2026-06-18

ليالي‭  ‬السينما‭ ‬والأدب‭ ‬الصيفية‭ ‬بسوسة‭:‬ مـواعـيـد‭ ‬أولـى‭ ‬مـع‭ ‬روائـع‭ ‬الأدب‭ ‬والـسـيـنـما‭ ‬فـي‭ ‬الــعــــالم

الصحافة‭ ‬اليوم‭: ‬كمال‭ ‬الشيحاوي

‭”‬ما‭ ‬فائدة‭ ‬السينما‭ ‬إذا‭ ‬جاءت‭ ‬بعد‭ ‬الأدب؟ب‭ ‬سؤال‭ ‬طرحه‭ ‬ذات‭ ‬يوم‭ ‬المخرج‭ ‬الفرنسي‭ ‬الكبير‭ “‬جان‭ ‬لوك‭ ‬غودار‭” ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬يجيب‭ ‬بأن‭ ‬السينما‭ ‬تستطيع‭ ‬أن‭ ‬تبدأ‭ ‬من‭ ‬جديد‭ ‬عبر‭ ‬إعادة‭ ‬اختراع‭ ‬الأعمال‭ ‬الأدبية‭. ‬ومن‭ ‬هذه‭ ‬الفكرة‭ ‬تحديدًا‭ ‬تنطلق‭ ‬التظاهرة‭ ‬الصيفية‭ ‬الجديدة‭ ‬التي‭ ‬تنظّمها‭ ‬جمعية‭ ‬اعشّاق‭ ‬الكتبب‭ ‬بسوسة‭ ‬بالشراكة‭ ‬مع‭ ‬فضاء‭ “‬دار‭ ‬بابا‭” ‬تحت‭ ‬عنوان‭ ‬اليالي‭ ‬السينما‭ ‬والأدب‭ ‬الصيفيةب،‭ ‬وهي‭ ‬مبادرة‭ ‬ثقافية‭ ‬تجمع‭ ‬بين‭ ‬عشّاق‭ ‬القراءة‭ ‬وروّاد‭ ‬الفن‭ ‬السابع‭ ‬في‭ ‬محاولة‭ ‬لاستكشاف‭ ‬واحدة‭ ‬من‭ ‬أكثر‭ ‬العلاقات‭ ‬الفنية‭ ‬ثراءً‭ ‬وإثارة‭ ‬وهي‭  ‬العلاقة‭ ‬بين‭ ‬الرواية‭ ‬والفيلم‭.‬

منذ‭ ‬ولادة‭ ‬السينما‭ ‬الحديثة،‭ ‬ظلّ‭ ‬الأدب‭ ‬أحد‭ ‬أهم‭ ‬منابعها‭ ‬الإبداعية‭. ‬فالروايات‭ ‬والقصص‭ ‬الكبرى‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬مجرد‭ ‬مواد‭ ‬خام‭ ‬تُنقل‭ ‬إلى‭ ‬الشاشة،‭ ‬بل‭ ‬تحوّلت‭ ‬في‭ ‬كثير‭ ‬من‭ ‬الأحيان‭ ‬إلى‭ ‬أعمال‭ ‬جديدة‭ ‬تمتلك‭ ‬لغتها‭ ‬الخاصة‭ ‬ورؤيتها‭ ‬المستقلة‭. ‬وكثيرا‭ ‬ما‭ ‬تنشأ‭ ‬بين‭ ‬النص‭ ‬المكتوب‭ ‬والصورة‭ ‬المتحركة‭ ‬منطقة‭ ‬فنية‭ ‬شاسعة‭ ‬تسمح‭ ‬للمخرج‭ ‬بإعادة‭ ‬تأويل‭ ‬الشخصيات‭ ‬والأحداث‭ ‬والفضاءات‭ ‬وفق‭ ‬أدوات‭ ‬السينما‭ ‬وإمكاناتها‭ ‬التعبيرية‭.‬

وفي‭ ‬هذا‭ ‬السياق‭ ‬تأتي‭ ‬هذه‭ ‬التظاهرة‭ ‬لتذكّر‭ ‬بأن‭ ‬الفيلم‭ ‬المقتبس‭ ‬ليس‭ ‬نسخة‭ ‬مرئية‭ ‬من‭ ‬الرواية،‭ ‬بل‭ ‬قراءة‭ ‬جديدة‭ ‬لها،‭ ‬وربما‭ ‬حوار‭ ‬معها‭ ‬أو‭ ‬حتى‭ ‬اختلاف‭ ‬عنها‭. ‬ولذلك‭ ‬اختار‭ ‬المنظمون‭ ‬ثلاثة‭ ‬أعمال‭ ‬عالمية‭ ‬شهيرة‭ ‬تمثل‭ ‬نماذج‭ ‬متنوعة‭ ‬من‭ ‬العلاقة‭ ‬بين‭ ‬الأدب‭ ‬والسينما‭.‬

