2026-04-10

ضربات على إيقاع التفاوض: ماذا يريد الكيان الصهيوني من التصعيد؟

تشير‭ ‬المجزرة‭ ‬التي‭ ‬ارتكبها‭ ‬الكيان‭ ‬الصهيوني‭ ‬ضد‭ ‬لبنان‭ ‬يوم‭ ‬الأربعاء‭ ‬إلى‭ ‬تحوّل‭ ‬لافت‭ ‬في‭ ‬طبيعة‭ ‬الصراع‭ ‬الدائر‭ ‬في‭ ‬المنطقة،‭ ‬حيث‭ ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬العمليات‭ ‬العسكرية‭ ‬مجرد‭ ‬ردود‭ ‬فعل‭ ‬موضعية،‭ ‬بل‭ ‬أصبحت‭ ‬جزءًا‭ ‬من‭ ‬سياق‭ ‬أوسع‭ ‬يحاول‭ ‬من‭ ‬خلاله‭ ‬الاحتلال‭ ‬إعادة‭ ‬صياغة‭ ‬قواعد‭ ‬اللعبة‭ ‬مع‭ ‬إيران‭ ‬وأذرعها،‭ ‬وفي‭ ‬مقدمها‭ ‬حزب‭ ‬الله‭. ‬

التوقيت‭ ‬الذي‭ ‬نفذت‭ ‬فيه‭ ‬هذه‭ ‬الضربات‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬فصله‭ ‬عن‭ ‬المناخ‭ ‬الإقليمي‭ ‬الذي‭ ‬يشهد‭ ‬محاولات‭ ‬حذرة‭ ‬لتثبيت‭ ‬نوع‭ ‬من‭ ‬التهدئة‭ ‬بين‭ ‬إيران‭ ‬وأميركا‭ ‬تسعى‭ ‬من‭ ‬خلالها‭ ‬طهران‭ ‬إلى‭ ‬تخفيف‭ ‬الضغوط‭ ‬المتراكمة‭ ‬عليها،‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬تقدم‭ ‬تنازلات‭ ‬جوهرية‭ ‬في‭ ‬ما‭ ‬يتعلق‭ ‬بنفوذها‭ ‬الإقليمي‭.‬

في‭ ‬هذا‭ ‬الإطار،‭ ‬تبدو‭ ‬الضربات‭ ‬الصهيونية‭ ‬وكأنها‭ ‬رسالة‭ ‬مزدوجة،‭ ‬فظاهريا‭ ‬يقول‭ ‬الاحتلال‭ ‬إنها‭ ‬تستهدف‭ ‬تقليص‭ ‬القدرات‭ ‬العسكرية‭ ‬لحزب‭ ‬الله‭ ‬ومنع‭ ‬تراكم‭ ‬عناصر‭ ‬القوة‭ ‬النوعية‭ ‬لديه،‭ ‬لكنها‭ ‬في‭ ‬حقيقة‭ ‬الأمر‭ ‬تحمل‭ ‬بُعدًا‭ ‬سياسيًا‭ ‬يتجاوز‭ ‬الساحة‭ ‬اللبنانية،‭ ‬ليصل‭ ‬إلى‭ ‬قلب‭ ‬التفاهمات‭ ‬غير‭ ‬المباشرة‭ ‬بين‭ ‬إيران‭ ‬وأميركا‭. ‬

يدرك‭ ‬الكيان‭ ‬أن‭ ‬أي‭ ‬هدنة‭ ‬أو‭ ‬تخفيف‭ ‬للتوتر‭ ‬مع‭ ‬إيران‭ ‬قد‭ ‬ينهي‭ ‬رغبتها‭ ‬الكبيرة‭ ‬في‭ ‬القضاء‭ ‬على‭ ‬نفوذ‭ ‬إيران‭ ‬في‭ ‬المنطقة‭ ‬والاستفراد‭ ‬بها‭ ‬لتنفيذ‭ ‬مخططاتها‭ ‬التي‭ ‬تخفي‭ ‬تفاصيلها‭ ‬منذ‭ ‬أعلنت‭ ‬الحرب‭ ‬على‭ ‬غزة‭ ‬وهي‭ ‬لذلك‭ ‬تسعى‭ ‬لافشال‭ ‬أي‭ ‬محاولة‭ ‬للتفاهم‭ ‬عبر‭ ‬الحديث‭ ‬عن‭ ‬فصل‭ ‬الجبهات‭ ‬في‭ ‬حين‭ ‬أن‭ ‬هدفها‭ ‬هو‭ ‬احراج‭ ‬طهران‭ ‬أمام‭ ‬الجماعات‭ ‬المناصرة‭ ‬لها‭ ‬ودفعها‭ ‬للعودة‭ ‬بقوة‭ ‬إلى‭ ‬القتال‭.‬

