طبرقة تستعيد نبض الجاز بعد ست سنوات من الغياب دورة استثنائية تجمع أساطير الموسيقى العالمية ورواد التجارب التونسية
الصحافة اليوم : ريـم قـيدوز
تستعيد مدينة طبرقة أحد أبرز مواعيدها الثقافية وأكثرها ارتباطا بذاكرتها الفنية بعد ست سنوات من الغياب لتحتضن من 2 إلى 9 جويلية 2026 الدورة العشرين من مهرجان طبرقة الدولي للجاز في عودة طال انتظارها من قبل عشاق الموسيقى داخل تونس وخارجها، ويأتي إحياء هذا الحدث العريق الذي تشرف على تنظيمه وزارة الشؤون الثقافية ليؤكد الرغبة في إعادة المهرجان إلى موقعه الطبيعي ضمن أهم التظاهرات الموسيقية في حوض البحر الأبيض المتوسط بعد أن ظل لعقود أحد أبرز رموز الانفتاح الثقافي والفني في المنطقة.
لم يكن مهرجان طبرقة منذ تأسيسه سنة 1973مجرد سلسلة من الحفلات الموسيقية بل تحول إلى فضاء للحوار بين الثقافات ومنصة استقبلت أسماء صنعت تاريخ الجاز والموسيقى العالمية من بينها مايلز ديفيس وديزي غيليسبي ودي دي بريدجووتر ومانو ديبانغو وسيزاريا إيفورا وديانا كرال وغيرهم من الفنانين الذين تركوا بصمتهم على ركح طبرقة، لتصبح المدينة الواقعة بين البحر والغابات عنوانا لعشاق موسيقى الجاز من مختلف أنحاء العالم.
دورة الوفاء والانفتاح
وتحمل الدورة الجديدة دلالات خاصة، فهي لا تعلن فقط عن عودة مهرجان تاريخي، بل تقدم رؤية فنية تجمع بين الوفاء لذاكرة المهرجان والانفتاح على التجارب الموسيقية الحديثة من خلال برمجة تضم أسماء عالمية لامعة إلى جانب فنانين تونسيين وعرب، فضلا عن إطلاق تظاهرة Street Jazz التي تحول شوارع المدينة وساحاتها إلى فضاءات مفتوحة للعروض المجانية في خطوة تهدف إلى تقريب الجاز من الجمهور وإخراجه من القاعات المغلقة إلى الفضاء العام.
وتفتتح الدورة يوم الخميس02 جويلية 2026 مع الموسيقي الجزائري جمال لعروسي، أحد أبرز عازفي الغيتار في العالم العربي والذي عرف منذ التسعينيات بمزجه بين البلوز والروك والجاز والإيقاعات المغاربية وقد تنقل لعروسي بين الجزائر وفرنسا وعدد من العواصم الأوروبية مقدماً أعمالا تعكس انفتاح الموسيقى المغاربية على التجارب العالمية ليصبح من أبرز سفراء هذا اللون الموسيقي خارج المنطقة.
وفي اليوم التالي يستضيف مسرح البحر عازف البيانو الكوبي ألفريدو رودريغيز مع ثلاثي الموسيقي وهو أحد ألمع عازفي الجاز اللاتيني في العالم وقد سبق أن اكتشفه المنتج الأمريكي كوينسي جونز خلال مشاركته في مهرجان مونترو للجاز قبل أن ينتقل إلى الولايات المتحدة ويشق طريقه نحو العالمية حيث رشح لجائزة “غرامي” وقدم أعمالا تمزج بين الجاز الأمريكي والإيقاعات الأفرو-كوبية، معتمدا أسلوبا يرتكز على الارتجال والمهارة التقنية العالية.
وتشهد الليلة نفسها مشاركة فرقة Mںo Cabeça البرتغالية، التي تنتمي إلى الجيل الجديد من الفرق الأوروبية الساعية إلى تجاوز الحدود التقليدية للجاز من خلال مزج الموسيقى البرتغالية والإفريقية واللاتينية بإيقاعات معاصرة في تجربة موسيقية تعكس التنوع الثقافي لمنطقة البحر الأبيض المتوسط.
ويخصص يوم 04 جويلية للفنانة الأمريكية ليز ماكومب وهي إحدى أبرز الأصوات في موسيقى الغوسبل والبلوز والجاز وتمتلك ماكومب مسيرة تمتد لأكثر من ثلاثة عقود، اشتهرت خلالها بحضورها المسرحي القوي وبقدرتها على الانتقال بين الأنماط الموسيقية المختلفة، كما شاركت في العديد من المهرجانات الأوروبية الكبرى لتصبح من أكثر الأصوات تأثيرا في الموسيقى الروحية المعاصرة.