اساعي‭ ‬البريدب‭… ‬حين‭ ‬يصبح‭ ‬الشعر‭ ‬أسلوب‭ ‬حياة

تنطلق‭ ‬التظاهرة‭ ‬يوم‭ ‬18‭ ‬جوان‭ ‬بعرض‭ ‬فيلم‭ ‬اساعي‭ ‬البريدب‭ (‬Il Postino‭) ‬للمخرج‭ ‬مايكل‭ ‬رادفورد،‭ ‬المقتبس‭ ‬عن‭ ‬رواية‭ ‬اساعي‭ ‬بريد‭ ‬نيروداب‭ ‬الرّائعة‭ ‬للكاتب‭ ‬التشيلي‭ “‬أنطونيو‭ ‬سكارميتا‭”.‬

يأخذنا‭ ‬الفيلم‭ ‬إلى‭ ‬جزيرة‭ ‬إيطالية‭ ‬صغيرة‭ ‬حيث‭ ‬تنشأ‭ ‬صداقة‭ ‬مؤثرة‭ ‬بين‭ ‬شاب‭ ‬بسيط‭ ‬والشاعر‭ ‬التشيلي‭ ‬الكبير‭ ‬بابلو‭ ‬نيرودا‭ ‬خلال‭ ‬فترة‭ ‬منفاه‭. ‬ومن‭ ‬خلال‭ ‬هذه‭ ‬العلاقة‭ ‬يكتشف‭ ‬البطل‭ ‬عالم‭ ‬الشعر‭ ‬والاستعارة‭ ‬وقوة‭ ‬الكلمات‭ ‬في‭ ‬التعبير‭ ‬عن‭ ‬المشاعر‭ ‬وتغيير‭ ‬المصائر‭. ‬ويُعدّ‭ ‬الفيلم‭ ‬من‭ ‬أكثر‭ ‬الأعمال‭ ‬السينمائية‭ ‬احتفاءً‭ ‬بالشعر‭ ‬وبقدرة‭ ‬الأدب‭ ‬على‭ ‬إعادة‭ ‬تشكيل‭ ‬حياة‭ ‬البشر

حبّ‭ ‬عابر‭… ‬وذكرى‭ ‬خالدة

أما‭ ‬الموعد‭ ‬الثاني‭ ‬يوم‭ ‬25‭ ‬جوان‭ ‬فسيكون‭ ‬مع‭ ‬فيلم‭ ‬اعلى‭ ‬طريق‭ ‬ماديسونب‭ ‬المقتبس‭ ‬عن‭ ‬رواية‭ ‬الكاتب‭ ‬الأمريكي‭ ‬روبرت‭ ‬جيمس‭ ‬وولر‭. ‬وقد‭ ‬أخرج‭ ‬الفيلم‭ ‬ومثّل‭ ‬بطولته‭ ‬كلينت‭ ‬إيستوود‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬ميريل‭ ‬ستريب‭.‬

ويحكي‭ ‬العمل‭ ‬قصة‭ ‬حب‭ ‬تنشأ‭ ‬خلال‭ ‬أربعة‭ ‬أيام‭ ‬فقط‭ ‬بين‭ ‬امرأة‭ ‬تعيش‭ ‬حياة‭ ‬رتيبة‭ ‬ومصور‭ ‬جوال‭ ‬جاء‭ ‬لإنجاز‭ ‬مهمة‭ ‬مهنية‭ ‬عابرة‭. ‬غير‭ ‬أن‭ ‬تلك‭ ‬الأيام‭ ‬القليلة‭ ‬تتحول‭ ‬إلى‭ ‬تجربة‭ ‬وجودية‭ ‬عميقة‭ ‬تضع‭ ‬الشخصيتين‭ ‬أمام‭ ‬أسئلة‭ ‬الاختيار‭ ‬والالتزام‭ ‬والندم‭. ‬وقد‭ ‬ظلّ‭ ‬الفيلم‭ ‬أحد‭ ‬أبرز‭ ‬الأعمال‭ ‬الرومانسية‭ ‬في‭ ‬تاريخ‭ ‬السينما‭ ‬الأمريكية‭ ‬الحديثة‭ ‬بفضل‭ ‬حساسيته‭ ‬الإنسانية‭ ‬العالية‭ ‬وأدائه‭ ‬التمثيلي‭ ‬الاستثنائي‭ ‬للبطلين‭ ‬والأيقونتين‭ “‬كلينت‭ ‬إيستوود‭” ‬و‭”‬ميريل‭ ‬ستريب‭”‬

الوليتاب‭… ‬الرواية‭ ‬التي‭ ‬لا‭ ‬تكفّ‭ ‬عن‭ ‬إثارة‭ ‬الأسئلة

وتختتم‭ ‬الدورة‭ ‬يوم‭ ‬2‭ ‬جويلية‭ ‬بعرض‭ ‬فيلم‭ ‬الوليتاب‭ ‬للمخرج‭ ‬أدريان‭ ‬لاين،‭ ‬المقتبس‭ ‬عن‭ ‬الرواية‭ ‬الشهيرة‭ ‬للكاتب‭ ‬الروسي‭ ‬الأمريكي‭ ‬فلاديمير‭ ‬نابوكوف‭.‬

