بالتزامن مع الاحتفال برأس السنة الهجرية الجديدة، أدّى رئيس الجمهوريّة قيس سعيّد عصر  أول أمس الثلاثاء زيارة إلى ولاية القيروان عاين خلالها تقدّم الأشغال المتعلّقة بتهيئة فسقيّة الأغالبة تحت إشراف الإدارة العامة للهندسة العسكريّة وتحوّل كذلك إلى سور المدينة الذي استُكملت أشغال ترميمه بالكامل بعد أن انهار جزء منه وتصدّعت أجزاء أخرى وكانت على وشك الانهيار.

وعلى غرار زياراته الميدانية السابقة، لم تخل هذه الزيارة من الرسائل المباشرة والمشفّرة التي أدلى بها الرئيس في القيروان والتي لا تكتسي أهميتها من الأطراف الموجّهة لها فقط ولكن لمضامينها ودلالاتها التي جاء بعضها مكرّرا للتأكيد وبعضها الآخر مستجدّا أملته الأوضاع الراهنة.

الرسالة الأولى، وهي معهودة في تقديرنا، عندما التقى رئيس الجمهوريّة خلال هذه الزيارة بعدد من المواطنين واستمع إلى مشاغلهم التي لم تقتصر على جهة القيروان بل شملت أيضا الشأن الوطني ومجال الرياضة الوطنية والجامعة التونسية لكرة القدم، وقد طمأنهم سيادته وأكّد لهم أنّ العمل مستمرّ دون انقطاع من أجل تحقيق مطالب الشعب التّونسي في كلّ القطاعات وفي كلّ المجالات.

الرسالة الثانية، وهي قوية ومقصودة ومطوّرة لرسالة سابقة مفادها الرهان على الدور المدني للمؤسسة العسكرية، فبعد مسبح البلفدير وغيره من المشاريع، أثنى رئيس الجمهورية مرّة أخرى على مجهودات الهندسة العسكرية في استكمال أشغال ترميم فسقية الأغالبة وسور المدينة العتيقة الذي حافظ على نفس طابعه المعماري والتاريخي، في وقت قياسي، فضلا عن اكتشاف عديد الاثار التي ظلت مغمورة لسنوات لتجعل من الموقع معلما فريدا من نوعه.

إن هذا الإنجاز يبرّر وجاهة التعويل على المؤسسة العسكرية والمراهنة عليها في تنفيذ المشاريع الرئاسية وفي آجال استثنائية، في الوقت الذي تتعثر فيه المشاريع الأخرى الموكولة للقطاعين المدنيين العام والخاص على حد سواء.

هذه الرسالة فيها اعتراف وتثمين لدور المؤسسة العسكرية وهي في نفس الوقت بمثابة درس وجرس إنذار للساهرين على بقية المشاريع حيث لا شيء مستحيل ولا شيء يبرر التلكؤ والبطء والفشل مع التأكيد على أهمية عدم إثقال كاهل جيشنا الوطني الذي تحتاجه جبهات حدودنا.

الرسالة الموالية التي أتتنا من «العاصمة الاسلامية»، القيروان، وفي مناسبة دينية وإنسانية مميزة، فيها رد اعتبار للتراث ولما تزخر به هذه المدينة وربوع الوطن بصفة عامة من معالم أثرية وتاريخية جعلت بلادنا تشع على العالم لتكون بمثابة منارة في عديد المجالات، وهنا ذكّر رئيس الجمهورية بأن فسقية الأغالبة مدرجة ضمن قائمة التراث العالمي لمنظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة «اليونسكو» ولها دور تاريخي وثقافي وسياحي سيتعزز بعد استكمال هذه الأشغال، لتتحول إلى فضاء عمومي مفتوح، ومزار يستجيب لمواصفات منتزه عصري لفائدة العائلات والزوار من داخل تونس وخارجها.

أما الرسالة قبل الأخيرة والتي تكاد تكون ركنا قارا في جميع إطلالات رئيس الجمهورية وحديثه للداخل والخارج، فهي للإدارة وللمسؤولين فيها في المستويات المحلية والجهوية والوطنية، فقد شدّد على ضرورة إزالة كل العقبات أمام تحقيق المشاريع في القيروان في أقرب الأوقات كاشفا أن كثيرا من المسؤولين يضعون العقبات باسم الإجراءات وعدم تحمل المسؤولية، الأمر الذي أدى إلى اغتيال التراث والاستيلاء على الملك العمومي وامتداد أحياء على نحو فوضوي..

وتظل الرسالة الأخيرة، وهي الأبلغ والأهم في تقديرنا لما تضمنته من رمزية ودلالات وما عبّرت عنه من خيارات ورسائل مباشرة ومشفرة في نفس الوقت، وهي فوق كل ذلك الأقدر في هذه المرحلة بالذات على حلحلة الامور والخروج من عنق الزجاجة كما يقال، ونقصد بذلك العقيدة التي يتوجب اعتناقها اليوم في بلادنا والتي تقوم على الانضباط والجدية والانجاز، وهي العقيدة السائدة في المؤسسة العسكرية.

في هذا الصدد بالذات يبدو أن الرئيس قد وضع في الحسبان مسألة العقيدة كمعيار في التسيير حيث قال بوضوح أن من يتحمّل المسؤولية في الدولة لابد أن يتحملها كالجندي على جبهة القتال، أي أن يكون محاربا وأن يكون تموقعه تحت الراية الوطنية وسقفه السيادة الوطنية ويكون العمل والأداء بكل الجدّ والمثابرة والجودة والشفافية التي تحتاجها البلاد.

‫شاهد أيضًا‬

بين واشنطن وطهران : ‎صفقة براغماتية والعالم يتنفّس الصعداء..!

‎أعلن رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف فجر أمس الاثنين التوصّل إلى «اتفاق سلام» بين الول…