حسن نصر كما عرفته : ذلك الرجل الذي يشبه عذوبة نصوصه..
لم يكن رحيل الكاتب التونسي الكبير حسن نصر بالنسبة إليّ مجرد خبر ثقافي عابر . فالرجل الذي غاب بالأمس كان واحداً من أولئك الكتّاب النادرين الذين لا يكتفون بكتابة الجمال، بل يعيشونه ي تفاصيل حضورهم اليومي. فقد كنت كلما التقيته في ندوة أو أمسية أو ملتقى ثقافي رغم انه كان مقلا في حضور الفعاليات الثقافية كنت أشعر أنني أمام كاتب من طينة خاصة يتحدث تماما مثلما يكتب بهدوء، وعذوبة ورقة وشيء من التأمل الذي يجعل الكلمات تبدو أقل صخباً وأكثر عمقا.ً وان كانت نصوصه أكثر جرأة منه أحيانا. .
وقد جمعتني بالراحل الكبير حسن نصر لقاءات ثقافية كثيرة امتدت على سنوات متباعدة، لكن أكثرها رسوخاً في ذاكرتي ذلك الحوار الذي أجريته معه ذات صباح ونشر في ورقات ثقافية على صفحات جريدة الصحافة .والحقيقة ان ذلك اللقاء كان استثنائيا بالنسبة الي لم يكن حواراً عادياً بين صحفية وكاتب، بل كان أقرب إلى جلسة اعتراف أدبي وإنساني لمست خلالها تواضع هذا الرجل وبساطته العميقة و تحدث معي يومها عن الكتابة بوصفها محاولة دائمة لإنقاذ الإنسان من قسوة العالم، وعن اللغة باعتبارها بيتاً أخيراً نحتمي به عندما تضيق بنا الحياة .و كنت أتابع كلماته التي تأتي على مهل مرفوقة بابتسامة دافئة لا تغيب عن وجهه.
وكان يحرص على انتقاء كلماته بعذوبة نادرة كأنها ينتقي هدية ليهبها لقرائه محبيه .
وعلى ذكر الهدية استحضر الان تلك الهدية الرائعة التي قدمها لي وهي كتاب ” بابا همنغواي ” للكاتب الصحفي أيرون إدوارد هوتشنر وهو الذي كان مقربا من ارنست همنغواي صاحب رائعة العجوز والبحر وحاول ان يكشف من الحقائق عن هذا الكاتب سواء المتلقة بسيرته او بوفاته. .
ولعل ما ميّز الكبير حسن نصر، عن أبناء جيله هي قطعا تلك النبرة الخاصة التي جعلت نصوصه قابلة للتعرّف منذ السطر الأول منذ مجموعته القصصية ليالي المطر التي ترتبط في اذهان اغلبنا بالمقرر المدرسي وبالطفولة اجمالا.
فقد كان يكتب بعذوبة نادرة، لا تقوم على الزخرف اللفظي والمبالغة في الحيل الاسلوبية ، وإنما كان يتفرد حساسية إنسانية شفافة. جعلت شخصياته تبدو قريبة من القراء ، وأمكنته مشبعة بذاكرة دافئة ذات خصوصية تونسية أما جمله فكانت تحمل موسيقى داخلية خافتة تجعل القارئ يشعر أنه لا يقرأ نصاً مكتوباً بقدر ما يصغي إلى صوت يأتي من عمق التجربة..
واليوم، بعد رحيله، أعود لأنبش في ذاكرتي واستحضر ذلك الحوار القديم. تماما كما استحضر صورته بابتسامة هادئة وهو الذي تعلمنا منه ان الادب ليس ترفا ثقافيا طريقة راقية لمحاولة فهم الانسان.
في عيد جمهوريتنا : بين التحديات الثقيلة والقدرة على تجاوز المحن
يحي التونسيون اليوم عيد جمهوريتهم ويستحضرون لحظة فارقة في تاريخهم المعاصر. لحظة إعلان ا…








