2026-06-24

في‭ ‬الذكرى‭ ‬الـ70‭ ‬لميلاد‭ ‬جيشنا‭ ‬الوطني‭..‬ إرث‭ ‬مشرّف‭ ‬ورهان‭ ‬مشروع‭ ‬على‭ ‬المستقبل

تحيي‭ ‬تونس‭ ‬اليوم‭ ‬الاربعاء‭ ‬24‭ ‬جوان‭ ‬2026‭ ‬الذكرى‭ ‬السبعين‭ ‬لانبعاث‭ ‬الجيش‭ ‬الوطني‭ ‬أسابيع‭ ‬قليلة‭ ‬بعد‭ ‬نيل‭ ‬بلادنا‭ ‬لاستقلالها‭ ‬الوطني،‭ ‬وقد‭ ‬انخرط‭ ‬هذا‭ ‬الجيش‭ ‬مباشرة‭ ‬في‭ ‬تأمين‭ ‬تلك‭ ‬المرحلة‭ ‬الانتقالية‭ ‬الدقيقة‭ ‬وساهم‭ ‬رغم‭ ‬هشاشة‭ ‬عوده‭ ‬وضعف‭ ‬إمكانياته‭ ‬في‭ ‬معارك‭ ‬الحدود‭ ‬في‭ ‬الشمال‭ ‬الغربي‭ ‬في‭ ‬ساقية‭ ‬سيدي‭ ‬يوسف‭ ‬في‭ ‬العام‭ ‬1958‭ ‬ومعارك‭ ‬الجنوب‭ ‬في‭ ‬رمادة‭ ‬في‭ ‬نفس‭ ‬العام،‭ ‬وخاصة‭ ‬في‭ ‬معركة‭ ‬بنزرت‭ ‬الكبرى،‭ ‬معركة‭ ‬الجلاء‭ ‬سنة‭ ‬1963‭.‬

ولا‭ ‬يقف‭ ‬التاريخ‭ ‬المشرّف‭ ‬للجيش‭ ‬عند‭ ‬هذه‭ ‬المحطات‭ ‬البعيدة‭ ‬لأن‭ ‬تاريخ‭ ‬تونس‭ ‬ارتبط‭ ‬ببساطة‭ ‬بهذه‭ ‬المؤسسة‭ ‬إلى‭ ‬حدود‭ ‬اللحظة‭ ‬الراهنة،‭ ‬في‭ ‬وضع‭ ‬فريد‭ ‬واستثنائي‭ ‬بكل‭ ‬المقاييس‭ ‬برز‭ ‬فيه‭ ‬التشبّع‭ ‬بقيم‭ ‬البذل‭ ‬والانضباط‭ ‬والتضحية‭ ‬للذود‭ ‬عن‭ ‬الوطن‭ ‬والحفاظ‭ ‬على‭ ‬سلامة‭ ‬ترابه‭ ‬ودعم‭ ‬مناعته‭ ‬وتعزيز‭ ‬أمنه‭ ‬وحماية‭ ‬سلامته‭ ‬وسيادته‭.‬

ومن‭ ‬هذا‭ ‬المنطلق‭ ‬بالذات،‭ ‬فإن‭ ‬الإحتفال‭ ‬بمرور‭ ‬سبعة‭ ‬عقود‭ ‬على‭ ‬قيام‭ ‬المؤسسة‭ ‬العسكرية‭ ‬لا‭ ‬يكتسي‭ ‬أهمّيته‭ ‬فقط‭ ‬من‭ ‬عدّاد‭ ‬السنين‭ ‬كما‭ ‬يقال،‭ ‬وإنما‭ ‬من‭ ‬المكانة‭ ‬الخاصة‭ ‬التي‭ ‬تتمتع‭ ‬بها‭ ‬القوات‭ ‬المسلحة‭ ‬في‭ ‬تونس‭ ‬والتي‭ ‬تختلف‭ ‬جذريا‭ ‬عن‭ ‬عديد‭ ‬الدول‭ ‬الشقيقة‭ ‬والصديقة‭ ‬لعدة‭ ‬أسباب‭ ‬تاريخية‭ ‬وسياسية‭.‬

