نحو تنقيح قانون مكافحة المخدرات : من مكافحة الاستهلاك الى تفكيك الشبكات…
لا يكاد يمر يوم دون ان يتم تداول اخبار بشأن تفكيك شبكات ترويج المخدرات وتهريبها واحيانا نسمع عن عصابات تتزعمها شخصيات مشهورة او من مهن ذات قيمة اعتبارية مما يعني ان تجارة السموم في تونس قد تفشت بشكل خطير وشملت كل الفئات والطبقات وهذا مؤشر ينبغي التوقف عنده واستقراؤه.
فمن الواضح ان ملف المخدرات أصبحت اكثر تعقيدا مما نعتقد إذ تتداخل فيها جملة من المعطيات التي يصعب تفكيكها خاصة. وبالتالي تقتضي مكافحتها اعتماد مقاربات جديدة أشمل واعمق في التعاطي مع هذه الظاهرة.
وبقدر ما تبذل الاسلاك الأمنية جهودا مضنية في مجال مكافحة المخدرات وتفكيك الشبكات العابرة للحدود والقارات ما يزال التشريع التونسي في هذا المجال غير متماشيا مع المتغيرات الرهيبة في هذا المجال وخاصة التقدم المذهل تقنيا وتكنولوجيا وتوظيفه من قبل مافيا المخدرات للإخفاء والتمويه.
وربما على هذا الأساس من المهم الآن تنقيح قانون مكافحة المخدرات في بلادنا.
وهو ما يبدو مطروحا بشدة في الوقت الراهن.
فبعد أكثر من ثلاثة عقود على صدور القانون عدد 52 لسنة 1992 المتعلق بالمخدرات، تتجه تونس نحو مراجعة هذا الإطار القانوني، في محاولة لمواكبة التحولات التي طرأت على ظاهرة المخدرات وتطور أساليب التهريب والترويج وتنامي ارتباطها بشبكات الجريمة المنظمة.
ويأتي هذا التوجه في وقت تشهد فيه الظاهرة تحولات متسارعة، سواء من حيث أنواع المواد المخدرة المتداولة أو طرق إدخالها وترويجها، في ظل استغلال الشبكات الإجرامية للتكنولوجيات الحديثة ووسائل الاتصال، فضلا عن امتداد أنشطتها عبر الحدود..
ويذكر ان القانون عدد 52 لسنة 1992 صدر في 18 ماي من ذلك العام، ووضع إطارا قانونيا شاملا لتجريم زراعة المخدرات وإنتاجها وحيازتها واستهلاكها ونقلها وترويجها وتهريبها، كما ضبط العقوبات المتعلقة بمختلف هذه الأفعال.
ورغم إدخال تعديلات متتالية على القانون، من بينها تعديلات في سنوات 1994 و1995 و1998 و2009 و2017، فإن النص الأصلي ظل يشكل الإطار الأساسي لمكافحة المخدرات في تونس. وقد تعلقت بعض التنقيحات بإضافة مواد مخدرة إلى القائمات القانونية أو بإعادة ضبط بعض الأحكام الجزائية.
غير أن طبيعة الجريمة نفسها تغيرت بصورة كبيرة خلال السنوات الأخيرة، وهو ما يجعل مراجعة القانون مرتبطة أساسا بالحاجة إلى تطوير أدوات الدولة في مواجهة شبكات أكثر تنظيما وقدرة على الاستفادة من التكنولوجيا الحديثة.
وتشير المعطيات التي عرضها ممثلو وزارة الداخلية أمام لجنة التشريع العام بمجلس نواب الشعب إلى أن ظاهرة استهلاك وترويج المخدرات شهدت تطورا وتناميا، وأن الشبكات الناشطة في هذا المجال أصبحت عابرة للحدود وتعمل وفق أساليب أكثر تعقيدا.
وفي هذا السياق، تعمل وزارة الداخلية على مراجعة القانون بما يتيح، وفق ما صرح به رئيس مصلحة مكافحة المخدرات بإدارة الشرطة العدلية، اعتماد آليات جديدة تساعد على تفكيك الشبكات الإجرامية، من بينها أساليب تحر خاصة تتلاءم مع طبيعة الجريمة الحديثة، مثل اعتراض الاتصالات والاختراق، على أن تكون هذه الآليات مؤطرة قانونا.
وتكتسي هذه النقطة أهمية خاصة، لأن مواجهة المروج أو المهرب لم تعد تقتصر على ضبطه في حالة تلبس، وإنما أصبحت تتطلب القدرة على تتبع الشبكات التي تقف وراء عمليات التهريب والتوزيع، وتحديد مصادر التمويل ومسالك الإمداد والوسطاء والمستفيدين.
