2026-03-29

ارتفعت أسعارها وتقلّص عرضها: اضطراب في توزيع وتوفير اللحوم البيضاء

الصحافة‭ ‬اليوم‭ :‬مصباح‭ ‬الجدي‭ ‬

تشهد‭ ‬سوق‭ ‬اللحوم‭ ‬البيضاء‭ ‬في‭ ‬تونس‭ ‬خلال‭ ‬الأسابيع‭ ‬الأخيرة‭ ‬حالة‭ ‬من‭ ‬الاضطراب‭ ‬الملحوظ،‭ ‬تجسّدت‭ ‬أساسًا‭ ‬في‭ ‬ارتفاع‭ ‬الأسعار‭ ‬بشكل‭ ‬لافت‭ ‬مقابل‭ ‬تراجع‭ ‬واضح‭ ‬في‭ ‬الكميات‭ ‬المعروضة‭. ‬هذا‭ ‬الوضع‭ ‬أثار‭ ‬استياء‭ ‬المستهلكين،‭ ‬خاصة‭ ‬وأن‭ ‬الدواجن‭ ‬تُعدّ‭ ‬الخيار‭ ‬الأكثر‭ ‬إقبالًا‭ ‬لدى‭ ‬التونسيين‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬الغلاء‭ ‬المتواصل‭ ‬للحوم‭ ‬الحمراء‭ ‬والأسماك‭.‬

ولطالما‭ ‬شكّلت‭ ‬اللحوم‭ ‬البيضاء‭ ‬ملاذًا‭ ‬للطبقات‭ ‬المتوسطة‭ ‬ومحدودة‭ ‬الدخل،‭ ‬نظرًا‭ ‬لأسعارها‭ ‬التي‭ ‬كانت‭ ‬تُعتبر‭ ‬في‭ ‬المتناول‭ ‬مقارنة‭ ‬ببقية‭ ‬مصادر‭ ‬البروتين‭ ‬الحيواني‭. ‬غير‭ ‬أن‭ ‬هذا‭ ‬التوازن‭ ‬بدأ‭ ‬يختلّ‭ ‬تدريجيًا،‭ ‬مع‭ ‬تسجيل‭ ‬زيادات‭ ‬متتالية‭ ‬جعلت‭ ‬هذا‭ ‬المنتوج‭ ‬يفقد‭ ‬جزءًا‭ ‬من‭ ‬طابعه‭ ‬االشعبيب،‭ ‬ويطرح‭ ‬تساؤلات‭ ‬جدية‭ ‬حول‭ ‬مستقبل‭ ‬القطاع‭.‬

مصادر‭ ‬مهنية‭ ‬من‭ ‬داخل‭ ‬قطاع‭ ‬الدواجن‭ ‬تُرجع‭ ‬هذا‭ ‬الاضطراب‭ ‬إلى‭ ‬جملة‭ ‬من‭ ‬العوامل‭ ‬المتداخلة،‭ ‬أبرزها‭ ‬انتشار‭ ‬الأمراض‭ ‬في‭ ‬صفوف‭ ‬القطيع،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬أدى‭ ‬إلى‭ ‬خسائر‭ ‬مباشرة‭ ‬لدى‭ ‬المربين‭ ‬وانخفاض‭ ‬الإنتاج‭. ‬ويؤكد‭ ‬هؤلاء‭ ‬أن‭ ‬نقص‭ ‬التلاقيح‭ ‬الضرورية‭ ‬في‭ ‬الفترات‭ ‬الماضية‭ ‬ساهم‭ ‬في‭ ‬إضعاف‭ ‬مناعة‭ ‬الدواجن،‭ ‬مما‭ ‬سهّل‭ ‬انتشار‭ ‬الأوبئة‭ ‬وأثّر‭ ‬بشكل‭ ‬كبير‭ ‬على‭ ‬مردودية‭ ‬القطاع‭.‬

ولا‭ ‬تقف‭ ‬الأسباب‭ ‬عند‭ ‬هذا‭ ‬الحد،‭ ‬إذ‭ ‬تشير‭ ‬نفس‭ ‬المصادر‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬التهريب‭ ‬العشوائي‭ ‬للصيصان‭ ‬من‭ ‬بعض‭ ‬الدول‭ ‬المجاورة‭ ‬ساهم‭ ‬بدوره‭ ‬في‭ ‬تعقيد‭ ‬الوضع‭ ‬الصحي‭ ‬للقطيع‭. ‬فغياب‭ ‬الرقابة‭ ‬الصارمة‭ ‬على‭ ‬هذه‭ ‬العمليات‭ ‬فتح‭ ‬المجال‭ ‬لدخول‭ ‬سلالات‭ ‬غير‭ ‬مراقبة،‭ ‬قد‭ ‬تكون‭ ‬حاملة‭ ‬لأمراض،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬ساهم‭ ‬في‭ ‬تفاقم‭ ‬الأزمة‭ ‬الحالية‭. ‬ويطرح‭ ‬هذا‭ ‬المعطى‭ ‬مسألة‭ ‬حوكمة‭ ‬القطاع‭ ‬وضرورة‭ ‬تشديد‭ ‬المراقبة‭ ‬البيطرية‭ ‬على‭ ‬مختلف‭ ‬حلقات‭ ‬الإنتاج‭.‬