ولسنا‭ ‬نغالي‭ ‬حين‭ ‬نقول‭ ‬أن‭ ‬الجيش‭ ‬التونسي‭ ‬مؤسّسة‭ ‬جمهورية‭ ‬وطنية‭ ‬منذ‭ ‬الاستقلال‭ ‬سنة‭ ‬1956،‭ ‬وبقيت‭ ‬مؤسسة‭ ‬مهنيّة‭ ‬ومحترفة‭ ‬تابعة‭ ‬للدولة‭ ‬ولم‭ ‬تلعب‭ ‬دوراً‭ ‬سياسياً‭ ‬مباشراً‭ ‬في‭ ‬الحكم‭ ‬كما‭ ‬حدث‭ ‬في‭ ‬بعض‭ ‬الدول‭ ‬الأخرى‭ ‬وظلت‭ ‬منضبطة‭ ‬وملتزمة‭ ‬برسالتها‭ ‬ودورها‭ ‬رغم‭ ‬تغيّر‭ ‬منظومات‭ ‬الحكم‭ ‬في‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬المناسبات‭ ‬ووصول‭ ‬البلاد‭ ‬الى‭ ‬درجة‭ ‬متقدّمة‭ ‬من‭ ‬الاحتقان‭ ‬والاقتراب‭ ‬من‭ ‬الانفلات‭ ‬وانفجار‭ ‬الأوضاع،‭ ‬بل‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬ذلك‭ ‬الاصطفاف‭ ‬الى‭ ‬جانب‭ ‬الشعب‭ ‬وقطع‭ ‬الطريق‭ ‬أمام‭  ‬محاولات‭ ‬إذكاء‭ ‬العنف‭  ‬واستخدام‭ ‬السلاح‭ ‬وتغليب‭ ‬انتصار‭ ‬الشرعية‭  ‬وحقن‭ ‬الدماء‭..‬

ومن‭ ‬اللحظات‭ ‬الفارقة‭ ‬في‭ ‬تاريخ‭ ‬المؤسسة‭ ‬العسكرية‭ ‬التونسية‭ ‬ملحمة‭ ‬17‭ ‬ديسمبر‭ ‬2010‭ ‬و14‭ ‬جانفي‭ ‬2011‭ ‬غير‭ ‬المكتملة‭ ‬حيث‭ ‬اكتسب‭ ‬الجيش‭ ‬تقديراً‭ ‬واسعاً‭  ‬ونظر‭ ‬إليه‭ ‬كثير‭ ‬من‭ ‬التونسيين‭ ‬كمؤسسة‭ ‬ساهمت‭ ‬في‭ ‬الحفاظ‭ ‬على‭ ‬استقرار‭ ‬الدولة‭ ‬خلال‭  ‬تلك‭ ‬المرحلة‭. ‬

ولعلّ‭ ‬هذه‭ ‬الميزة‭ ‬هي‭ ‬التي‭ ‬جعلت‭ ‬الجيش‭ ‬يحظى‭ ‬بدرجة‭ ‬عالية‭ ‬من‭ ‬الثقة‭ ‬لدى‭ ‬التونسيين‭ ‬بفضل‭ ‬صورته‭ ‬كمؤسسة‭ ‬منضبطة‭ ‬ومشاركة‭ ‬في‭ ‬حماية‭ ‬البلاد‭ ‬ومساندة‭ ‬المواطنين‭ ‬والإغاثة‭ ‬أثناء‭  ‬الأزمات‭ ‬والكوارث‭ ‬الطبيعية‭.‬

ونتذكر‭ ‬هنا‭ ‬فيضانات‭ ‬العام‭ ‬1969‭ ‬أو‭ ‬ثمانينات‭ ‬القرن‭ ‬الماضي‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬جائحة‭ ‬الكوفيد‭ ‬والمساهمة‭ ‬الفعالة‭ ‬في‭ ‬حماية‭ ‬أرواح‭ ‬التونسيين‭ ‬بتأمين‭ ‬التلقيح‭ ‬والسهر‭ ‬على‭ ‬تأمين‭ ‬الحجر‭ ‬الصحي‭ ‬وتوفير‭ ‬الخدمات‭ ‬الأساسية‭ ‬للمواطنين‭. ‬

