في مشهد بطولي أعاد إلى الأذهان ملاحم التونسيين في مواجهه الإرهاب، رسم بواسل المؤسسة العسكرية والمؤسسة الأمنية وفي مقدمتها الحماية المدنية، إلى جانب طيف واسع من المواطنين، ملحمة جديدة في مواجهة الحرائق التي اكتسحت خلال الأيام والساعات القليلة الماضية، و«دون سابق إنذار»، عديد المناطق وتسببت في خسارة مئات الهكتارات من الأراضي الغنية بالثروات الغابية والحيوانية علاوة على حالة الفزع والإرباك التي انتابت التونسيين.
وتزامنت هذه الحرائق للأسف مع تواتر انقطاع التيار الكهربائي في أغلب ربوع الوطن وهو ما ضاعف من القلق وتسبب في ترويج الروايات بغثّها وسمينها حول أسباب اندلاع النيران بشكل يبدو في بعض الحالات ناتجا عن ارتفاع الحرارة وغضب الطبيعة إن جاز القول، وفي بعض الحالات لا يمكن غضّ الطرف على بصمة بني البشر من المفسدين في الأرض والمشتركين في تأجيج إرهاب الحرائق وهو ما يجب التعامل معه بكل مسؤولية وحذر ويقظة وحزم.
إنه ليس من السهل على أبناء الجيش والأمن والحماية المدنية بالخصوص كما أسلفنا، وفي ظل ارتفاع غير مسبوق في درجات الحرارة، وربط النار لليل بالنهار، والشمال بالوسط والجنوب، وبالنظر إلى الإمكانيات المتوفّرة للتعامل مع إرهاب الحرائق، ليس من السهل تأمين مئات التدخلات في حيز زمني جدّ قصير في وقت يصل فيه معدل الحرائق الى حريق كل خمس دقائق..!
ليس ذلك فحسب، تصل نسبة النجاح في التدخل الميداني إلى حدود 90 بالمائة حيث يتم إخماد الحرائق وإسعاف الناجين وتأمينهم وإنقاذ ما يمكن إنقاذه في مرحلة أولى، وفي مرحلة ثانية مواصلة ما يعرف بعملية التبريد لدرء عودة التهاب ألسنة النار.
هو عمل ملحمي بطولي يفرض علينا رفع القبعة والإنحناء تقديرا وإجلالا لهؤلاء البواسل الذين يضعون أرواحهم على أكفّهم وهم يدخلون الحرب على إرهاب الحرائق ويحققون ما يرتقي إلى المعجزات في تحدّي النيران والتقليل من هول الكارثة.
أجل، إنها كارثة وطنية فالحرائق التي اندلعت في ربوع الوطن، والتي لا يستطيع أحد التكهن بنهايتها، تسببت كما أسلفنا في أضرار كبيرة للمواطنين حيث فقدت عديد العائلات مساكنها وموارد رزقها والتهمت النيران مساحات شاسعة من الغابات والأدهى من كل ذلك انها أتت أيضا على ما يوجد في هذه المناطق المنكوبة من بنية تحتية مترهلة الأمر الذي قد يؤدي في حال عدم الجدية والتدخل الفوري والناجع في عزل أهلنا هناك وبالتالي مضاعفة مأساتهم، ولا ننسى الضرر الذي لحق بشكل خاص بمواقع كانت وما تزال وجهة للسياحة الداخلية والخارجية على حد سواء، ونقصد المواقع السياحية الخلابة في «رفراف» و«غار الملح» وغيرهما..
والصورة في بلادنا لا تختلف كثيرا عن الصور ذاتها في أغلب دول العالم وخصوصا في الجوار، فالأشقاء في الجزائر يخوضون نفس الحرب ضد إرهاب الحرائق هذه الأيام وكذلك الحال في دول أخرى تعيش كل عام تقريبا على وقع هذه الكارثة التي تتسبب فيها الطبيعة والبشر في نفس الوقت ولو بدرجات متفاوتة وأشكال مختلفة.
إن حرارة الصيف كما سبق وقلنا ليست دائما في موضع الاتهام، حتى وإن كانت عنصرا مفجّرا ومغذّيا للكوارث في المطلق، فبعض الحرائق تكشف أسبابا أخرى وراء الظاهرة وهي إنسانية بالأساس، ويعود بعضها إلى الإهمال والتقصير والعجز الرسمي والمواطني صراحة، وبعضها الآخر إلى «مجرمين» و«أعداء» للوطن والحياة، وهنا مرّة أخرى ضوء أخضر للعدالة للضرب بيد من حديد على كل من تخوّل له نفسه إرهاب وترهيب التونسيين.
هذا هو المطروح عاجلا، أما الآجل فهو بنفس القيمة وأكثر، ويقتضي العمل منذ اللحظة الراهنة على استباق الكوارث وصياغة استراتيجية وطنية طويلة المدى لمجابهة الكوارث بشكل عام والحرائق بشكل خاص وتوفير الاعتمادات الضرورية لها والأخذ بعين الإعتبار المتغيرات المناخية التي ستزداد سرعة وعنفا في السنوات القادمة.
وحتى نكون في موضع آمن اليوم، لا مناص في تقديرنا من الدعوة إلى التعبئة العامة والتعبير عن التضامن مع الأهالي في المناطق التي طالها إرهاب الحرائق، وتوجيه التحية والدعم إلى رجال الحماية المدنية والجيش الوطني والأمن والتجنّد الكامل لمساعدة المتضررين من الكارثة وجبر الضرر الذي لحق بهم وتكريس التضامن الحقيقي بين عموم التونسيين.
الإحتفال بنهاية السنة الجامعية.. يوم فرح.. يوم علم
تتواتر في مثل هذه الفترة من كل عام حفلات اختتام السنة الدراسية في…







