم 19 جوان الجاري.
وكما هو معلوم، ستشهد المرحلة المقبلة استمرار المفاوضات بهدف التوصل إلى اتفاق نهائي في غضون 60 يوما، لوضع النقاط على الحروف في الملفات الشائكة والعالقة كوجود القوات القتالية الأمريكية في محيط إيران، وإلغاء العقوبات الأولية والثانوية وعقوبات مجلس الأمن الدولي ومجلس المحافظين على طهران، وكذلك حركة النقل في مضيق هرمز والرسوم المتوجبة على السفن العابرة، دون أن ننسى الملف النووي وتخصيب اليورانيوم والمواد النووية المخزّنة في الجمهورية الإسلامية..
إن الاتفاق بين الولايات المتحدة وإيران بحسب ما أُعلن حتى الآن هو في تقديرنا اتفاق لخفض التصعيد وتسوية مؤقتة ذات أبعاد أمنية واقتصادية ونووية أكثر من كونه تحالفًا أو مصالحة كاملة بين الطرفين ومن مزاياه أن جعل العالم يتنفس الصعداء.
بعبارة أخرى، هي صفقة تبادل مصالح قوامها تهدئة أمنية وتقييد للملف النووي مقابل تخفيف الضغوط والعقوبات وإعادة فتح مسارات التجارة والطاقة وستكشف لنا الأيام القادمة قدرة كلا الطرفين على الوفاء بالتزاماته لأن التجربة الماضية أثبتت أن الفجوة بين حسابات الطرفين عميقة، فواشنطن لا تريد «تمرّد» قوّة صاعدة تهدّد انفرادها بالقرار الدولي وطهران من جانبها تتمسك بحقها في تقرير مصيرها وامتلاك ناصية العلم والتقدم والتأسيس لنظام عالمي جديد متعدد الاقطاب يقطع مع الهيمنة الأمريكية.
إن الوصول إلى اتفاق سلام اليوم يمثل سياسيًا انفراجة دبلوماسية إذا نجح في تثبيت التهدئة بالخصوص، وسيكون اختبارًا للثقة بين خصمين استراتيجيين ظلت علاقاتهما متوترة لعقود لذلك نعتبر أن الأمر يتعلق بصفقة براغماتية، أجل صفقة براغماتية لأن كل طرف يسعى لتحقيق مكاسب محددة دون إنهاء الخلافات الجوهرية.
ويكفي في هذا الإطار العودة الى ما قيل حين اندلاع الشرارة الاولى للمواجهة بين الولايات المتحدة الأمريكية والجمهورية الإسلامية الإيرانية ودخول الكيان الصهيوني على الخط، كان هدف الرئيس الأمريكي ورئيس الحكومة الصهيونية، إسقاط النظام في طهران ونشر الديمقراطية والقضاء على المقاومة في لبنان وإزالة سلاح حزب الله..!
ولم تنطل هذه الحيلة على أحد، فعلاوة على أن ترامب وناتنياهو هما آخر من بمقدوره الحديث عن الديمقراطية وحقوق الإنسان والشعوب، بان بالكاشف منذ اليوم الأول للحرب أن المطلوب كان الاطاحة بإيران والمحور الذي تقوده، وها هو اليوم الأخير قبل توقيع اتفاق السلام يؤكد ذلك حيث لا حقوق ولا ديمقراطية ولا هم يحزنون..!
لقد أساءت الإدارة الأمريكية على ما يبدو تقدير القدرات الإيرانية وحلفائها في المنطقة، كما مثّل الحضور الأمريكي في دول الجوار نقطة ضعف غيّرت معادلة الجغرافيا التي لم تكن لصالح الأمريكان هذه المرة، صحيح أن الولايات المتحدة بعيدة جغرافيا لكن قواعدها ومصالحها التي تخضع لسيادتها وحمايتها كانت أهدافا سهلة للايرانيين..
إن مقولة «خطوة إلى الأمام خطوتان إلى الوراء»، تنطبق على واقع الحال، فقد حصل التقدم خطوة إلى الأمام بوقف الحرب والجنوح للسلم ولو الهش، لكننا تراجعنا خطوتين، إن لم يكن أكثر الى الوراء، فلا حديث ولا تحديد للمسؤوليات، لمن عرّض حياة المجموعة البشرية للخطر، ومن اقترف جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية تحت يافطة نشر الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان..
وأكبر خطوة إلى الوراء هي هذه الحصانة التي يتمتع بها الكيان الصهيوني وقادته، والذين لم يكتفوا بما يقترفون من جرائم في فلسطين ولبنان، غير راضين عن ساكن البيت الأبيض ويرفضون ما آلت إليه الأمور من تهدئة ولو هشّة.
ويمكن القول أن ما جاء على لسان نائب وزير الخارجية الإيراني أمس الاثنين هو عين الصواب بالسعي للحصول على تصديق من مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة على اتفاق نهائي محتمل مع الولايات المتحدة يشمل ايضا برنامجها النووي، صحيح أن المنتظم الأممي في أسوإ حالاته، لكن البراغماتية تقتضي مثل هذه الخطوة.
الصلح الجزائي : فرصة لا يجوز إهدارها
عاد الحديث بقوة هذه الأيام عن الصلح الجزائي مع تواتر أخبار إطلاق …









