ارتفعت أسعارها وتقلّص عرضها: اضطراب في توزيع وتوفير اللحوم البيضاء
الصحافة اليوم :مصباح الجدي
تشهد سوق اللحوم البيضاء في تونس خلال الأسابيع الأخيرة حالة من الاضطراب الملحوظ، تجسّدت أساسًا في ارتفاع الأسعار بشكل لافت مقابل تراجع واضح في الكميات المعروضة. هذا الوضع أثار استياء المستهلكين، خاصة وأن الدواجن تُعدّ الخيار الأكثر إقبالًا لدى التونسيين في ظل الغلاء المتواصل للحوم الحمراء والأسماك.
ولطالما شكّلت اللحوم البيضاء ملاذًا للطبقات المتوسطة ومحدودة الدخل، نظرًا لأسعارها التي كانت تُعتبر في المتناول مقارنة ببقية مصادر البروتين الحيواني. غير أن هذا التوازن بدأ يختلّ تدريجيًا، مع تسجيل زيادات متتالية جعلت هذا المنتوج يفقد جزءًا من طابعه االشعبيب، ويطرح تساؤلات جدية حول مستقبل القطاع.
مصادر مهنية من داخل قطاع الدواجن تُرجع هذا الاضطراب إلى جملة من العوامل المتداخلة، أبرزها انتشار الأمراض في صفوف القطيع، وهو ما أدى إلى خسائر مباشرة لدى المربين وانخفاض الإنتاج. ويؤكد هؤلاء أن نقص التلاقيح الضرورية في الفترات الماضية ساهم في إضعاف مناعة الدواجن، مما سهّل انتشار الأوبئة وأثّر بشكل كبير على مردودية القطاع.
ولا تقف الأسباب عند هذا الحد، إذ تشير نفس المصادر إلى أن التهريب العشوائي للصيصان من بعض الدول المجاورة ساهم بدوره في تعقيد الوضع الصحي للقطيع. فغياب الرقابة الصارمة على هذه العمليات فتح المجال لدخول سلالات غير مراقبة، قد تكون حاملة لأمراض، وهو ما ساهم في تفاقم الأزمة الحالية. ويطرح هذا المعطى مسألة حوكمة القطاع وضرورة تشديد المراقبة البيطرية على مختلف حلقات الإنتاج.
انعكاسات هذه الأزمة لم تقتصر على المنتجين فحسب، بل امتدت إلى المستهلك الذي وجد نفسه أمام أسعار متصاعدة وقدرة شرائية متراجعة. فبعد أن كانت اللحوم البيضاء البديل الأوفر حظًا أمام غلاء اللحوم الحمراء وارتفـاع أسـعار الأسمــاك، أصبحت بدورها عبءا إضافيًا على ميزانية العائلة التونسية، خاصة في ظل ثبات الأجور نسبيًا.
ويرى مختصون أن معالجة هذا الوضع تتطلب تدخلًا عاجلًا من مختلف الأطراف، سواء عبر توفير التلاقيح الضرورية في الوقت المناسب، أو عبر تنظيم مسالك التوزيع والتصدي لظاهرة التهريب. كما يبرز دور الدولة في دعم المربين الصغار الذين يشكّلون حلقة أساسية في منظومة الإنتاج، وضمان استمرارية نشاطهم في ظل ارتفاع كلفة الأعلاف والطاقة.
من جهة أخرى يحذّر مهنيون من أن تواصل هذا النسق قد يؤدي إلى مزيد من الانكماش في الإنتاج، وهو ما سينعكس حتمًا على الأسعار والتزويد خلال الفترة القادمة. لذلك، تبدو الحاجة ملحّة لوضع استراتيجية واضحة لإعادة التوازن إلى القطاع، تقوم على الوقاية الصحية، وتحسين الإنتاجية، وتعزيز الرقابة.
كما لم تعد أزمة اللحوم البيضاء ظرفية أو معزولة، بل أصبحت مؤشّرًا على هشاشة منظومة إنتاجية تحتاج إلى إصلاحات عميقة.
ينتظر تدشينه السنة القادمة: مشروع الطريق السيارة تونس – جلمة يتقدم بنسبة 38 %
يشهد مشروع الطريق السيارة الرابط بين تونس العاصمة وجلمة بولاية سيدي بوزيد تقدماً ملحوظاً، …

