حرّكت البعثة الدائمة للجمهورية التونسية لدى منظمة الأمم المتحدة بجنيف هذه الأيام المياه الراكدة كما يقال، ودعت مرة أخرى الدول التي تتواجد لديها أموال منهوبة وذات مصدر غير مشروع، إلى إعادة هذه الأموال إلى الدول النامية التي نُهبت منها حتى يتسنّى لها توظيفها في مشاريع تنموية تخدم شعوبها والقضاء على الفقر دون الإضطرار إلى الوقوع تحت عبء المديونية.

وجاءت الدعوة التونسية في رحاب مجلس حقوق الإنسان والمجموعة الدولية تحتفي هذه السنة بالذكرى الأربعين لاعتماد إعلان الأمم المتحدة بشأن الحق في التنمية باعتباره حقاً أصيلاً من حقوق الإنسان للجميع، وفي ظل الأوضاع الراهنة يصطدم إعمال هذا الحق بالعديد من العراقيل والتحديات وعلى رأسها الموارد المالية.

هذا وإلى جانب تركة الماضي الاستعماري وكذلك الاستعمار غير المباشر الراهن واستمرار هيمنة الدول النافذة على مصائر الدول الفقيرة والضعيفة برزت أسباب كثيرة وراء تعميق وتأزيم الأوضاع وحجب الموارد المالية جرّاء سوء تصرف منظومات الحكم المتعاقبة وعربدة «العائلات الحاكمة» ونهبها لأموال المجموعة الوطنية وتهريبها للخارج وفق صيغ عديدة وشائكة تعيق عملية استرجاعها بسهولة.

إن ظاهرة نهب أموال الدول من طرف العائلات الحاكمة حول العالم ظاهرة موثّقة في عدد من الدول، وتُعرف في الأدبيات القانونية والسياسية باسم اختلاس الأصول العامة والاستيلاء على الدولة والفساد السياسي.

ومن أشهر أنماط هذه الظاهرة تحويل أموال الدولة إلى حسابات أو شركات خاصة مرتبطة بالحاكم أو عائلته ومنح احتكارات وعقود حكومية لشركات تملكها العائلة أو المقرّبون منها إلى جانب استغلال الشركات الحكومية والموارد الطبيعية لتحقيق ثروات خاصة وشراء عقارات وأصول في الخارج لإخفاء مصدر الأموال واستخدام شركات واجهة ومراكز مالية خارجية لإخفاء الملكية الحقيقية.

إنها عملية معقدة وشائكة تفسر إلى حدّ كبير الصعوبات التي تعترض الدول التي تريد اليوم استرجاع أموالها المنهوبة كما هو الحال ببلادنا وتوظيفها في خدمة التنمية.

إن الوضع الدولي الحالي كما نبّهت إلى ذلك البعثة التونسية لا يمثل بيئة مواتية لإعمال الحق في التنمية بسبب الآثار السلبية للحروب وارتفاع أسعار الطاقة وتغير المناخ وتراجع تمويل التنمية ومشاكل المديونية، مما أدى الى مزيد من الفقر والهشاشة وتفشي الأزمات الاقتصادية والاجتماعية في الدول النامية وفاقم من الصعوبات التي تعرقل تحقيق أهداف التنمية المستدامة وجعلها حلما بعيد المنال بالنسبة لعديد شعوب دول الجنوب، لاسيما في افريقيا.

وهذا الواقع يستوجب إصلاح النظام المالي الدولي لجعله عادلا ومنصفا والتخفيف من ديون الدول النامية ورسكلتها في مشاريع تنموية، وهنا ندرك جيدا ليس فقط التعقيدات الإجرائية التي أعاقت التقدم في الملفات القانونية التي قدمتها تونس لاسترجاع أموالها المنهوبة بعد 2011، ولكن تلكؤ الدول التي تتواجد لديها أموال منهوبة في إرجاعها لأصحابها الشرعيين، وعليه فإن تحويل هذه الأموال إلى استثمارات يقلل الضغط القانوني والسياسي والحرج القيمي والأخلاقي على هذه الدولة ويرغمها باسم حقوق الإنسان بطبيعة الحال على التفاعل الإيجابي مع إعمال الحق في التنمية.

إن استرجاع الأموال المنهوبة  بهذا الشكل يمثل فرصة لإعادة جزء من الثروة العامة إلى المجتمع، وتحويل مورد كان مصدرًا للفساد إلى أداة للتمويل والاستثمار وتحسين حياة المواطنين دون أن ننسى  انعكاس ذلك إيجابيا على العلاقات بين الدول  فالمصلحة المشتركة في العلاقات الدولية تفرض الإلتزام بهذه المقاربة، ودون ذلك سيتواصل الحذر وسوء الفهم ومشكلات التنمية بطبيعة الحال والتي لا تدخر شخصا أو كيانا أو دولة أو تجمعا اقليميا أو دوليا.

‫شاهد أيضًا‬

‎في مخرجات النسخة 2 للقمة العربية بتونس حول الذكاء الاصطناعي ‎التسريع ببناء مجتمع الذكاء

‎احتضنت بلادنا يومي 9 و10 سبتمبر الجاري أعمال النسخة الثانية لقمة «الذكاء الاصطناعي نحو ال…