2026-03-28

المعهد العربي لرؤساء المؤسسات: التحكم في التضخم والانضباط المالي ضروريان لتجاوز أزمة ارتفاع أسعار النفط

الصحافة‭ ‬اليوم‭: ‬شكري‭ ‬بن‭ ‬منصور

حذر‭ ‬المعهد‭ ‬العربي‭ ‬لرؤساء‭ ‬المؤسسات‭ ‬من‭ ‬تواصل‭ ‬ارتفاع‭ ‬أسعار‭ ‬النفط‭ ‬في‭ ‬الأسواق‭ ‬العالمية‭ ‬وتأثيره‭ ‬على‭ ‬الاقتصاد‭ ‬التونسي‭ .‬

وأكد‭ ‬في‭ ‬تقرير‭ ‬نشر‭ ‬مؤخرا‭ ‬أن‭ ‬احتمال‭ ‬بقاء‭ ‬سعر‭ ‬برميل‭ ‬النفط‭ ‬فوق‭ ‬100‭ ‬دولار‭ ‬لفترة‭ ‬طويلة‭ ‬يشكل‭ ‬عاملا‭ ‬رئيسيا‭ ‬لزعزعة‭ ‬الاستقرار‭ ‬نظرا‭ ‬لأن‭ ‬قانون‭ ‬المالية‭ ‬لعام‭ ‬2026‭ ‬يستند‭ ‬إلى‭ ‬افتراض‭ ‬سعر‭ ‬63.30‭ ‬دولار‭ ‬للبرميل‭ ‬معتبرا‭  ‬أن‭ ‬كل‭ ‬دولار‭ ‬إضافي‭ ‬يزيد‭ ‬تلقائيا‭ ‬من‭ ‬تكلفة‭ ‬دعم‭ ‬الطاقة‭ ‬مما‭ ‬يضيق‭ ‬الخناق‭ ‬على‭ ‬هوامش‭ ‬الميزانية‭ ‬المحدودة‭ ‬أصلا‭.‬وأوضح‭ ‬أن‭ ‬هذا‭ ‬الضعف‭ ‬يتفاقم‭ ‬بسبب‭ ‬عجز‭ ‬هيكلي‭ ‬في‭ ‬الطاقة‭ ‬يتجاوز‭ ‬6%‭ ‬من‭ ‬الناتج‭ ‬المحلي‭ ‬الإجمالي‭ ‬والاعتماد‭ ‬على‭ ‬الواردات‭ ‬التي‭ ‬تغطي‭ ‬نحو‭ ‬65%‭ ‬من‭ ‬الاحتياجات‭ ‬الوطنية‭.‬

وضمن‭ ‬هذا‭ ‬السياق‭ ‬يحذر‭ ‬التقرير‭ ‬الصادر‭ ‬عن‭ ‬المعهد‭ ‬من‭ ‬التداعيات‭ ‬المحتملة‭ ‬على‭ ‬تونس‭ ‬محددا‭ ‬قنوات‭ ‬النقل‭ ‬الحرجة‭ ‬ومقترحا‭ ‬إطارا‭ ‬تحليليا‭ ‬قائما‭ ‬على‭ ‬ثلاثة‭ ‬سيناريوهات‭ ‬تشمل‭ ‬جميع‭ ‬موازنات‭ ‬الاقتصاد‭ ‬الكلي‭.‬

وإلى‭ ‬جانب‭ ‬الطاقة‭ ‬يبرز‭ ‬ميزان‭ ‬المدفوعات‭ ‬كنقطة‭ ‬ضعف‭ ‬رئيسية‭. ‬فمع‭ ‬مرور‭ ‬نحو‭ ‬98%‭ ‬من‭ ‬التجارة‭ ‬عبر‭ ‬البحر‭ ‬يؤدي‭ ‬أي‭ ‬خلل‭ ‬في‭ ‬الطرق‭ ‬الاستراتيجية‭ ‬لا‭ ‬سيما‭ ‬في‭ ‬الخليج‭ ‬العربي‭ ‬إلى‭ ‬ارتفاع‭ ‬تكاليف‭ ‬الخدمات‭ ‬اللوجستية‭ ‬وتفاقم‭ ‬العجز‭ ‬التجاري‭. ‬وفي‭ ‬بيئة‭ ‬دولية‭ ‬تتسم‭ ‬بتقييد‭ ‬الوصول‭ ‬إلى‭ ‬التمويل‭ ‬الخارجي‭ ‬يمارس‭ ‬هذا‭ ‬الوضع‭ ‬المستجد‭ ‬ضغطا‭ ‬مباشرا‭ ‬على‭ ‬احتياطيات‭ ‬النقد‭ ‬الأجنبي‭ ‬ويزيد‭ ‬من‭ ‬خطر‭ ‬انخفاض‭ ‬قيمة‭ ‬الدينار‭.‬

