يحيي التونسيون، ما بين 19 و22 جويلية الجاري ، الذكرى الخامسة والستين لمعركة بنزرت، وهي مواجهة عسكرية حاسمة اندلعت بين 19 و22 جويلية 1961، عندما فرض الجيش التونسي ومتطوعون مدنيون حصاراً على القاعدة البحرية الفرنسية للمطالبة باستكمال السيادة الوطنية وإجلاء آخر جنود المستعمر. وقد أسفرت المعركة غير المتكافئة عن سقوط مئات الشهداء، ومهدت الطريق لإنهاء الوجود العسكري الفرنسي في تونس نهائياً في 15 أكتوبر 1963.
وقد مثّـلت معركة بنزرت إحدى أبرز المحطات في تاريخ الكفاح الوطني ومنعطفًا حاسمًا في مسار استكمال السيادة الوطنية، بعد مواجهات دامية بين الجيش التونسي والقوات الفرنسية المرابطة بالقاعدة العسكرية في بنزرت.
وعلى الرغم من استقلال تونس في 20 مارس 1956، إلا أن تونس واصلت الدفاع عن حقها في خروج القوات الفرنسية من بنزرت حيث ما يزال الجنود الفرنسيون يحتلون القاعدة العسكرية بالمدينة ويحافظون على تواجدهم أيضًا في جنوب البلاد وقد كانت بنزرت بمثابة نقطة إستراتيجية في البحر الأبيض المتوسط بالنسبة لفرنسا، لا سيما في سياق الحرب الجزائرية. وكانت تأوي آلاف الجنود وتشكل مركزا لوجستيا ونقطة إمداد أساسية للجيش الفرنسي وتمسك الفرنسيون بالإبقاء على القاعدة العسكرية في بنزرت.
وفي الليلة الفاصلة بين 19 و20 جويلية، باشر الجنود والمتطوعون التونسيون العدوان وحاصروا القاعدة العسكرية وأقاموا الحواجز وعرقلوا حركة المرور ليشنّوا الهجوم بعد ساعات قليلة. وكان الجيش الفرنسي قد تلقّى أوامر واضحة في وقت سابق من نفس اليوم: في حالة حدوث عدوان، يجب على الجنود الرّد.
وواجه حينها أحد أقوى الجيوش في العالم القوات التونسية حديثة التشكيل واحتمى التونسيون بمنازلهم هربًا من القتال بينما كانت الجبهتان تخوضان المعركة في الشوارع ودارت المعركة بين جيش فرنسي يمتلك ترسانة عسكرية ضخمة ومعدات ثقيلة، وقوات تونسية حديثة التكوين دعمها آلاف من المتطوعين المدنيين القادمين من مختلف الجهات. وقد شهدت الأيام الأربعة قتالاً عنيفاً في الشوارع وقصفاً للأحياء السكنية، حيث أظهر فيها التونسيون صموداً كبيراً مع إعلان التعبئة العامة بداية من 4 جويلية 1961، عقب اجتماع المكتب السياسي للحزب الحر الدستوري. ومع انطلاق التصعيد العسكري سرعان ما تحولت مدينة بنزرت إلى ساحة حرب، بعدما تعرضت الأحياء السكنية لقصف عنيف استُعملت فيه مختلف أنواع الأسلحة، ما أسفر عن سقوط أعداد كبيرة من الشهداء والجرحى من العسكريين والمدنيين، وسط تفوق فرنسي واضح في العتاد والإسناد الجوي والبحري.
انتهت العمليات العسكرية يوم 22 جويلية 1961 إثر إصدار مجلس الأمن الدولي للقرار رقم 164 الذي دعا إلى وقف إطلاق النار، وهو ما فتح الباب أمام مسار دبلوماسي طويل الأمد. يوم 25 جويلية 1961، وصل إلى مدينة بنزرت الأمين العام للأمم المتحدة، داغ هامرشولد، بناء على دعوة عاجلة من الزعيم الحبيب بورقيبة للاطلاع على الوضع الذي آلت إليه المدينة.
وفي شهر أوت من تلك السنة تم عقد اجتماع بالأمم المتحدة للنظر في قضية بنزرت، انتهى بقرارات لفائدة تونس حيث صوّتت الجمعية العامة للأمم المتحدة بالأغلبية المطلقة على ضرورة فتح التفاوض بين تونس وفرنسا من أجل تحقيق الجلاء عن بنزرت.
ورغم الخسائر البشرية الفادحة، أرست هذه المعركة أسس استقلال تونس التام، وقد شكلت معركة بنزرت محطة مفصلية في تاريخ البلاد، ومهدت سياسيًا ودبلوماسيًا لجلاء آخر جندي فرنسي عن بنزرت يوم 15 أكتوبر 1963، وعن الجلاء التام للقوات الفرنسية عن الأراضي التونسية لتبقى معركة بنزرت ذكرى شاهدة على تضحيات التونسيين في سبيل الحرية والاستقلال.
الذكرى 12 لملحمة «هنشير التّلة» حين روى أبناء تونس أرضها بدمائهم
أحيت تونس أول أمس الذكرى 12 لـ «ملحمة هنشير التّلة» والتي جدّت ذات أربعاء في 16 جويلية 20…