ليس‭ ‬ذلك‭ ‬فحسب،‭ ‬يشارك‭ ‬الجيش‭ ‬التونسي‭ ‬في‭ ‬مشاريع‭ ‬البنية‭ ‬التحتية‭ ‬والترميم‭ ‬والصيانة‭ ‬وتقديم‭ ‬الدعم‭ ‬اللوجستي‭ ‬للمؤسسات‭ ‬المدنية‭ ‬بحرفية‭ ‬وسرعة‭ ‬ونجاعة‭ ‬جعلت‭ ‬إنجازات‭ ‬المؤسسة‭ ‬العسكرية‭ ‬مفخرة‭ ‬ومضربا‭ ‬للأمثال‭ ‬ونموذجا‭ ‬يحتذى‭ ‬به،‭ ‬وقد‭ ‬وقف‭ ‬التونسيون‭ ‬وغير‭ ‬التونسيين‭  ‬على‭ ‬نجاعة‭ ‬عمل‭ ‬بواسل‭ ‬هذه‭ ‬المؤسسة‭ ‬في‭ ‬مشروع‭ ‬إعادة‭ ‬الحياة‭ ‬لمسبح‭ ‬البلفدير‭ ‬وفسقية‭ ‬الأغالبة‭ ‬وسور‭ ‬القيروان‭ ‬وغيره‭..‬

ورغم‭ ‬هذا‭ ‬الطابع‭ ‬الإيجابي‭ ‬في‭ ‬إسناد‭ ‬المؤسسات‭ ‬المدنية‭ ‬ودعمها‭ ‬ومساعدتها‭ ‬في‭ ‬تنفيذ‭ ‬ما‭ ‬عجزت‭ ‬عن‭ ‬تحقيقه‭ ‬بنفس‭ ‬المواصفات‭ ‬ونفس‭ ‬الجودة‭ ‬ونفس‭ ‬الآجال،‭ ‬وما‭ ‬يمثله‭ ‬ذلك‭ ‬أحيانا‭ ‬من‭ ‬استنزاف‭ ‬وتشتيت‭ ‬الجهد،‭ ‬بقيت‭ ‬المؤسسة‭ ‬العسكرية‭ ‬تحت‭ ‬السلطة‭ ‬المدنية‭ ‬للدولة‭ ‬وبقيت‭ ‬المهمة‭ ‬الرئيسية‭  ‬للقوات‭ ‬المسلحة‭ ‬التونسية‭ ‬في‭ ‬المقام‭ ‬الأول‭ ‬الدفاع‭ ‬عن‭ ‬السيادة‭ ‬الوطنية‭ ‬وحماية‭ ‬الحدود‭ ‬ومكافحة‭ ‬الإرهاب‭.‬

وهنا‭ ‬تحديدا‭ ‬رسم‭ ‬بواسل‭ ‬المؤسسة‭ ‬العسكرية‭ ‬مع‭ ‬بواسل‭ ‬المؤسسة‭ ‬الأمنية‭ ‬ومع‭ ‬الشعب‭ ‬التونسي‭ ‬أجمل‭ ‬صور‭ ‬الوحدة‭ ‬والصلابة‭ ‬والشجاعة‭ ‬والتضحية‭ ‬في‭ ‬وجه‭ ‬أعداء‭ ‬الوطن‭ ‬والمتربصين‭ ‬به‭ ‬والواهمين‭ ‬بتغيير‭ ‬رايته‭ ‬والمسّ‭ ‬من‭ ‬هويته‭ ‬كما‭ ‬حصل‭ ‬في‭ ‬بنقردان‭ ‬في‭ ‬العام‭ ‬2016‭.‬