وتمثل‭ ‬الوليتاب‭ ‬واحدة‭ ‬من‭ ‬أكثر‭ ‬الروايات‭ ‬إثارة‭ ‬للجدل‭ ‬في‭ ‬الأدب‭ ‬العالمي،‭ ‬إذ‭ ‬تتناول‭ ‬موضوعات‭ ‬معقدة‭ ‬تتصل‭ ‬بالرغبة‭ ‬والسلطة‭ ‬والتملك‭ ‬وحدود‭ ‬الحرية‭ ‬الفردية‭. ‬وقد‭ ‬حافظ‭ ‬الفيلم،‭ ‬شأنه‭ ‬شأن‭ ‬الرواية،‭ ‬على‭ ‬قدرته‭ ‬الاستفزازية‭ ‬والفكرية،‭ ‬ما‭ ‬جعله‭ ‬مادة‭ ‬متجددة‭ ‬للنقاش‭ ‬النقدي‭ ‬والأكاديمي‭ ‬إلى‭ ‬اليوم‭.‬

حين‭ ‬تتفوّق‭ ‬الشاشة‭ ‬على‭ ‬الورق‭ ‬أحيانًا

تكمن‭ ‬طرافة‭ ‬هذه‭ ‬التظاهرة‭ ‬في‭ ‬أنها‭ ‬لا‭ ‬تكتفي‭ ‬بعرض‭ ‬أفلام‭ ‬ناجحة،‭ ‬بل‭ ‬تدعو‭ ‬الجمهور‭ ‬إلى‭ ‬التفكير‭ ‬في‭ ‬الكيفية‭ ‬التي‭ ‬تنتقل‭ ‬بها‭ ‬الحكايات‭ ‬من‭ ‬الورق‭ ‬إلى‭ ‬الشاشة‭. ‬فكم‭ ‬من‭ ‬رواية‭ ‬اكتسبت‭ ‬جمهورًا‭ ‬عالميًا‭ ‬بفضل‭ ‬السينما؟‭ ‬وكم‭ ‬من‭ ‬فيلم‭ ‬فتح‭ ‬شهية‭ ‬المشاهدين‭ ‬على‭ ‬قراءة‭ ‬النص‭ ‬الأصلي؟

ولعل‭ ‬تاريخ‭ ‬الفن‭ ‬السابع‭ ‬يزخر‭ ‬بأمثلة‭ ‬لافتة‭ ‬لأفلام‭ ‬مقتبسة‭ ‬أصبحت‭ ‬علامات‭ ‬ثقافية‭ ‬عالمية،‭ ‬من‭ ‬بينها‭ ‬فيلم‭ ‬The Godfather‭ ‬المقتبس‭ ‬عن‭ ‬رواية‭ ‬ماريو‭ ‬بوزو،‭ ‬وفيلم‭ ‬Gone with the Wind‭ ‬المقتبس‭ ‬عن‭ ‬رواية‭ ‬مارغريت‭ ‬ميتشل،‭ ‬وثلاثية‭ ‬The Lord of the Rings‭ ‬المأخوذة‭ ‬عن‭ ‬أعمال‭ ‬جون‭ ‬رونالد‭ ‬تولكين،‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬Harry Potter and the Philosopher’s Stone‭ ‬وسلسلة‭ ‬هاري‭ ‬بوتر‭ ‬المقتبسة‭ ‬من‭ ‬روايات‭ ‬ج‭. ‬ك‭. ‬رولينغ،‭ ‬فضلاً‭ ‬عن‭ ‬The Name of the Rose‭ ‬المقتبس‭ ‬من‭ ‬رواية‭ ‬الكاتب‭ ‬الإيطالي‭ ‬الشهير‭ ‬أومبرتو‭ ‬إيكو‭.‬

وهكذا‭ ‬تفتح‭ ‬اليالي‭ ‬السينما‭ ‬والأدب‭ ‬الصيفيةب‭ ‬نافذة‭ ‬جديدة‭ ‬أمام‭ ‬جمهور‭ ‬سوسة‭ ‬لاكتشاف‭ ‬تلك‭ ‬المنطقة‭ ‬الساحرة‭ ‬التي‭ ‬تتعانق‭ ‬فيها‭ ‬الكلمة‭ ‬والصورة،‭ ‬حيث‭ ‬لا‭ ‬تتنافس‭ ‬الرواية‭ ‬والسينما‭ ‬بقدر‭ ‬ما‭ ‬تكمل‭ ‬إحداهما‭ ‬الأخرى‭. ‬

‫شاهد أيضًا‬

على هامش تصريح الفائزة بنوبل للآداب البولندية “أولغا توكارتشوك” باستعانتها بالذكاء الاصطناعي: كيف نستخدم الخوارزميات دون أن نفقد ما يجعلنا بشرًا ومبدعين في الآن نفسه؟

الصحافة اليوم: كمال الشيحاوي لم يكن تصريح الروائية البولندية “أولغا توكارتشوك”…