في‭ ‬المقابل،‭ ‬تجد‭ ‬إيران‭ ‬نفسها‭ ‬أمام‭ ‬اختبار‭ ‬دقيق‭. ‬فهي‭ ‬من‭ ‬جهة‭ ‬معنية‭ ‬بالحفاظ‭ ‬على‭ ‬مناخ‭ ‬التهدئة‭ ‬الذي‭ ‬يتيح‭ ‬لها‭ ‬التقاط‭ ‬الأنفاس‭ ‬لكنها‭ ‬من‭ ‬جهة‭ ‬أخرى‭ ‬لا‭ ‬تستطيع‭ ‬الظهور‭ ‬بمظهر‭ ‬العاجز‭ ‬عن‭ ‬حماية‭ ‬حلفائها‭ ‬أو‭ ‬الرد‭ ‬على‭ ‬الضربات‭ ‬التي‭ ‬تستهدفهم‭. ‬ومن‭ ‬هنا،‭ ‬قد‭ ‬تميل‭ ‬طهران‭ ‬إلى‭ ‬اعتماد‭ ‬سياسة‭ ‬الرد‭ ‬المحسوب،‭ ‬التي‭ ‬تحافظ‭ ‬على‭ ‬قدر‭ ‬من‭ ‬التوازن‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬الانزلاق‭ ‬إلى‭ ‬مواجهة‭ ‬مفتوحة‭ ‬قد‭ ‬تخرج‭ ‬عن‭ ‬السيطرة،‭ ‬وبناء‭ ‬على‭ ‬ذلك‭ ‬فإن‭ ‬كل‭ ‬ضربة‭ ‬صهيونية‭ ‬جديدة‭ ‬ضد‭ ‬لبنان‭ ‬تعد‭ ‬اختبارًا‭ ‬لمدى‭ ‬قدرة‭ ‬إيران‭ ‬على‭ ‬ضبط‭ ‬إيقاع‭ ‬حلفائها،‭ ‬وفي‭ ‬الوقت‭ ‬نفسه‭ ‬الحفاظ‭ ‬على‭ ‬مصداقية‭ ‬ردعها‭.‬

أما‭ ‬لبنان،‭ ‬فيبقى‭ ‬الحلقة‭ ‬الأضعف‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬المعادلة‭ ‬المعقدة،‭ ‬إذ‭ ‬يجد‭ ‬نفسه‭ ‬مرة‭ ‬أخرى‭ ‬ساحة‭ ‬لتبادل‭ ‬الرسائل‭ ‬الإقليمية،‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬أوضاع‭ ‬داخلية‭ ‬هشة‭ ‬وأزمة‭ ‬اقتصادية‭ ‬عميقة‭ ‬تحدّ‭ ‬من‭ ‬قدرته‭ ‬على‭ ‬تحمل‭ ‬كلفة‭ ‬أي‭ ‬تصعيد‭ ‬واسع‭. ‬ومع‭ ‬غياب‭ ‬قرار‭ ‬وطني‭ ‬جامع‭ ‬بشأن‭ ‬إدارة‭ ‬الصراع،‭ ‬وتداخل‭ ‬الأجندات‭ ‬الإقليمية‭ ‬على‭ ‬أرضه،‭ ‬يظل‭ ‬لبنان‭ ‬في‭ ‬مواجهة‭ ‬مصيره‭ ‬لوحده‭.‬

في‭ ‬المحصلة،‭ ‬لا‭ ‬تبدو‭ ‬الضربات‭ ‬الأخيرة‭ ‬مجرد‭ ‬حدث‭ ‬يومي‭ ‬اعتاده‭ ‬اللبنانيون‭ ‬بل‭ ‬هي‭ ‬جزء‭ ‬من‭ ‬استراتيجية‭ ‬يضعها‭ ‬الاحتلال‭ ‬بمباركة‭ ‬من‭ ‬أميركا‭ ‬ربما‭ ‬عنوانها‭ ‬إدارة‭ ‬الصراع‭ ‬تحت‭ ‬سقف‭ ‬مرتفع‭ ‬من‭ ‬التوتر‭.‬

‫شاهد أيضًا‬

الحرب‭ ‬في‭ ‬المنطقة ترامب‭ ‬وإيران‭ ‬يراهنان‭ ‬على‭ ‬عامل‭ ‬الوقت

لا‭ ‬أحد‭ ‬مستعجل‭ ‬لانهاء‭ ‬الحرب‭ ‬في‭ ‬المنطقة‭ ‬هذا‭ ‬ما‭ ‬تؤكده‭ ‬التطورات‭ ‬الأخيرة‭…