‎لا يختلف إثنان في أن شركة فسفاط قفصة توجد اليوم في وضع أفضل مما كانت عليه خلال سنوات التراجع الحاد التي تلت العام 2011، لكن ردّ الاعتبار لهذه المؤسسة الوطنية واستعادة مستويات الإنتاج التاريخية فيها يتطلب معالجة جملة من المشاكل والعوائق لعلّ أبرزها واقع التجهيزات وأدوات العمل، وتحدّيات النقل وتوفير المياه، وتحسين الاستقرار الاجتماعي وتنفيذ برامج الإصلاح المعلنة وأهمها في تقديرنا الحوكمة.

‎وكما هو معلوم أيضا، فإن شركة فسفاط قفصة تمرّ بمرحلة إعادة هيكلة وقد عُيّن على رأسها هي والمجمع الكيميائي التونسي معا في جوان الماضي، رئيس مدير عام جديد ضمن توجّه حكومي لتسريع الإصلاح وتحسين الأداء بهدف رفع الإنتاج واستعادة مكانة الشركة كأحد أهم مصادر العملة الصعبة في تونس، لكن الشركة ما تزال رغم ذلك تواجه تحدّيات كبيرة كما أسلفنا بسبب ثقل تركة الماضي وهو ما فرض البحث عن الحلول بما في ذلك الالتجاء على ما يبدو للاقتراض الخارجي.

‎وبالفعل، فقد صادق مجلس نواب الشعب أمس على مشروع قانون يتعلق بالموافقة على اتفاقية الضمان المبرمة بتاريخ 3 نوفمبر 2025 بين الجمهورية التونسية والبنك الأوروبي لإعادة الإعمار والتنمية، والمتعلقة بالقرض المسند إلى شركة فسفاط قفصة للمساهمة في تمويل مشروع اقتناء معدات منجمية حديثة وتركيز وحدة متطورة للترشيح بالضغط العالي لمعالجة المياه المستعملة..

‎ورغم وجاهة وجدوى هذا القرض بخلاف قروض أخرى صراحة، فإن وزير الاقتصاد والتخطيط وجد صعوبة عند عرض مشروع القانون أمام نواب، بعضهم كان «عفويا» وموضوعيا في طرح تحفظاته، والبعض الآخر بدأ بعد في حملة انتخابية مبكرة، وباستخدام سلاح ذي حدّين وهو التمايز عن «المشروع»، والتنصل من نقائص وخيارات منظومة الحكم الراهنة.

‎وتبدو نسبة فائدة هذا القرض غير مشطة وثمة مرونة في السداد والإمهال وتقدر مدة الإنجاز المتفق عليها بثلاث سنوات.

‎ومن النتائج المباشرة المرسومة لهذا القرض، التخفيض المهم في استهلاك المياه الجوفية مع تحقيق نسبة إعادة استعمال تصل إلى حوالي ٪90، ورفع مردودية الشركة وتعزيز تنافسيتها الدولية بفضل اعتماد تجهيزات حديثة ومعايير تشغيل متطورة، واقتتاء شاحنات كبرى لنقل الفسفاط، وتوفير موارد إضافية من العملة الصعبة من شأنها أن تدعم التوازنات المالية للدولة..

‎هكذا يقول النواب المتفائلون ومن بينهم رئيس لجنة المالية لكن هذا لا يمنع من إبداء جملة من الملاحظات الضرورية التي لا تنسحب على شركة فسفاط قفصة فقط ولكنها مطروحة في ملفات جميع مؤسساتنا الوطنية العمومية التي هي في نهاية المطاف مكسب وطني وهي العمود الفقري للدولة الاجتماعية التي ينشدها الجميع والتي يجب ألا تتحول الى عبء على الشعب والوطن.

‎واذا كان الاقتراض «شرّا لا بد منه» فليكن على قاعدة «مرّة واحدة وأخيرة»، أي أن يكون هذا القرض الأخير الذي تتعافى بموجبه شركة فسفاط قفصة وتستعيد عافيتها.

‎ثانيا، إن هذا القرض بخلاف قروض سابقة حصلت عليها منظومات الحكم المتعاقبة يجب أن يكون دواء يستعمل في معالجة الشركة والجهة والوطن، ففسفاط قفصة ليست شركة عادية، بل تقف على حوض منجمي ومنطقة سكانية قدم أهلها للبلاد الغالي والنفيس على مرّ التاريخ.

‎ثالثا، لا بدّ من التقدم في الإصلاح الداخلي للشركة وإعادة تأهيل أبنائها وترشيد الموارد البشرية والمادية واعتماد حوكمة جيدة قوامها الشفافية والكفاءة والمصلحة العامة، فلا يعقل أن يستمر اعتبار هذه المؤسسة وغيرها من المؤسسات العمومية مجمّعات للعملة دون الأخذ بعين الإعتبار معادلة الانتاج والانتاجية، ولا بد من القطع كذلك مع عقلية «البيليك» وظاهرة الافلات من العقاب والفساد بكل أشكاله ومستوياته..

‎أخيرا، إن التعافي من مرض طال أمده ليس بالأمر الهيّن ولا يمكن ان يتحقق بين عشية وضحاها، لكن متى توفّرت الإرادة وصدقت العزائم ووقع تقاسم التضحيات وتغليب المصلحة العامة على المصلحة الخاصة، يجوز التفاؤل ليس بفسفاط قفصة فقط ولكن بكل مؤسساتنا العمومية التي تزخر بالعقول وبالسواعد التونسية مائة بالمائة.

‫شاهد أيضًا‬

تراجع عدد الحرائق خلال الساعات الأربع والعشرين الماضية

سجلت الأربع والعشرون ساعة الماضية (من الساعة السادسة صباحا من يوم 28 جويلية إلى الساعة الس…