أدّى وزير خارجية جمهورية ألمانيا الاتحادية زيارة عمل إلى بلادنا خلال الأيام القليلة الماضية، ولا تعود أهمية هذه الزيارة لتزامنها مع الاحتفاء بالذكرى السبعين لإقامة العلاقات الدبلوماسية بين تونس وألمانيا فقط أو كذلك انتماء هذه الأخيرة إلى الاتحاد الاوروبي أو مخرجات الزيارة نفسها والتي تجسّدت في خمس اتفاقيات ومشاريع تتجاوز قيمتها 100 مليون يورو، ولكن للدلالات الاستراتيجية التي تؤكد مرة أخرى أن الشراكة الموثوقة والبنّاءة لا يمكن تحقيقها سوى على قاعدة المصلحة المشتركة.

وكما هو معلوم فإن المصلحة المشتركة تمثل نقطة التقاء بين مصالح الدول وهي تعدّ من أهم الأسس التي تجعل التعاون الدولي ممكنا خصوصا عندما تكون القضايا المطروحة عابرة للحدود ولا تستطيع دولة واحدة حلّها بمفردها في هذا الزمن المعولم.

ومن خلال خطاب المسؤولين في البلدين ندرك جيدا أنه ثمة توافق على أن المصلحة المشتركة بين تونس والمانيا تقوم على وجود هدف ومنفعة مشتركة ومتبادلة وأنه ثمة أيضا مرونة في التعاطي مع الظروف السياسية والاقتصادية والأمنية بشكل يعزز التعاون والتحالف وفي نفس الوقت عدم إلغاء المصالح الوطنية وما يعنيه ذلك من استمرار التنافس في مجالات أخرى.

وهنا تبرز أهمية الندية في التعاطي مع العلاقات الدولية، فالتعاون ليس منّة ولا يمكن أن يتحقق ويحقق نتائجه المرجوة أحاديا ودون تحقيق مصلحة مشتركة وبخلاف ذلك ستكون المكاسب مؤقتة وهشة.

وما كان  لعلاقات بلادنا مع ألمانيا وغيرها من الدول الشقيقة والصديقة أن تعمّر سبعة عقود لو لم تكن قائمة على قاعدة تحقيق المصلحة المشتركة رغم بعض الهنات والهزات التي نتجت عن سوء الفهم أو عن أنانية مفرطة في الكسب الخاص لا الجماعي.

وإزاء الأوضاع الإقليمية والتحولات العالمية والتغيرات العميقة التي يشهدها العالم في ظل الأزمات والتوترات الأمنية المتزايدة أصبح التعاون الدولي بالفعل أكثر أهمية من أي وقت مضى ليس بين تونس وألمانيا فحسب وإنما بين جميع الدول التي تتقاسم هذه القناعات.

ولم يعد سرّا أن التشابك الاقتصادي والتبادل التجاري والاستثمارات تمثل بالفعل مكسبا للجانبين التونسي والألماني، فألمانيا سوق مركزية للصادرات التونسية، وهي لا تزال توفر فرصا كبيرة للاقتصاد التونسي، وفي نفس الوقت، تكتسب بلادنا أهمية متزايدة بالنسبة إلى الشركات والصناعات الألمانية التي تدرك جيدا قيمة الكفاءات التونسية المتخصصة والامتيازات التشريعية واللوجستية التي تضعها تونس على ذمة الأصدقاء المستثمرين في القطاعين العام والخاص.

ولم يعد سرّا ايضا أن التعاون التنموي في مجالات بعينها كالتدريب المهني والتحول الطاقي وإدارة المياه والرقمنة تعزز العمود الفقري لهذه الشراكة النموذجية بين بلدين، ينتمي احدهما للضفة الجنوبية للمتوسط والاخر لضفته الشمالية.

وهنا تحديدا، يبرز بعد استراتيجي آخر للعلاقة التونسية الألمانية التي تفتح آفاقا واعدة للدولتين وللشعبين.

إن ألمانيا هي القوة الاقتصادية الأولى في الاتحاد الأوروبي، وهي محددة في جميع خيارات وقرارات المجموعة الأوروبية وهي في الترتيب الثالث للدول التي تستضيف التونسيين بعد فرنسا وايطاليا وأبوابها مفتوحة للهجرة النظامية سواء للدراسة أو للعديد من المهن والاختصاصات التقنية.

من جهتها يُنظر لتونس على أساس كونها بوابة إفريقيا والبلد الآمن الذي يفترض أن يكون سدّا منيعا أمام الهجرة غير النظامية وأن تكون بيئة مناسبة للاستثمار والربح ومشجعة للقطاعين العام والخاص كما أسلفنا.

إن هذا الرصيد وهذه المؤهلات وهذه الأرضية التي تنبني عليها علاقات تونس مع شركائها هي مبعث الأمل والتفاؤل بالمستقبل الواعد لتونس.

‫شاهد أيضًا‬

‎للخروج من الأوضاع الرّاهنة ‎في شروط المسؤولية ومتطلّباتها..

‎سجّلت  بلادنا خلال الفترة الأخيرة تعدّد وتواتر عدد من الظواهر والإشكالات في عديد القطاعات…