ضمان الأمن المائي: من أولويات السّياسة الوطنية …
تبرز الجهود الوطنية لمواجهة التحديات المائية أهمية البحث العلمي كرافعة أساسية للتصرف الفعال في الموارد المائية بما هو متاح لدينا من كفاءات ومخابر متقدمة ويظل التحدي كامنا في انتقال النتائج من المخابر إلى الميدان خاصة في ما يتعلق بمراقبة جودة المياه وتثمين المياه المعالجة واستخدام الطرق المقتصدة في الفلاحة.
وفي ذلك دعوة إلى بناء تصوّر يربط بين البحث العلمي والعمل الميداني لمواجهة التغيرات المناخية وضمان استدامة الموارد للأجيال القادمة وهو ما يعكس جوهر السياسة الوطنية التي تتبناها الدولة لتعزيز الأمن المائي، والتي تجد ترجمتها العملية في الاستراتيجية الوطنية لقطاع المياه في أفق 2050 وفي الشراكات الدولية التي تدعم تنفيذها.
معلوم ان مجلس الإدارة التنفيذية للبنك الدولي قد وافق على تمويل مشروعين بقيمة إجمالية قدرها 332.5 مليون دولار أمريكي حيث يشكل هذان المشروعان المرحلة الأولى من «برنامج تونس للأمن المائي والقدرة على الصمود» الذي يمتد على 10 سنوات بتمويل إجمالي متوقع يبلغ 700 مليون دولار ويمثل هذا الدعم خطوة نوعية تدعم السياسة الوطنية لسد الفجوة بين العرض والطلب على المياه كما تعكس التكامل بين الجهود الداخلية المتمثلة في البحث والابتكار الذي ناقشته الدورة من جهة والتمويل الدولي الذي يدعم التنفيذ الميداني من جهة أخرى.
ومعلوم أيضا أن بلادنا تواجه تحدّيا مائيا حادّا في ظل ندرة الموارد الطبيعية وتسارع التغيرات المناخية إذ يُعدّ الأمن المائي ركيزة أساسية وشرطا ضروريا ضامنا للأمن الغذائي والتنمية الاقتصادية والاستقرار الاجتماعي فالناتج المحلي الإجمالي يُنتج معظمه في مناطق تعاني من إجهاد مائي عالٍ أو مرتفع جدا ويستأثر القطاع الزراعي بالقسط الأكبر من الموارد المائية المتاحة.
وفي هذا السياق، تتنزل الاستراتيجية الوطنية لقطاع المياه في أفق 2050 التي أعدتها وزارة الفلاحة وتتضمن المخططات العملية للفترة 2026-2030 أكثر من 43 مشروعاً و1200 إجراء، تركز على تعزيز البنية التحتية التقليدية من خلال بناء سدود جديدة وتحسين إدارة المياه السطحية والجوفية وتنويع المصادر غير التقليدية عبر تطوير تحلية مياه البحر وإعادة استخدام المياه المعالجة في الزراعة والصناعة بالإضافة إلى تحسين الكفاءة من خلال برامج اقتصاد المياه ونشر تقنيات الري الحديثة والذكية وهو إجراء يشكل الأساس القانوني لهذه السياسة المتكاملة حيث يندرج ضمن ما ينصّ عليه الفصل 48 من الدستور المتعلق بالحق في الحصول على الماء الصالح للشرب للجميع على قدم المساواة وعلى الدولة الالتزام بالمحافظة على الثروة المائية للأجيال المقبلة.
ويأتي دعم البنك الدولي ليترجم هذه الرؤية الوطنية إلى واقع ميداني فمشروع تعزيز أمن مياه الري والقدرة على الصمود وإضافة القيمة الممول بـ124 مليون دولار يهدف بالأساس إلى تحسين جودة خدمات مياه الري وتعزيز أداء مشغلي الري وزيادة إنتاجية المحاصيل في ولايات جندوبة وباجة وبنزرت وسليانة ويشمل ذلك إعادة تأهيل البنية التحتية الريفية ونشر تقنيات الري الذكية ودعم الفلاحين في تبني ممارسات زراعية مقاومة للجفاف مما سيؤدي إلى استفادة مباشرة ودعم كبير وهام لفلاّحي الجهة مع إحداث عدة مواطن شغل أخرى سواء كانت دائمة أو ظرفية .
أما مشروع تعزيز أمن المياه الصالحة للشرب والقدرة على الصمود فيستهدف هو الآخر تحسين جودة خدمات المياه الصالحة للشرب وتعزيز أداء الشركة الوطنية لاستغلال وتوزيع المياه ويشمل توسيع محطة تحلية الزارات بقابس من 50 ألفا إلى 100 ألف متر مكعب يوميا وإعادة تأهيل الشبكات في صفاقس وتوزر وقبلي ليستفيد بذلك منه الأهالي في تلك الربوع بالإضافة طبعا إلى خلق العديد من مواطن الشغل علاوة على ذلك التحسّن المؤكد في جودة المياه.
ورغم هذه الجهود الكبيرة والهامة، يظل قطاع المياه يواجه تحدّيات هيكلية على غرار استنزاف الموائد الجوفية وارتفاع وتزايد الحاجة والطلب خاصة في مجال الزراعة لذا تظل الشراكات الدولية، مثل هذا الدعم من البنك الدولي، ضرورية لسد الفجوة التمويلية ونقل الخبرات التقنية مع الحرص على تكاملها مع الجهود الوطنية و الوعي الجمعي بضرورة المحافظة على الثروة المائية.
وليس في الأمر غرابة الحديث عن التنسيق المثمر بين السياسات العمومية من جهة و البحث العلمي من جهة ثانية والتمويل الدولي من جهة ثالثة وهو ما سيجعل تونس قادرة على حماية الحقوق الدستورية لشعبها ويزيدها اقتدارا على مواجهة النـدرة المائـية وسيمكّنها من رسم طريق واعد نحو مستقبل أكثر أمنا وأمانا.
تفقّد معمّق للـمنشآت الفنية: تحوّل إستراتيجي يعيد للدولة دورها الرقابي
أفادت رئاسة الحكومة بأن وزارة التجهيز والإسكان تعتمد برنامجا دوريا للتفقد الفني للمنشآت ال…
