رئيس الجمهورية يتسلّم رسالة خطّية من نظيره الموريتاني: دفع متجدّد نحو شراكة اقتصادية واستراتيجية أوسع
الصحافة اليوم : عواطف السويدي
في إطار تأكيد متانة العلاقات التونسية الموريتانية، استقبل رئيس الجمهورية قيس سعيّد وزير الشؤون الخارجية الموريتاني محمد سالم ولد مرزوك، مبعوثًا خاصًا محمّلًا برسالة من الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني، في زيارة تعكس استمرارية التشاور والتنسيق بين قيادتي البلدين.
وقد شكّل اللقاء مناسبة للتأكيد على عمق الروابط التاريخية التي تجمع تونس وموريتانيا، والتي لا تقتصر على العلاقات الدبلوماسية الحديثة، بل تمتد إلى جذور حضارية وثقافية وفقهية عريقة تعود إلى الحقبة الصنهاجية، حين ربطت حركة العلم والمعرفة بين القيروان وبلاد شنقيط، وأسهمت في بناء جسور ممتدة من التبادل الديني والفكري والثقافي بين الضفتين.
وفي هذا السياق، جدّد الجانب التونسي حرصه على تطوير هذه العلاقات الثنائية في مختلف المجالات، خاصة الاقتصادية والتجارية والثقافية والعلمية، مع التأكيد على أهمية تعزيز التنسيق والتشاور المشترك بشأن القضايا العربية والإفريقية والدولية ذات الاهتمام المشترك.
كما تناول اللقاء الاستحقاقات الثنائية المقبلة، وفي مقدمتها اللجنة العليا التونسية الموريتانية المشتركة، إلى جانب الدفع نحو مزيد تفعيل آليات التعاون الاقتصادي، خاصة من خلال مجلس رجال الأعمال المشترك، إضافة إلى اقتراح تنظيم زيارة رسمية للرئيس الموريتاني إلى تونس بما يعزز ديناميكية العلاقات بين البلدين.
من جانبه، أجرى وزير الشؤون الخارجية والهجرة والتونسيين بالخارج محمد علي النفطي محادثات مع نظيره الموريتاني محمد سالم ولد مرزوك، أكد خلالها الجانبان متانة علاقات الأخوة والتعاون بين البلدين، وحرص القيادتين على الارتقاء بها إلى مستويات أوسع تخدم المصالح المشتركة للشعبين.
وبخصوص الزخم الدبلوماسي الذي تشهده العلاقات التونسية الموريتانية، قدّم الدبلوماسي السابق عبد الله العبيدي، أحد أوائل من ساهموا في افتتاح السفارة التونسية بنواكشوط في بداية الثمانينات، قراءة في مسار هذه العلاقات وآفاق تطويرها نحو شراكة أعمق وأكثر تنوعًا.
وأكد العبيدي أن العلاقات بين تونس وموريتانيا اتاريخية وعميقة وممتازةب منذ عقود، مذكّرًا بأن تونس كانت من أوائل الدول التي اعترفت باستقلال موريتانيا، وأن التعاون بين البلدين ظل قائمًا في مختلف المراحل رغم التحولات الإقليمية.
وأوضح أن هذا المسار تجسّد أيضًا في مجالات عملية، من بينها التعاون التربوي وتكوين الإطارات، حيث احتضنت تونس أجيالًا من الطلبة الموريتانيين الذين تولّوا لاحقًا مسؤوليات في إدارة الشأن العام، إلى جانب بعثات تعليمية تونسية ساهمت في دعم المنظومة التربوية في موريتانيا.
وفي ما يتعلق بالبعد الاقتصادي، اعتبر العبيدي أن آفاق التعاون ما تزال واسعة، خصوصًا في مجالات المناجم والطاقة، نظرًا لما تزخر به موريتانيا من ثروات طبيعية مثل الحديد والنحاس والفوسفات، إضافة إلى إمكانيات كبيرة للتكامل في قطاعي الفلاحة وإدارة المياه، مستفيدين من الخبرة التونسية في هذا المجال مقابل ثراء موريتانيا بالثروة الحيوانية.
وعلى المستوى المؤسسي، شدد على أن اللجنة العليا التونسية الموريتانية المشتركة تمثل آلية عملية لتطوير التعاون وليست مجرد إطار شكلي، إذ تتيح معالجة الملفات الخلافية وتحيين الاتفاقيات عبر اجتماعات دورية للخبراء، بما يضمن تحويل التفاهمات السياسية إلى نتائج تنفيذية ملموسة.
أما سياسيًا وإقليميًا، فأشار إلى أهمية تعزيز التنسيق بين البلدين داخل الفضاءين العربي والإفريقي، في ظل التحولات الجيوسياسية الراهنة، داعيًا إلى مزيد توحيد المواقف داخل الأطر الإقليمية والدولية، وخاصة الجامعة العربية.
كما لفت إلى إمكانية اضطلاع موريتانيا بدور في تقريب وجهات النظر داخل الفضاء المغاربي، في سياق التحديات القائمة، مع ما قد يتيحه ذلك من إعادة إحياء التعاون المغاربي على أسس جديدة.
وشدد العبيدي على أن العلاقات التونسية الموريتانية تقوم على منطق اتعديل الأوتار وتحيين الملفاتب، وهي علاقات مرشحة لمزيد التطور نحو شراكة عملية أوسع وأعمق خلال المرحلة المقبلة، بما ينسجم مع الحركية الدبلوماسية المتجددة بين البلدين.
مجالات التعاون الثنائي
وتتّسم العلاقات التونسية الموريتانية بطابع تاريخي متجذّر، لكنها شهدت خلال السنوات الأخيرة توجّهًا متدرّجًا نحو تعزيز التعاون الاقتصادي، رغم أنّ حجم المبادلات ما يزال دون مستوى الإمكانيات المتاحة بين البلدين.
ويُقدَّر حجم المبادلات التجارية بين تونس وموريتانيا بنحو 100 إلى 150 مليون دينار سنويًا خلال السنوات الأخيرة، مع تباين مرتبط بطبيعة الصفقات والمواسم الاقتصادية. وتُظهر المؤشرات أن الصادرات التونسية تستحوذ على الحصة الأكبر من هذا التبادل بنسبة تفوق 80 بالمائة، وتشمل أساسًا المنتجات الصيدلانية والغذائية ومواد البناء والخدمات، في حين تظلّ الصادرات الموريتانية نحو تونس محدودة نسبيًا.
ويُعدّ التعاون في مجال التكوين والتعليم من أبرز أوجه الشراكة، حيث احتضنت تونس أعدادًا من الطلبة الموريتانيين الذين أصبحوا لاحقًا من الإطارات العليا في بلادهم.
كما تبرز فرص واعدة للتعاون في الفلاحة وإدارة المياه بفضل الخبرة التونسية، وفي قطاع المناجم والطاقة بالنظر إلى ثروات موريتانيا الطبيعية.
وتشير الآفاق إلى إمكانية رفع مستوى التعاون عبر تطوير النقل وتكثيف الشراكات الاقتصادية وتفعيل آليات التعاون المشتركة، بما يعزز انتقال العلاقات إلى شراكة أكثر عمقًا وتكاملًا.
مشروع القانون المتعلّق بالمصادقة على مخطط التنمية 2026-2030: رؤية شاملة للتّنمية وفق أولويات واقعية
الصحافة اليوم : عواطف السويدي خصص اجتماع مجلس الوزراء بقصر الحكومة بالقص…