كما‭ ‬يشكل‭ ‬التضخم‭ ‬قناة‭ ‬انتقال‭ ‬حاسمة‭ ‬أخرى‭ ‬وهو‭ ‬تضخم‭ ‬مستورد‭ ‬في‭ ‬المقام‭ ‬الأول‭ ‬ويتفاقم‭ ‬بفعل‭ ‬ارتفاع‭ ‬تكلفة‭ ‬المدخلات‭ ‬الصناعية‭ ‬والمنتجات‭ ‬الزراعية‭ ‬والنقل‭. ‬ويتجاوز‭ ‬هذا‭ ‬التضخم‭ ‬النطاق‭ ‬الاقتصادي‭ ‬ليصبح‭ ‬قضية‭ ‬اجتماعية‭ ‬وسياسية،‭ ‬مع‭ ‬خطر‭ ‬زيادة‭ ‬اللجوء‭ ‬إلى‭ ‬استخدام‭ ‬التمويل‭ ‬النقدي‭.‬

وبيّن‭ ‬التقرير‭ ‬أن‭ ‬اعتماد‭ ‬تونس‭ ‬على‭ ‬المناخ‭ ‬الاقتصادي‭ ‬الأوروبي‭ ‬يفاقم‭ ‬من‭ ‬حدة‭ ‬الصدمات‭ ‬الاقتصادية‭ ‬اذ‭ ‬سيؤثر‭ ‬تباطؤ‭ ‬النمو‭ ‬في‭ ‬منطقة‭ ‬اليورو‭ ‬بشكل‭ ‬مباشر‭ ‬على‭ ‬الصادرات‭ ‬الصناعية‭ ‬خصوصا‭ ‬في‭ ‬قطاعات‭ ‬النسيج‭ ‬والميكانيك‭ ‬والكهرباء‭. ‬وفي‭ ‬الوقت‭ ‬نفسه‭ ‬ستشهد‭ ‬قطاعات‭ ‬مثل‭ ‬الزراعة،‭ ‬التي‭ ‬تعتمد‭ ‬بشكل‭ ‬كبير‭ ‬على‭ ‬الأسمدة‭ ‬المستوردة،‭ ‬والنقل‭ ‬الجوي‭ ‬ارتفاعا‭ ‬ملحوظا‭ ‬في‭ ‬تكاليف‭ ‬الإنتاج‭.‬

وتعد‭ ‬المؤسسات‭ ‬العمومية‭ ‬وخاصة‭ ‬في‭ ‬قطاعي‭ ‬الطاقة‭ ‬والنقل‭ ‬في‭ ‬طليعة‭ ‬المتضررين‭ ‬إذ‭ ‬يفاقم‭ ‬ارتفاع‭ ‬تكاليف‭ ‬التشغيل‭ ‬من‭ ‬اختلالاتها‭ ‬المالية‭ ‬ويزيد‭ ‬من‭ ‬اعتمادها‭ ‬على‭ ‬الدعم‭ ‬المالي‭ ‬الحكومي‭. ‬وفي‭ ‬الوقت‭ ‬نفسه‭ ‬قد‭ ‬تؤدي‭ ‬شروط‭ ‬التمويل‭ ‬الأكثر‭ ‬صرامة‭ ‬في‭ ‬الأسواق‭ ‬الدولية‭ ‬إلى‭ ‬زيادة‭ ‬تكلفة‭ ‬الدين‭ ‬السيادي‭.‬