وقد‭ ‬دفعت‭ ‬قواتنا‭ ‬المسلحة‭ ‬ثمنا‭ ‬باهظا‭ ‬في‭ ‬إطار‭ ‬الحرب‭ ‬على‭ ‬الارهاب‭ ‬والارهابيين‭ ‬واستشهد‭ ‬كثير‭ ‬من‭ ‬جنودنا‭ ‬في‭ ‬ساحات‭ ‬الوغى‭ ‬وأكد‭ ‬جيشنا‭ ‬انه‭ ‬صمام‭ ‬الأمان‭ ‬وانه‭ ‬جاهز‭ ‬لمواجهة‭ ‬المخاطر‭ ‬مهما‭ ‬كان‭ ‬مأتاها‭. ‬

وتتجاوز‭ ‬سمعة‭ ‬الجيش‭ ‬التونسي‭ ‬حدود‭ ‬الوطن‭ ‬ويتمتع‭ ‬بتقدير‭ ‬واحترام‭ ‬دولي‭ ‬نلمسه‭ ‬بالخصوص‭ ‬في‭ ‬انخراطه‭ ‬بعيد‭ ‬الاستقلال‭ ‬وتحديدا‭ ‬منذ‭ ‬العام‭ ‬1960‭ ‬في‭ ‬عمليات‭ ‬حفظ‭ ‬السلام‭ ‬تحت‭ ‬غطاء‭ ‬منظمة‭ ‬الأمم‭ ‬المتحدة‭ ‬وذلك‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬قرّر‭ ‬الرئيس‭ ‬الراحل‭ ‬الحبيب‭ ‬بورقيبة‭ ‬إرسال‭ ‬3000‭ ‬جندي‭ ‬إلى‭ ‬الكونغو‭ ‬الذي‭ ‬كان‭ ‬يعيش‭ ‬آنذاك‭ ‬حربا‭ ‬أهلية،‭ ‬ويوجد‭ ‬اليوم‭ ‬حوالي‭ ‬700‭ ‬جندي‭ ‬وشرطي‭ ‬تونسي‭ ‬ضمن‭ ‬بعثات‭ ‬حفظ‭ ‬السلام‭ ‬الأممية‭ ‬في‭ ‬الكونغو‭ ‬الديمقراطية‭ ‬وافريقيا‭ ‬الوسطى‭ ‬على‭ ‬سبيل‭ ‬المثال‭.‬

إن‭ ‬هذا‭ ‬الرصيد‭ ‬هو‭ ‬الذي‭ ‬يمنح‭ ‬قواتنا‭ ‬المسلحة‭ ‬هذه‭ ‬المنزلة‭ ‬الاعتبارية‭ ‬في‭ ‬وجدان‭ ‬التونسيين‭ ‬ويضاعف‭ ‬في‭ ‬نفس‭ ‬الوقت‭ ‬مسؤوليتها‭ ‬في‭ ‬الالتزام‭ ‬بهويتها‭ ‬ليس‭ ‬وفق‭ ‬الدستور‭ ‬والقانون‭ ‬فقط‭ ‬وإنما‭ ‬استنادا‭ ‬الى‭ ‬هذا‭ ‬العرف‭ ‬والى‭ ‬هذا‭ ‬الإرث‭ ‬الايجابي‭ ‬الذي‭ ‬يعتز‭ ‬به‭ ‬جميع‭ ‬التونسيين‭ ‬وكل‭ ‬عام‭ ‬وجيشنا‭ ‬بألف‭ ‬خير‭.‬

‫شاهد أيضًا‬

‎الإتحاد‭ ‬الإفريقي‭ ‬يراهن‭ ‬على‭ ‬المستقبل‭..‬ ‎الأفارقة‭ ‬أمل‭ ‬الإنسانية

‎‭ ‬ ‎عندما‭ ‬أقدم‭ ‬قادة‭ ‬افريقيا‭ ‬في‭ ‬التاسع‭ ‬من‭ ‬جويلية‭ ‬عام‭ ‬2002‭ ‬على‭ ‬تحويل…