بين مقتضيات السلامة وحقّ أصحابها في العمل: رفض تأمين السيارات والشاحنات القديمة في تونس
الصحافة اليوم: مصباح الجدي
يتكرر في تونس، وخاصة مع اقتراب موعد تجديد عقود التأمين، مشهد لا يخلو من التوتر والقلق بالنسبة إلى عدد من أصحاب السيارات والشاحنات المتقدمة في العمر، الذين يجدون أنفسهم أمام رفض بعض شركات التأمين إبرام عقود تأمين لسياراتهم، رغم حصولها على شهادة الفحص الفني التي تثبت، من الناحية القانونية والفنية، أهليتها للسير على الطرقات.
وتزداد حدة هذه الإشكالية بالنسبة إلى أصحاب الشاحنات وسيارات النقل التي تمثل مصدر رزقهم الوحيد، إذ يجدون أنفسهم أمام معادلة صعبة؛ فالسيارة اجتازت الفحص الفني بنجاح، لكنها في المقابل لا تجد شركة تقبل بتأمينها، وهو ما يحول دون استغلالها بصورة قانونية ويعرّض أصحابها لخسائر مادية وتعطل نشاطهم المهني وتهديد مورد رزقهم.
ويؤكد عدد من المتضررين أن شاحناتهم المعدة للعمل الفلاحي بالخصوص تخضع بصفة دورية لأعمال الصيانة والإصلاح، وأنها تستجيب للشروط الفنية المطلوبة، معتبرين أن حصولها على شهادة الفحص الفني يفترض أن يكون مؤشرا كافيا على صلاحيتها للاستغلال. ويرى هؤلاء أن رفض التأمين يحرمهم عمليًا من مواصلة العمل، خاصة في ظل محدودية إمكانياتهم المالية التي لا تسمح لهم باقتناء وسائل نقل أحدث.
ويطالب أصحابها بإيجاد صيغة توازن بين مقتضيات السلامة المرورية والمحافظة على مورد رزق آلاف العائلات، داعين إلى وضع آليات خاصة للتعامل مع السيارات والشاحنات القديمة التي تثبت سلامتها الفنية، بدل اعتماد معيار العمر وحده في تقييم المخاطر.
في المقابل، تستند شركات التأمين إلى اعتبارات قانونية وفنية عند اتخاذ قرار قبول أو رفض تأمين بعض السيارات والشاحنات. فبمقتضى مجلة التأمين، يحق لشركات التأمين رفض تأمين أي مركبة إذا رأت أن مستوى المخاطر المرتبطة بها مرتفع، باعتبار أن عملية التأمين تقوم أساسًا على تقييم درجة المخاطرة واحتمال وقوع الحوادث أو الأعطال.
وترى شركات التأمين عادة أن السيارات التي يتجاوز عمرها عشرين أو ثلاثين سنة تكون أكثر عرضة للأعطال الميكانيكية، كما تفتقر في كثير من الأحيان إلى تجهيزات السلامة الحديثة، مثل نظام منع انغلاق المكابح ا أ،بي، آسب، والوسائد الهوائية، وأنظمة المساعدة على القيادة، وهو ما قد يرفع من احتمالات وقوع الحوادث أو يزيد من حجم الأضرار الناجمة عنها.
ويؤكد مختصون في قطاع التأمين أن اجتياز الفحص الفني لا يعني بالضرورة انخفاض المخاطر التأمينية، فالفحص يهدف أساسًا إلى التأكد من الحد الأدنى من السلامة التقنية للمركبة وقت المراقبة، بينما يعتمد التأمين على احتساب احتمالات الخطر طوال مدة العقد، وهي معايير تختلف عن معايير الفحص الفني.
وفي الحالات التي توافق فيها شركة التأمين على تأمين وسيلة نقل قديمة، فإنها غالبًا لا تعرض سوى عقد التأمين الأساسي المتعلق بالمسؤولية المدنية، أو ما يعرف بـاالتأمين ضد الغيرب، باعتباره الضمان الإجباري الذي يضمن تعويض الأضرار التي قد تلحق بالغير في صورة وقوع حادث.
أما التغطيات الإضافية، مثل التأمين الشامل أو التأمين ضد السرقة أو الحريق، فتظل في أغلب الأحيان غير متاحة بالنسبة إلى هذه الأصناف، وذلك بسبب ضعف قيمتها السوقية وارتفاع مستوى المخاطر المرتبطة بها، فضلاً عن أن احتساب التعويض يتم اعتمادًا على القيمة المرجعية لها، التي تكون في العادة منخفضة جدًا بالنسبة إلى السيارات والشاحنات المتقدمة في العمر.
ورغم ذلك، فإن القانون لم يترك أصحاب السيارات دون حلول في صورة رفض جميع شركات التأمين تأمين سياراتهم. ففي هذه الحالة، يمكنهم اللجوء إلى المكتب المركزي للتسعير التابع لمجمع شركات التأمين، وهو الهيكل الذي يتولى، وفق الإجراءات القانونية المعمول بها، تعيين شركة تأمين وتحديد قيمة القسط المستوجب، بما يضمن تمكين صاحب السيارة من الحصول على التأمين الإجباري والسير بمركبته في إطار القانون.
وتطرح هذه الوضعية تساؤلات حول الحاجة إلى مراجعة بعض الآليات المعمول بها بما يحقق التوازن بين حق شركات التأمين في إدارة مخاطرها المالية وحماية مصالحها، وبين حق المواطنين في مواصلة نشاطهم الاقتصادي، خاصة إذا كانت سياراتهم تستجيب لشروط السلامة التي يثبتها الفحص الفني.
كما أن معالجة هذه الإشكالية تستوجب حوارًا يجمع مختلف المتدخلين، من سلطات الإشراف وشركات التأمين والمهنيين، قصد البحث عن حلول عملية، من بينها إرساء منتجات تأمينية تتلاءم مع خصوصية السيارات القديمة، أو اعتماد تقييم فني أكثر دقة لحالة كل مركبة بدل الاقتصار على عمرها الزمني نظرا لغلاء اسعار السيارات بالنسبة لهذه الفئة الاجتماعية من المهنيين.
الرّقمنة تحت الضغط: اكلمة السرّب تعطّل أولى خطوات الطالب نحو الجامعة
الصحافة اليوم: مصباح الجدي لم تكد فرحة الكثير من الناجحين في امتحان …
