أفاقت تونس أمس على وقع فاجعة جديدة كبرى تمثلّت في غرق مركب هجرة غير نظامية كان على متنه بين 15 و 18 شخصا وفق ما رشح من معطيات أولية، أغلبهم من بنقردان وشخص واحد من جرجيس.
وصورة الفاجعة كما رواها الناجي الوحيد الذي تمكن من السباحة لمدة 48 ساعة في البحر قبل أن تلتقطه إحدى البواخر إلى جانب روايات أخرى، أن المركب انطلق من ميناء الكتف ببنقردان متجهًا نحو السواحل الإيطالية يوم الأربعاء 19 أوت وتعرض لتسرّب للمياه وغرق بعد زهاء خمس ساعات على بعد نحو 14 ميلا في عرض البحر، وغرقت معه أحلام شباب تونسي في بلوغ «جنة» شمال المتوسط.
وفيما تتواصل عمليات البحث عن مفقودين بمشاركة الوحدات البحرية الساحلية والوحدات البحرية العائمة بالتنسيق مع جيش البحر وتسخير طائرة مروحية لتعزيز عمليات البحث والانقاذ، تم يوم أمس بإذن من النيابة العمومية فتح بحث عدلي من أجل اجتياز الحدود البحرية خلسة نجم عنه الموت.
رسميا ، تحوّل والي مدنين، رفقة معتمدي جرجيس وبن قردان الى جرجيس لمتابعة الوضعية عن كثب، ومعاينة عمليات التدخّل وجهود الأجهزة الأمنية والعسكرية في المجال، أما شعبيا فقد كان وقع الفاجعة كبيرا وكانت ردود الفعل مركبة جرّاء هول نتيجة هذه العملية الفاشلة لـ«الحرقة» والتي خلّفت حرقة أفظع في القلوب وصدمة للعقول.
إن ما حصل لشبابنا في جرجيس وبنقردان بالخصوص ليس بالأمر الهيّن للعديد من الاعتبارات التي يتوجب ان نتوقف عندها بكل جرأة ومسؤولية لنصل الى صياغة حلول واقعية ومباشرة وفورية تخفف على الجميع وقع الفاجعة ويمكن بواسطتها أن نعزّي أهلنا في هاتين المدينتين المنكوبتين.
إننا عندما نكتشف في قائمة شبابنا -رحمهم الله – وجود روابط عائلية تجمع بالأساس شباب بنقردان الذين يحمل أغلبهم نفس اللقب، نشعر بالرعب، أجل الرعب الذي تحسه أيضا عائلات هؤلاء الشباب الذين ضاقت بهم الدنيا وانسدت في وجوههم الآفاق فلم يجدوا بدّا من ركوب البحر دون حسابات الربح والخسارة لوجود قناعة للأسف بأنه لم يعد ثمّة فرق بين الأمرين..!
مهم جدا أن نفتح التحقيق تلو التحقيق لتحديد المسؤوليات وكشف من خطط وموّل هذه «الحرقة» دون ضمانات نجاح ، ومهم جدا أن نحاكم «زعماء» شبكات الهجرة غير النظامية الذين يتاجرون بأرواح الناس ويروّجون سلعة فاسدة، مكوناتها رحلة بحرية على متن شيء يشبه المراكب لا تتوفر فيه مواصفات وسيلة نقل بحرية تصل جنوب المتوسط بشماله، بل لا تصلح حتى للصيد قريبا من الشواطئ..
أما الأصعب في ما نعيشه في هذه اللحظات، فهو استيعاب خسارة شباب يافع في مقتبل العمر، أجبر على خيار الهجرة غير النظامية بسبب البطالة المستفحلة في المنطقة وانسداد الأفق، خطؤه الذي لا يتحمل وزره انتماؤه لبنقردان، بنقردان أرض الملحمة التي أنقذت تونس في العام 2016.
أجل في العام 2016، وتحديدا يوم 7 مارس نحتت بنقردان وأهلنا فيها إلى جانب بواسل المؤسسة الأمنية والعسكرية، أروع صور الصمود الأسطوري في وجه الارهابيين وتم اجهاض مشروع اقامة إمارة داعشية على ارضنا، يومها تفطن الجميع إلى أن مواطنين تونسيين على هذه الأرض يستحقون عناية خاصة والتفاتة من دولتهم ،فهم يقفون على حماية بوابتها الجنوبية.
في الذكرى الأولى والثانية للملحمة تواصل الزخم ورُفعت نفس الشعارات تقريبا، لكن بين سنة وأخرى خفت بريق الذكرى وأصبحت الاحتفالات رمزية لتسجيل الحضور لا غير، ولم يرافق ذلك انتباه إلى أن بنقردان مثلها مثل عديد القرى والمدن في تونس بحاجة إلى مقاربة تنموية جديدة أو لنقل ببساطة وبعيدا عن اللغة الخشبية إلى بعض الانجازات والمشاريع التي تغذي الانتماء وتروي العروق المنغرسة في أرض أنهكها الجفاف والجفاء.
إن ما دفع بشباب بنقردان هذا الأسبوع إلى مغادرة البلاد لا يعود فقط إلى عامل التغرير أو سوء التقدير وإنما لشعور بالإحباط في جهة لا تكابد فقط تداعيات الأزمة الاقتصادية والاجتماعية المحلية ولكن ايضا انعكاسات ما يحصل في الجوار في الشقيقة ليبيا تحديدا في ظل التطورات الحاصلة في الفترة الماضية وهو ما يضاعف مسؤولية الجميع أمام هذه الفاجعة.
خيار وحيد في مواجهة خطر المخدّرات الدّاهم الرّدع والوقاية
لا يختلف إثنان في بلادنا اليوم في أن المخدرات أصبحت مشكلة صحية واجتماعية وأمنية حقيقية جا…








