لم تكن نهاية الأسبوع المنقضي عادية في بلادنا، فقد شكّل الإعلان عن نتائج الدورة الرئيسيّة لامتحان الباكالوريا 2026 بداية من يوم السبت 20 جوان الجاري الحدث بامتياز.
إن الأمر يتعلق باستحقاق وطني له وزنه ووقعه بقطع النظر عن كل شيء، لأن المجتمع التونسي ما يزال يراهن على التعليم مصعدا اجتماعيا ويحتفظ للباكالوريا تحديدا باهتمام بالغ، وبعد انحباس الأنفاس وتوتّر الأعصاب، فجّرت الإرساليات القصيرة الفرحة في بيوت طيف واسع من العائلات وسط الأحياء الشعبية والراقية على حدّ سواء.
وكشفت وزارة التربية مساء السبت، عن نسب النجاح في هذه الدورة الرئيسيّة وظهرت بعد ذلك عديد البيانات والأرقام التي تستوجب القراءة المتأنية للاستنتاج ولاستخلاص الدروس الأولية علما وأن كثيرا ممّا يمكن تسجيله مكرّر وليس من باب الصدفة أو المزايدة أو تسجيل النقاط، وكل ما في الأمر توجيه نداء آخر لإطلاق مشروع وطني لإصلاح جوهري للتعليم في تونس.
الملاحظة الأولى الملفتة للانتباه هي التوزيع المتوازن في النتائج بين «الناجحين» و«المؤجلين» أي التلاميذ المعنيين بدورة التدارك، و«الراسبين» الذين يجوز لبعضهم إعادة الكرّة العام القادم فيما يُطرح السؤال حول مصير وخيار البقية.
بلغة الأرقام، بلغت نسب النجاح في الدورة الرئيسية لامتحان الباكالوريا هذه السنة ٪35.67، وتأجل ما يعادل 32.43 بالمائة، ورسب 31.9 %، وهو ما يعني امكانية ارتفاع نسبة النجاح في دورة التدارك وكذلك نسبة الرسوب، وفي الحالتين نحتاج بالضرورة إلى مراجعة عملية التقييم والتوجيه برمّتها في المرحلة الثانوية.
الملاحظة الثانية تتصل بتوزيع نسب النجاح حسب الاختصاص فقد تصدّرت شعبة الرياضيات المرتبة الأولى بأعلى نسبة نجاح بلغت ٪79.41، تلتها شعبة الرياضة في المركز الثاني بنسبة ٪70.32، وجاءت شعبة علوم الإعلامية في المرتبة الثالثة بنسبة ٪44.02 وشعبة العلوم التجريبية في المرتبة الرابعة بنسبة ٪42.27 وتذيّلت شعب العلوم التقنية ( ٪37.62) والاقتصاد والتصرف (٪26.22) والآداب (٪24.24) ذيل القائمة.
ولئن يُسجل المرء بارتياح وجود شعبة الرياضيات في الصدارة فإن السؤال يطرح بحدّة حول بقية الاختصاصات وخاصة الاقتصاد والتصرف والآداب التي تعرف تسجيل أرقام قياسية من المترشحين لا تتناسب مع متطلبات الاختصاصات الجامعية وآفاق التوجيه مستقبلا وسوق الشغل بالخصوص ناهيك عن مضامين التكوين.
الملاحظة الثالثة تحمل في طياتها أيضا جانبا مضيئا لا يحجب سؤالا شائكا ينتظر الإجابة.. لقد تحدّث البعض عن التضحية والدروس الخصوصية وخاصة الإحاطة النفسية والاجتماعية ودور المجتمع والعائلة التي تتجند لايصال ابنها او ابنتها الى برّ النجاح، ويجد البعض في هذه العناصر شمّاعة لتبرير الرسوب والنتائج السلبية ولكننا عندما نكتشف نجاح تلميذ يقضي عقوبة سجنية أو تلميذ فقد أحد والديه، أو مترشح في العقد السادس من عمره، أو تلاميذ مكفولين بمؤسسات الرعاية التابعة لوزارة الأسرة والمرأة والطفولة وكبار السن أو المدعومة من قبلها، عندها يجب أن نعيد النظر في التنشئة الاجتماعية..!
الملاحظة الرابعة، ليست بعيدة عن هذا السياق، وهي مكررة منذ سنوات، بل منذ عقود وهي صادمة ومستفزة وتفرض فهم الأسباب والجرأة في معالجتها وهي تتعلق بترتيب مندوبيات التعليم واستمرار سيطرة صفاقس 1 وصفاقس 2 على الطليعة الى جانب أغلب المدن الساحلية ويأتي الاستثناء من مدنين التي تتربع في المرتبة الثالثة..
الملاحظة الخامسة مرتبطة بالتفاصيل التي يقال عادة أن الشياطين تسكنها وذلك للتدليل على أهميتها. وهنا لا مناص من الوقوف عند قائمة المتفوقين وشعبهم ومدنهم.
وكم هو رائع وجميل ومطمئن أن تتفوق التلميذة رغد عشّي من معهد خميس الحجري بجندوبة في شعبة الآداب والتلميذة ياسمين اليعقوبي من المعهد النموذجي بالكاف في شعبة الرياضيات والتلميذ محمد الورتاني من المعهد النموذجي بسليانة في شعبة العلوم التقنية، أي أن التفوق ليس مرتبطا بالجغرافيا.
لقد تقاسم «الداخل» المراكز الأولى مع الشريك الساحلي والمدن الكبرى أين تفوق التلميذ أحمد المذيوب من معهد أبو الحسن اللخمي بصفاقس في شعبة الرياضة، والتلميذة ملكة الوحيشي من المعهد النموذجي بنابل في شعبة العلوم التجريبية والتلميذ محمد أمين شوشان من معهد ابن سينا بالمهدية في شعبة علوم الإعلامية والتلميذ آدم الكوكي من معهد خاصّ برادس من ولاية بن عروس في شعبة الاقتصاد والتصرف.
الملاحظة السادسة، في سابقة أولى في تاريخ الباكالوريا ببلادنا حسب علمنا، يتصدر تلميذ من معهد خاص، ولا نرى عيبا في تسميته من قبل وزارة الإشراف ما دامت قد رخّصت له وبرهن نجاعته وجودة التكوين فيه، في الوقت الذي اكتفت فيه المعاهد النموذجية بثلاث مراتب أولى ضمن الاختصاصات السبعة..!
الملاحظة الأخيرة القديمة الجديدة أيضا تتصل بكلفة الباكالوريا في العائلة التونسية، فبعض الممتهنين للتدريس للأسف يستغلون رمزية ومكانة هذا الاستحقاق الوطني للاتّجار والكسب غير الأخلاقي وذلك بتكثيف الدروس الخصوصية دون موجب وعلى حساب الدوام في المعاهد في بعض الأحيان وهو ما يسيء الى صورة طيف كبير من المربّين والأساتذة الذين هم جديرون بكل الاحترام والتقدير وهذه مسألة أخرى لا يمكن معالجتها إلا من خلال المقاربة الجماعية وتشارك سلطة الإشراف والأطراف المعنية بالعملية التربوية في مشروع إصلاح كبير للتعليم ببلادنا كما أسلفنا.
تطوّرات إيجابية في المنطقة والعالم سلام هشّ في انتظار سلام دائم..!
تواترت الأحداث «الغريبة» وغير المفاجئة يوم أمس الجمعة 19 جوان 2026 في منطقة الشرق الأوسط و…