انعكاسات‭ ‬هذه‭ ‬الأزمة‭ ‬لم‭ ‬تقتصر‭ ‬على‭ ‬المنتجين‭ ‬فحسب،‭ ‬بل‭ ‬امتدت‭ ‬إلى‭ ‬المستهلك‭ ‬الذي‭ ‬وجد‭ ‬نفسه‭ ‬أمام‭ ‬أسعار‭ ‬متصاعدة‭ ‬وقدرة‭ ‬شرائية‭ ‬متراجعة‭. ‬فبعد‭ ‬أن‭ ‬كانت‭ ‬اللحوم‭ ‬البيضاء‭ ‬البديل‭ ‬الأوفر‭ ‬حظًا‭ ‬أمام‭ ‬غلاء‭ ‬اللحوم‭ ‬الحمراء‭ ‬وارتفـاع‭ ‬أسـعار‭ ‬الأسمــاك،‭ ‬أصبحت‭ ‬بدورها‭ ‬عبءا‭ ‬إضافيًا‭ ‬على‭ ‬ميزانية‭ ‬العائلة‭ ‬التونسية،‭ ‬خاصة‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬ثبات‭ ‬الأجور‭ ‬نسبيًا‭.‬

ويرى‭ ‬مختصون‭ ‬أن‭ ‬معالجة‭ ‬هذا‭ ‬الوضع‭ ‬تتطلب‭ ‬تدخلًا‭ ‬عاجلًا‭ ‬من‭ ‬مختلف‭ ‬الأطراف،‭ ‬سواء‭ ‬عبر‭ ‬توفير‭ ‬التلاقيح‭ ‬الضرورية‭ ‬في‭ ‬الوقت‭ ‬المناسب،‭ ‬أو‭ ‬عبر‭ ‬تنظيم‭ ‬مسالك‭ ‬التوزيع‭ ‬والتصدي‭ ‬لظاهرة‭ ‬التهريب‭. ‬كما‭ ‬يبرز‭ ‬دور‭ ‬الدولة‭ ‬في‭ ‬دعم‭ ‬المربين‭ ‬الصغار‭ ‬الذين‭ ‬يشكّلون‭ ‬حلقة‭ ‬أساسية‭ ‬في‭ ‬منظومة‭ ‬الإنتاج،‭ ‬وضمان‭ ‬استمرارية‭ ‬نشاطهم‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬ارتفاع‭ ‬كلفة‭ ‬الأعلاف‭ ‬والطاقة‭.‬

من‭ ‬جهة‭ ‬أخرى‭ ‬يحذّر‭ ‬مهنيون‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬تواصل‭ ‬هذا‭ ‬النسق‭ ‬قد‭ ‬يؤدي‭ ‬إلى‭ ‬مزيد‭ ‬من‭ ‬الانكماش‭ ‬في‭ ‬الإنتاج،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬سينعكس‭ ‬حتمًا‭ ‬على‭ ‬الأسعار‭ ‬والتزويد‭ ‬خلال‭ ‬الفترة‭ ‬القادمة‭. ‬لذلك،‭ ‬تبدو‭ ‬الحاجة‭ ‬ملحّة‭ ‬لوضع‭ ‬استراتيجية‭ ‬واضحة‭ ‬لإعادة‭ ‬التوازن‭ ‬إلى‭ ‬القطاع،‭ ‬تقوم‭ ‬على‭ ‬الوقاية‭ ‬الصحية،‭ ‬وتحسين‭ ‬الإنتاجية،‭ ‬وتعزيز‭ ‬الرقابة‭.‬

كما‭ ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬أزمة‭ ‬اللحوم‭ ‬البيضاء‭ ‬ظرفية‭ ‬أو‭ ‬معزولة،‭ ‬بل‭ ‬أصبحت‭ ‬مؤشّرًا‭ ‬على‭ ‬هشاشة‭ ‬منظومة‭ ‬إنتاجية‭ ‬تحتاج‭ ‬إلى‭ ‬إصلاحات‭ ‬عميقة‭.‬

‫شاهد أيضًا‬

ينتظر تدشينه السنة القادمة: مشروع الطريق السيارة تونس – جلمة يتقدم بنسبة 38 %

يشهد مشروع الطريق السيارة الرابط بين تونس العاصمة وجلمة بولاية سيدي بوزيد تقدماً ملحوظاً، …