ويحدد‭ ‬التقرير‭ ‬ثلاثة‭ ‬سيناريوهات‭ ‬محتملة‭ ‬اذ‭  ‬يتوقع‭ ‬السيناريو‭ ‬الأول‭ ‬تصعيدا‭ ‬إقليميا‭ ‬مطولا‭ ‬يعطل‭ ‬تدفقات‭ ‬الطاقة‭. ‬أما‭ ‬السيناريو‭ ‬الثاني‭ ‬وهو‭ ‬الأكثر‭ ‬تطرفا‭ ‬فيستند‭ ‬إلى‭ ‬إغلاق‭ ‬مضيق‭ ‬هرمز‭ ‬مما‭ ‬يؤدي‭ ‬إلى‭ ‬صدمة‭ ‬نفطية‭ ‬كبيرة‭. ‬فيما‭ ‬يعتمد‭ ‬السيناريو‭ ‬الثالث‭ ‬على‭ ‬خفض‭ ‬تدريجي‭ ‬للتصعيد‭ ‬واستقرار‭ ‬السوق‭. ‬وفي‭ ‬كل‭ ‬حالة‭ ‬من‭ ‬هذه‭ ‬الحالات‭ ‬يبدو‭ ‬الاقتصاد‭ ‬التونسي‭ ‬شديد‭ ‬التأثر،‭ ‬مع‭ ‬تأثيرات‭ ‬متفاوتة‭ ‬ولكنها‭ ‬ذات‭ ‬دلالة‭ ‬كبيرة‭ ‬على‭ ‬المالية‭ ‬العامة،‭ ‬والميزان‭ ‬الخارجي،‭ ‬والنمو‭.. ‬وفي‭ ‬مواجهة‭ ‬هذه‭ ‬المخاطر،‭ ‬يتمثل‭ ‬الرد‭ ‬الفوري‭ ‬في‭ ‬تخفيف‭ ‬الصدمة‭ ‬حيث‭ ‬يعد‭ ‬بناء‭ ‬الاحتياطيات‭ ‬الاستراتيجية‭ ‬وتوجيه‭ ‬الدعم،‭ ‬ودعم‭ ‬القطاعات‭ ‬الأكثر‭ ‬ضعفا‭ ‬وإدارة‭ ‬توقعات‭ ‬التضخم‭ ‬بصرامة‭ ‬من‭ ‬الأولويات‭ ‬الأساسية‭. ‬ويصبح‭ ‬الانضباط‭ ‬المالي‭ ‬والحكمة‭ ‬النقدية‭ ‬حاسمين‭ ‬للحفاظ‭ ‬على‭ ‬استقرار‭ ‬الاقتصاد‭ ‬الكلي‭. ‬لكن‭ ‬يتجاوز‭ ‬التحدي‭ ‬الأزمة‭ ‬المباشرة،‭ ‬فهو‭ ‬تحد‭ ‬هيكلي‭. ‬ويُعدّ‭ ‬تقليل‭ ‬الاعتماد‭ ‬على‭ ‬مصادر‭ ‬الطاقة‭ ‬المختلفة‭ ‬محوراً‭ ‬استراتيجياً‭ ‬رئيسياً‭. ‬ويشمل‭ ‬هذا‭ ‬النهج‭ ‬تسريع‭ ‬التحول‭ ‬في‭ ‬قطاع‭ ‬الطاقة،‭ ‬وتأمين‭ ‬الإمدادات‭ ‬الزراعية،‭ ‬وتنويع‭ ‬الشركاء‭ ‬التجاريين‭ ‬وتعبئة‭ ‬مصادر‭ ‬تمويل‭ ‬جديدة،‭ ‬لا‭ ‬سيما‭ ‬من‭ ‬المغتربين‭ ‬والمؤسسات‭ ‬الدولية‭.‬

وبشكل‭ ‬ضمني‭ ‬كشفت‭ ‬الأزمة‭ ‬عن‭ ‬مواطن‭ ‬الضعف‭ ‬العميقة‭ ‬في‭ ‬الاقتصاد‭ ‬التونسي‭: ‬الاعتماد‭ ‬على‭ ‬الطاقة،‭ ‬والاختلالات‭ ‬المستمرة‭ ‬في‭ ‬الموازنة،‭ ‬وضعف‭ ‬التنويع‭ ‬الإنتاجي‭. ‬وفي‭ ‬الوقت‭ ‬نفسه،‭ ‬تُتيح‭ ‬الأزمة‭ ‬فرصة‭ ‬لإعادة‭ ‬صياغة‭ ‬الاستراتيجية‭ ‬ولم‭ ‬يعد‭ ‬الأمر‭ ‬مجرد‭ ‬استجابة‭ ‬قصيرة‭ ‬الأجل‭ ‬بل‭ ‬بات‭ ‬من‭ ‬الضروري‭ ‬الآن‭ ‬تحويل‭ ‬النموذج‭ ‬الاقتصادي‭ ‬بهدف‭ ‬تعزيزه‭ ‬بشكل‭ ‬مستدام‭  ‬القدرة‭ ‬على‭ ‬الصمود‭ ‬أمام‭ ‬الصدمات‭ ‬الخارجية‭.‬

‫شاهد أيضًا‬

موفرا سيولة هامة للبنوك والاستثمار الادخار المالي في تونس يسجل مستوى قياسيا جديدا

بلغت‭ ‬قيمة‭ ‬المدخرات‭ ‬المالية‭ ‬في‭ ‬الثلاثي‭ ‬الأول‭ ‬من‭ ‬العام‭ ‬الحالي‭ ‬9964.3‭ ‬م…