عن التنسيق الأمني بين تونس وفرنسا: مواصلة الحرب على المخدرات والجريمة العابرة للحدود
الصحافة اليوم : سميحة الهلالي
في إطار الجهود المتواصلة للتصدي لظاهرة ترويج المخدرات وتعقب الشبكات الإجرامية أجرى وزير الداخلية خالد النوري، مساء الاثنين الماضي، اتصالا هاتفيا مع نظيره الفرنسي لوران نونيز، بطلب من الجانب الفرنسي. وأفاد البلاغ الصادر عن وزارة الداخلية أن الحديث بين الوزيرين تناول ملفات تدخل في اختصاص الوزارتين، وفي مقدمتها مكافحة الجرائم العابرة للحدود والاتجار بالمخدرات.
وتأتي هذه المكالمة في سياق تعاون أمني متصل بين البلدين، يعكس إرادة مشتركة في دعم وتنسيق الجهود أمام الشبكات الإجرامية.
في هذا السياق، أكد النائب عبد السلام الحمروني، رئيس لجنة الأمن والدفاع والقوات الحاملة للسلاح بالبرلمان، في تصريح لـاالصحافة اليومب، أنّ مكافحة المخدرات تُعدّ من التحديات الراهنة والتي تندرج ضمن الأولويات القصوى للدولة. وأوضح أنّ معالجة هذه الظاهرة لا يمكن أن تقتصر على المقاربة الزجرية فحسب، بل تستوجب مراجعة بعض القوانين وتنقيحها، إلى جانب اعتماد مقاربة شاملة متعددة الأبعاد.
وأشار الحمروني في الآن ذاته إلى أنّ اللجنة اقترحت تنظيم يوم دراسي بمجلس نواب الشعب، يجمع مختلف الأطراف المتداخلة في هذا الملف، بما في ذلك عدد من الوزارات والهياكل المعنية، وذلك بهدف طرح هذا الإشكال بصفة معمّقة والبحث عن حلول ناجعة له.
وشدّد الحمروني على أنّ التصدي لظاهرة المخدرات ليس مسؤولية وزارة الداخلية فقط، بل هو شأن يهمّ عددا من الوزارات الأخرى على غرار وزارة التربية ووزارة الثقافة ووزارة الشؤون الاجتماعية…. لما لهذه الظاهرة من انعكاسات خطيرة على مختلف جوانب المجتمع.
كما لفت إلى أنّ أكاديمية البرلمان لم تضبط بعد موعد تنظيم اليوم الدراسي. وفي السياق ذاته، بيّن النائب أنّ مقاومة ترويج المخدرات وتعقّب الشبكات الإجرامية العابرة للحدود ليست حكرا على دولة واحدة بل تشمل العديد من الدول ، باعتبار أنّ هذه الظاهرة ذات امتدادات دولية وتشمل شبكات معقّدة تنشط عبر عدة بلدان.
وأكد النائب في هذا الإطار أهمية التعاون الدولي، خاصة بين تونس وفرنسا وغيرها من الدول الأخرى، إلى جانب تعزيز التنسيق مع دول الجوار بالإضافة الى العديد من اللقاءات الدولية التي تتنزل في هذا الإطار، وذلك بهدف التصدي لهذه الآفة والحدّ من انتشارها.
وتعدّ الشراكة الأمنية التي تجمع بين تونس و فرنسا استراتيجية ومتواصلة، فهي تشمل تبادل المعلومات وتنسيق الجهود في ملفات الإرهاب والهجرة غير النظامية والجريمة المنظمة، هذه الشراكة ساهم في تدعيمها الموقع الجغرافي لتونس باعتبارها تمثل نقطة عبور محتملة للشبكات التي تنشط في تهريب المخدرات نحو السواحل الأوروبية مما فرض على الجانبين تحديث آليات التنسيق بشكل دوري، عبر اتصالات مباشرة بين الوزراء وتكثيف الزيارات الميدانية وتبادل الخبرات التقنية بين الأجهزة المختصة مما يجعل من المكالمة الأخيرة تتنزل في هذا السياق، وتؤكد أن الملف يحظى باهتمام متواصل من الطرفين.
وتجدر الإشارة إلى أنه وفي الآونة الأخيرة، سجلت الأجهزة الأمنية التونسية حصيلة لافتة في مواجهة الاتجار بالمخدرات إذ كشفت وزارة الداخلية، خلال جلسة استماع برلمانية في جوان 2026، أن سنة 2025 وحدها شهدت تسجيل نحو 15253 قضية مخدرات، وضبط أكثر من 2.59 مليون قرص مخدر، إلى جانب أكثر من 131 كيلوغرام من الكوكايين وهو ما يعكس حجم الجهود المبذولة ونجاعة تدخلات مختلف التشكيلات الأمنية، كما تؤشر في الوقت ذاته على استمرار التحديات التي تواجه بلادنا .
وعلى صعيد العمليات الميدانية، أعلنت وزارة الداخلية في ماي الفارط عن تفكيك شبكة دولية كانت تنشط في تهريب المخدرات وغسيل الأموال بعد عمل استخباراتي استمر عدة أشهر وأسفر عن حجز أكثر من 106 كيلوغرامات من القنب الهندي ومبالغ مالية تجاوزت مليون و440 ألف دينار. وفي الشهر نفسه، تمكنت وحدات الأمن والحرس الوطنيين من إيقاف 321 شخص مفتش عنهم خلال عملية واسعة شملت أقاليم تونس الكبرى، وحجز كميات من الأقراص المخدرة والكوكايين والقنب الهندي.
كما أحبطت الإدارة الفرعية لمكافحة المخدرات مؤخرا، عملية تهريب بين تونس العاصمة وبنزرت، وأوقفت المشتبه بهم، كما أوقفت الفرقة الجهوية لمكافحة المخدرات بسوسة شخصين، بعد تفكيك شبكة كانت تنقل أكثر من عشرة آلاف قرص مخدر بين ولايتي سوسة والقيروان. وأعلنت مصالح الديوانة أنها حجزت خلال الأشهر الستة الأولى من سنة 2026 أكثر من 214 كيلوغرام من المواد المخدرة على المعابر الحدودية والموانئ.
ولعلّ المكالمة الأخيرة تفتح الباب أمام مرحلة جديدة لمزيد من التنسيق بين وزارتي الداخلية في البلدين ومن المتوقع أن يتطور هذا التعاون ليشمل تكثيف تبادل المعلومات الاستخباراتية حول تحركات الشبكات العابرة للحدود وتعزيز التكوين والتدريب المشترك لفائدة الوحدات المختصة في مكافحة المخدرات إلى جانب دعم التنسيق على مستوى المراقبة الحدودية والموانئ، باعتبارها نقاطا حساسة في مسارات التهريب كما يمكن أن يشمل التعاون المستقبلي تطوير آليات تقنية لتتبع الشحنات المشبوهة، ودعما لوجستيا لوحداتنا الأمنية في مجال الرصد والتحليل مما سيشكل رافدا مهما للجهود الوطنية ويعزز موقع تونس كشريك أمني موثوق في منطقة المتوسط.
وتبقى الرسالة الأساسية من هذه المكالمة واضحة، وهي أن مكافحة المخدرات والجريمة المنظمة أصبحت قضية تستدعي تنسيقا دوليا متجدّدا يراوح بين اليقظة الأمنية للداخلية المتواصلة والانفتاح على شراكات إقليمية ودولية فاعلة بما يخدم في النهاية أمن المواطن التونسي واستقرار المنطقة ككل.