أما يوم الأحد 05 جويلية فيجمع بين مشروع Osool ومشاركة عازف الساكسوفون التونسي-الجزائري ياسين بولاراس والمغني الجزائري سفيان السعيدي في عرض يراهن على مزج الموسيقى المغاربية والإيقاعات الصوفية بالجاز الحديث، ويعد بولاراس من أبرز الموسيقيين العرب المقيمين في الولايات المتحدة حيث تعاون مع عدد من كبار فناني الجاز بينما عرف سفيان السعيدي بإحيائه للموسيقى الشعبية الجزائرية في قالب معاصر.
وتتواصل السهرات يوم السادس من جويلية مع عازف البيانو اللبناني طارق يماني الذي استطاع أن يصنع لنفسه مكانة مميزة على الساحة الدولية بفضل مشروعه الفني القائم على إعادة قراءة المقامات العربية والإيقاعات الخليجية من خلال لغة الجاز. وقد قدم يماني عروضاً في أهم المسارح العالمية، ويعد من أبرز الموسيقيين العرب الذين نجحوا في بناء جسر بين التراث والحداثة.
ومن أبرز محطات الدورة أيضا سهرة الثلاثاء 07 جويلية التي تحييها أسطورة الجاز الأمريكية دي دي بريدجووتر صاحبة المسيرة الممتدة لأكثر من أربعة عقود والحائزة على عدة جوائز “غرامي”، وتمثل مشاركة بريدجووتر عودة لفنانة ارتبط اسمها تاريخيا بمهرجان طبرقة حيث سبق لها أن اعتلت ركحه في دورات سابقة لتعود هذه المرة في لحظة رمزية تؤكد استعادة المهرجان لمكانته الدولية.
ويستقبل المهرجان يوم الأربعاء 08 جويلية الفرقة البريطانية Kokoroko التي أصبحت خلال السنوات الأخيرة من أهم فرق الجاز الأوروبية بعد نجاحها في مزج الجاز بالإفروبيت والموسيقى الإفريقية الغربية، وقد حققت الفرقة انتشارا واسعا بين جمهور الشباب وساهمت في تجديد صورة موسيقى الجاز لدى جيل جديد من المستمعين.
وتختتم عروض مسرح البحر يوم الخميس09 جويلية مع المغنية الأمريكية فيرونيكا سويفت التي تعد من أبرز أصوات الجيل الجديد في الجاز العالمي وتمتلك إمكانات صوتية لافتة مكنتها من الانتقال بسهولة بين الجاز والبلوز والموسيقى الكلاسيكية لتفرض حضورها في أهم المهرجانات الدولية.
كما تشهد السهرة الختامية مشاركة الفنانة Akua Naru وهي شاعرة ومغنية راب أمريكية اشتهرت بدمج الهيب هوب مع الجاز والسول بالكلمة الملتزمة مقدمة نموذجا موسيقيا يجمع بين الإبداع الفني والرسائل الإنسانية.
وفي المقابل، يمنح فضاء Street Jazz مساحة مهمة للموسيقيين التونسيين والتجارب البديلة، من خلال عروض يحييها محمد علي كمون صاحب مشروع “جازنا” الذي أعاد قراءة التراث الصوفي التونسي بلغة الجاز، إضافة الى فوزي الشكيلي بمشروع “Taqqsim Revival”، وعمر العوار مع “Octun Quintet”، وعازف الساكسوفون أحمد العجيبي، ومشروع Siroko للفنان عزيز زواوي، إضافة إلى الثنائي Inner Sense، في برمجة تعكس حيوية المشهد الموسيقي التونسي وانفتاحه على مختلف المدارس والأساليب.
ولا تقتصر أهمية عودة مهرجان طبرقة الدولي للجاز على بعدها الثقافي فقط بل تحمل أيضا رهانات سياحية واقتصادية، إذ يمثل الحدث أحد أبرز عوامل الجذب للمدينة خلال الموسم الصيفي بما يسهم في تنشيط الحركة الاقتصادية ودعم المؤسسات السياحية والتجارية بالجهة، كما يعزز المهرجان صورة طبرقة كوجهة تجمع بين الطبيعة الخلابة والإرث الحضاري والإبداع الفني وهي عناصر جعلت منها على امتداد أكثر من نصف قرن محطة أساسية على خارطة المهرجانات المتوسطية.
وببرمجة تجمع بين أساطير الجاز ونجوم الجيل الجديد والتجارب العربية والتونسية، تبدو الدورة العشرين أكثر من مجرد عودة لمهرجان غاب سنوات بل الإعلان عن استعادة طبرقة لمكانتها كمدينة تعزف على إيقاع العالم وتؤمن بأن الموسيقى تظل اللغة الأقدر والأجمل على جمع الشعوب وصناعة الجسور بين الثقافات.
مختار العجيمي مديرا لأيام قرطاج السينمائية 2026 خبرة نصف قرن في خدمة الصورة والذاكرة
الصحافة اليوم :ريـم قـيدوز في خطوة تعكس الرهان على الخبرة والتجربة الطويلة أعلنت وزارة الش…