وتبرز الأرقام التي قدمتها وزارة الداخلية حجم التحدي. فقد ارتفع عدد قضايا المخدرات، وفق المعطيات التي نقلتها وكالة تونس إفريقيا للأنباء عن رئيس مصلحة مكافحة المخدرات، من أكثر من 5 آلاف قضية سنة 2020 إلى أكثر من 15 ألف قضية سنة 2025، في حين ارتفع عدد الموقوفين من مروجين ومهربين ومستهلكين من نحو 10 آلاف إلى أكثر من 27 ألفا خلال الفترة نفسها.
كما شهدت ظاهرة الأقراص المخدرة تطورا ملحوظا في وقت أصبحت فيه بعض المواد الدوائية، عند إساءة استعمالها، جزءا من سوق غير مشروعة تستهدف خصوصا الفئات الشابة.
ومن أبرز العمليات التي كشفت حجم هذا الخطر حجز نحو 12 مليون قرص من مادة بريغابالين في ميناء رادس خلال سبتمبر 2025، في عملية وصفت بأنها الأكبر من نوعها في تاريخ البلاد، وكانت الشحنة، وفق المعطيات التي أوردتها وكالة تونس إفريقيا للأنباء، تستهدف الترويج في الوسط المدرسي.
ولا يتعلق الخطر بالمجال الأمني فحسب، إذ إن استهداف الأطفال والمراهقين والشباب يجعل مكافحة المخدرات قضية اجتماعية وتربوية وصحية بامتياز.
ولهذا تتجه المقترحات المطروحة إلى تشديد العقوبات عندما ترتكب جرائم المخدرات في محيط المؤسسات التربوية والرياضية والثقافية وغيرها، باعتبار أن استهداف هذه الفضاءات لا يعني مجرد ترويج مادة ممنوعة، وإنما محاولة لضرب الفئات الأكثر هشاشة والتأثير في مستقبلها. وقد تضمنت مقترحات سابقة لتنقيح القانون أحكاما في هذا الاتجاه.
كما أن مكافحة الظاهرة لا يمكن أن تقوم على المقاربة الأمنية وحدها، إذ أكدت وزارة الداخلية، خلال جلسات الاستماع البرلمانية، أهمية الجمع بين مكافحة العرض وخفض الطلب، من خلال التوعية والوقاية والعلاج، بمشاركة الأسرة والمؤسسات التربوية ووسائل الإعلام ومختلف هياكل المجتمع.
وتبدو المراجعة الحالية مختلفة في طبيعتها عن مجرد تعديل فصل أو تشديد عقوبة. فقد أوضحت وزارة الداخلية، خلال الاستماع إليها من قبل لجنة التشريع العام في جوان 2026، أن لجنة تضم ممثلين عن مختلف الوزارات والهياكل المعنية تعمل على إعداد نص قانوني يهدف إلى مراجعة شاملة للقانون عدد 52 لسنة 1992، بالاعتماد على معطيات ودراسات علمية، وبما يراعي خصوصيات المجتمع التونسي وينسجم مع بقية التشريعات الوطنية والاتفاقيات الدولية التي صادقت عليها تونس.
كما سبق للجنة التشريع العام أن استمعت خلال العام الحالي إلى خبراء في القانون الجزائي وإلى ممثلات عن الجمعية التونسية لطب الإدمان في إطار دراسة مقترح تنقيح قانون المخدرات، وهو ما يعكس اتجاها نحو إشراك المقاربات القانونية والطبية في صياغة الإطار الجديد.
ويعني ذلك أن القانون المنتظر لا يفترض أن ينظر إلى المخدرات باعتبارها مسألة عقابية فقط، وإنما باعتبارها ظاهرة متعددة الأبعاد، تجمع بين الجريمة المنظمة والصحة العامة والوقاية الاجتماعية وحماية الأسرة والمؤسسات التربوية.
ويفرض الموقع الجغرافي لتونس، في قلب المتوسط وقربها من مسارات العبور بين شمال إفريقيا وأوروبا، تعزيز التعاون مع الدول المجاورة والشركاء الدوليين، خصوصا في مجال تبادل المعلومات والتحقيقات المشتركة وملاحقة الشبكات العابرة للحدود.
وفي هذا الإطار، أكدت وزارة الداخلية أهمية التعاون الدولي في مكافحة شبكات التهريب، لا سيما من خلال تبادل المعلومات وإجراء التحقيقات المشتركة، في إطار الاتفاقيات الثنائية والدولية.
فالمخدرات لم تعد جريمة محلية يمكن التعامل معها داخل الحدود الوطنية فقط، بل أصبحت جزءا من اقتصاد إجرامي عابر للبلدان، يستفيد من تطور وسائل النقل والاتصال والتكنولوجيا والقدرة على تحويل الأموال وإخفاء العائدات.
ونحن على اعتاب ” خريف متطرف مناخيا ” : ماذا اعددنا للتقلبات المناخية القادمة ؟
ودع التونسيون صيفا قاسيا بكل المقايسس فقد أعلنت فيه التغييرات المناخية عن نفسها بكل وضوح و…










