دبلوماسية الجنائز: هل تبدأ التسويات من مراسم وداع خامنئي؟
الصحافة اليوم:كريمة دغراش
في العرف السياسي عادة لا تكون الجنائز الكبرى مجرد مناسبات لتشييع القادة، ففي أغلب الاحيان تتحول إلى منصات سياسية تعكس موازين القوى وتكشف اتجاهات المرحلة المقبلة.
ومن هذا المنطلق قد تكون جنازة المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي، بعد مقتله في خضم المواجهة العسكرية الأخيرة، حدثا يتجاوز تأثيره حدود إيران إلى مجمل الإقليم.
جنازة خامنئي التي انطلقت مراسمها أمس السبت وسط مشاركة شعبية كبيرة ليست فقط مناسبة لتوديع رسمي لشخصية هيمنت على السياسة الإيرانية لأكثر من ثلاثة عقود، فقد يمثل هذا الحدث أيضاً بداية لتفاهمات جديدة تؤسس لحل الصراع الدائر في المنطقة منذ أكثر من 4 اشهر خصوصا بالنظر لنوعية الوفود الرسمية المشاركة.
لم يكن تركيز الاهتمام الدولي منصبا على مراسم التشييع بقدر ما انصب على قائمة الوفود المشاركة ومستوى تمثيلها. وفي الأعراف الدبلوماسية، غالباً ما تحمل المقاعد التي يشغلها القادة والموفدون رسائل أكثر أهمية من الكلمات التي تُلقى فوق المنصة.
رسميا كان لافتا تسجيل حضور روسيا والصين على مستويات رفيعة ما يعكس حرصهما على تأكيد استمرارية الشراكة مع النظام الإيراني وعدم ربط العلاقات بشخص المرشد الراحل. أما مشاركة دول آسيوية وإفريقية وأمريكية لاتينية، فتؤكد استمرار شبكة العلاقات التي بنتها طهران خلال العقود الماضية رغم العقوبات والعزلة الغربية.
في المقابل، وفي تقديرنا هذا هو الأهم فإن مشاركة عدد من الدول العربية في هذه الجنازة يكتسي أهمية خاصة وخصوصا دول الخليج ومن بينها السعودية وقطر وسلطنة عمان.
لقد اتسمت العلاقة بين إيران والدول الخليجية في الفترة الأخيرة بتوتر واضح بعد أن كانت هذه الأخيرة هدفا للصواريخ الإيرانية ومن هذا المنطق فإن حضور وفود عنها مراسم عزاء خامنئي يحمل رسالة مزدوجة: احترام قواعد العلاقات بين الدول، مع الحفاظ في الوقت نفسه على هامش سياسي يسمح باستمرار الحوار.
لقد أثبت التاريخ أن الجنائز الرسمية توفر ظروفاً نادرة لاجتماع خصوم لا يجلسون عادة إلى طاولة واحدة. فبعيداً عن الأضواء، تُعقد لقاءات قصيرة، وتُنقل رسائل شفوية، ويختبر الوسطاء استعداد الأطراف للانتقال من التصعيد إلى التفاوض.
والأكيد اليوم أن مشاركة دول عربية وخصوصا دول خليجية تمنح جنازة خامنئي بعداً يتجاوز بعدها الرمزي. فالتقاء وزراء الخارجية ومستشاري الأمن القومي والمبعوثين الخاصين في مكان واحد يخلق فرصة لإجراء اتصالات غير معلنة بشأن أكثر الملفات حساسية، من مستقبل البرنامج النووي الإيراني، إلى أمن الخليج والملاحة في مضيق هرمز، ومستقبل الجماعات الحليفة لطهران في المنطقة.
إن الحديث عن دبلوماسية الجنائز على هامش جنازة خامنئي لا يعني أن اتفاقات كبرى ستولد داخل قاعات العزاء، فالتاريخ يخبرنا أن الجنائز لا تنتج التسويات بحد ذاتها، لكنها كثيراً ما تهيئ البيئة النفسية والسياسية التي تسمح بإطلاق مفاوضات كانت متعثرة وبفتح قنوات اتصال كانت مغلقة.
إن الصور القادمة من طهران للوفود المشاركة في جنازة خامنئي قد تكون أكثر دلالة من أي بيان رسمي يصدر عقب اتصالات أو لقاءات تفاوضية، فالسياسة كثيراً ما تُقرأ من خلال من حضر، ومن غاب، ومن جلس إلى جانب من، ومن أجرى لقاءات جانبية بعيداً عن عدسات المصورين.
من المؤكد أنه من السابق لأوانه الحديث عن اختراقات دبلوماسية كبرى في الصراع في الشرق الأوسط بفضل جنازة خامنئي، لكن من المهم أيضا عدم التقليل من أهمية هذه المناسبة، فالتاريخ يخبرنا في كثير من المرات عن بدايات لمسارات تفاوضية انطلقت من لقاءات عابرة في مناسبات بروتوكولية، قبل أن تتحول لاحقاً إلى مفاوضات رسمية واتفاقات معلنة.
