ليالي السينما والأدب الصيفية بسوسة: مـواعـيـد أولـى مـع روائـع الأدب والـسـيـنـما فـي الــعــــالم
الصحافة اليوم: كمال الشيحاوي
”ما فائدة السينما إذا جاءت بعد الأدب؟ب سؤال طرحه ذات يوم المخرج الفرنسي الكبير “جان لوك غودار” قبل أن يجيب بأن السينما تستطيع أن تبدأ من جديد عبر إعادة اختراع الأعمال الأدبية. ومن هذه الفكرة تحديدًا تنطلق التظاهرة الصيفية الجديدة التي تنظّمها جمعية اعشّاق الكتبب بسوسة بالشراكة مع فضاء “دار بابا” تحت عنوان اليالي السينما والأدب الصيفيةب، وهي مبادرة ثقافية تجمع بين عشّاق القراءة وروّاد الفن السابع في محاولة لاستكشاف واحدة من أكثر العلاقات الفنية ثراءً وإثارة وهي العلاقة بين الرواية والفيلم.
منذ ولادة السينما الحديثة، ظلّ الأدب أحد أهم منابعها الإبداعية. فالروايات والقصص الكبرى لم تكن مجرد مواد خام تُنقل إلى الشاشة، بل تحوّلت في كثير من الأحيان إلى أعمال جديدة تمتلك لغتها الخاصة ورؤيتها المستقلة. وكثيرا ما تنشأ بين النص المكتوب والصورة المتحركة منطقة فنية شاسعة تسمح للمخرج بإعادة تأويل الشخصيات والأحداث والفضاءات وفق أدوات السينما وإمكاناتها التعبيرية.
وفي هذا السياق تأتي هذه التظاهرة لتذكّر بأن الفيلم المقتبس ليس نسخة مرئية من الرواية، بل قراءة جديدة لها، وربما حوار معها أو حتى اختلاف عنها. ولذلك اختار المنظمون ثلاثة أعمال عالمية شهيرة تمثل نماذج متنوعة من العلاقة بين الأدب والسينما.
اساعي البريدب… حين يصبح الشعر أسلوب حياة
تنطلق التظاهرة يوم 18 جوان بعرض فيلم اساعي البريدب (Il Postino) للمخرج مايكل رادفورد، المقتبس عن رواية اساعي بريد نيروداب الرّائعة للكاتب التشيلي “أنطونيو سكارميتا”.
يأخذنا الفيلم إلى جزيرة إيطالية صغيرة حيث تنشأ صداقة مؤثرة بين شاب بسيط والشاعر التشيلي الكبير بابلو نيرودا خلال فترة منفاه. ومن خلال هذه العلاقة يكتشف البطل عالم الشعر والاستعارة وقوة الكلمات في التعبير عن المشاعر وتغيير المصائر. ويُعدّ الفيلم من أكثر الأعمال السينمائية احتفاءً بالشعر وبقدرة الأدب على إعادة تشكيل حياة البشر
حبّ عابر… وذكرى خالدة
أما الموعد الثاني يوم 25 جوان فسيكون مع فيلم اعلى طريق ماديسونب المقتبس عن رواية الكاتب الأمريكي روبرت جيمس وولر. وقد أخرج الفيلم ومثّل بطولته كلينت إيستوود إلى جانب ميريل ستريب.
ويحكي العمل قصة حب تنشأ خلال أربعة أيام فقط بين امرأة تعيش حياة رتيبة ومصور جوال جاء لإنجاز مهمة مهنية عابرة. غير أن تلك الأيام القليلة تتحول إلى تجربة وجودية عميقة تضع الشخصيتين أمام أسئلة الاختيار والالتزام والندم. وقد ظلّ الفيلم أحد أبرز الأعمال الرومانسية في تاريخ السينما الأمريكية الحديثة بفضل حساسيته الإنسانية العالية وأدائه التمثيلي الاستثنائي للبطلين والأيقونتين “كلينت إيستوود” و”ميريل ستريب”
الوليتاب… الرواية التي لا تكفّ عن إثارة الأسئلة
وتختتم الدورة يوم 2 جويلية بعرض فيلم الوليتاب للمخرج أدريان لاين، المقتبس عن الرواية الشهيرة للكاتب الروسي الأمريكي فلاديمير نابوكوف.
وتمثل الوليتاب واحدة من أكثر الروايات إثارة للجدل في الأدب العالمي، إذ تتناول موضوعات معقدة تتصل بالرغبة والسلطة والتملك وحدود الحرية الفردية. وقد حافظ الفيلم، شأنه شأن الرواية، على قدرته الاستفزازية والفكرية، ما جعله مادة متجددة للنقاش النقدي والأكاديمي إلى اليوم.
حين تتفوّق الشاشة على الورق أحيانًا
تكمن طرافة هذه التظاهرة في أنها لا تكتفي بعرض أفلام ناجحة، بل تدعو الجمهور إلى التفكير في الكيفية التي تنتقل بها الحكايات من الورق إلى الشاشة. فكم من رواية اكتسبت جمهورًا عالميًا بفضل السينما؟ وكم من فيلم فتح شهية المشاهدين على قراءة النص الأصلي؟
ولعل تاريخ الفن السابع يزخر بأمثلة لافتة لأفلام مقتبسة أصبحت علامات ثقافية عالمية، من بينها فيلم The Godfather المقتبس عن رواية ماريو بوزو، وفيلم Gone with the Wind المقتبس عن رواية مارغريت ميتشل، وثلاثية The Lord of the Rings المأخوذة عن أعمال جون رونالد تولكين، إلى جانب Harry Potter and the Philosopher’s Stone وسلسلة هاري بوتر المقتبسة من روايات ج. ك. رولينغ، فضلاً عن The Name of the Rose المقتبس من رواية الكاتب الإيطالي الشهير أومبرتو إيكو.
وهكذا تفتح اليالي السينما والأدب الصيفيةب نافذة جديدة أمام جمهور سوسة لاكتشاف تلك المنطقة الساحرة التي تتعانق فيها الكلمة والصورة، حيث لا تتنافس الرواية والسينما بقدر ما تكمل إحداهما الأخرى.
على هامش تصريح الفائزة بنوبل للآداب البولندية “أولغا توكارتشوك” باستعانتها بالذكاء الاصطناعي: كيف نستخدم الخوارزميات دون أن نفقد ما يجعلنا بشرًا ومبدعين في الآن نفسه؟
الصحافة اليوم: كمال الشيحاوي لم يكن تصريح الروائية البولندية “أولغا توكارتشوك”…
