في وداع الفيلسوف الفرنسي “ادغار موران”: قاوم كل أشكال الدوغمائية الفكرية والإيديولوجية، وبحث عن فهم أكثر تعقيداً للإنسان والعالم
الصحافة اليوم: كمال الشيحاوي
تمثّل سيرة إدغار موران واحدة من أكثر المسارات الفكرية فرادة في القرن العشرين وبدايات القرن الحادي والعشرين. فقد رحل صاحب زالفكر المركّبس عن عمر ناهز 104 أعوام، بعد أن ظلّ حتى أيامه الأخيرة يكتب ويحاضر ويتدخّل في النقاشات الكبرى المتعلقة بمصير الإنسانية والعلاقة بين المعرفة والسياسة والبيئة والحضارة. وقد نعته الأوساط الأكاديمية والثقافية في العالم باعتباره أحد آخر كبار المثقفين الموسوعيين الذين جمعوا بين الفلسفة وعلم الاجتماع والأنثروبولوجيا والنقد الثقافي في مشروع فكري واحد.
وُلد إدغار موران سنة 1921 في باريس باسم إدغار ناحوم، في عائلة يهودية سفاردية تعود جذورها إلى مدينة سالونيك. وقد تركت وفاة والدته المبكرة جرحاً عميقاً في تكوينه النفسي والفكري، وهو ما سيعود إليه لاحقاً في العديد من نصوصه التأملية. ومع صعود الفاشية والحرب العالمية الثانية، انخرط في المقاومة الفرنسية ضد الاحتلال النازي، وهناك اتخذ اسم زمورانس الذي سيلازمه طوال حياته.
بعد الحرب، انضم إلى الحزب الشيوعي الفرنسي قبل أن يصطدم بالنزعة الستالينية داخله، ليُطرد من الحزب سنة 1951 بسبب مواقفه النقدية. ومنذ تلك اللحظة بدأ يتبلور لديه هاجس أساسي سيلازم مشروعه الفكري وهو مقاومة كل أشكال الدوغمائية الفكرية والإيديولوجية، والبحث عن فهم أكثر تعقيداً للإنسان والعالم.
من السوسيولوجيا إلى زالفكر المركّب”
لم يكن موران فيلسوفاً بالمعنى التقليدي، ولا عالم اجتماع بالمعنى الأكاديمي الضيق. فقد ظلّ طوال مسيرته رافضاً للتقسيمات الجامدة بين الاختصاصات. كان يرى أن العلوم الحديثة، رغم تطورها الهائل، دفعت نحو تجزئة المعرفة وعزل الظواهر عن سياقاتها، الأمر الذي جعل الإنسان عاجزاً عن فهم الأزمات الكبرى التي يعيشها العالم المعاصر
ومن هنا ظهرت نظريته الأشهر: زالفكر المركّبس. وهي دعوة إلى النظر إلى الظواهر بوصفها شبكات مترابطة لا يمكن فهمها عبر سبب واحد أو مقاربة واحدة. فالفرد مرتبط بالمجتمع، والمجتمع مرتبط بالتاريخ، والتاريخ مرتبط بالاقتصاد والثقافة والبيئة، وكل عنصر يؤثر في الآخر بصورة متواصلة. وقد اعتبر أن تبسيط الواقع هو أحد أخطر أمراض العصر الحديث.
”المنهجس… المشروع الفكري الأكبر
يبقى عمله الضخم والذي حمل عنوان” المنهج” أهم منجزاته الفكرية على الإطلاق. وهو مشروع استغرق ما يقارب ثلاثة عقود من العمل، وصدر في ستة أجزاء بين 1977 و2004، سعى من خلاله إلى بناء نظرية جديدة للمعرفة تقوم على الربط بين البيولوجيا والفيزياء والأنثروبولوجيا وعلم الاجتماع والفلسفة. وقد تحوّل هذا العمل إلى مرجع أساسي في دراسات التعقيد والأنظمة المعرفية الحديثة
كما عُرف موران بكتبه الأخرى التي لقي عددا منها رواجاً واسعاً في العالم العربي، ومن أبرزها: مدخل إلى الفكر المركب، والإنسان والموت، والنموذج المفقود: الطبيعة الإنسانية، ونقد الذات، إضافة إلى كتابه الشهير كيف نخرج من القرن العشرين؟، وكتابات متأخرة تناولت العولمة والأزمة البيئية وجائحة كورونا ومستقبل البشرية.
وقد تُرجمت أعماله إلى العربية في دور نشر مختلفة، ووجدت صدى كبيراً لدى الباحثين العرب المهتمين بقضايا الحداثة والنقد المعرفي والتعليم والدراسات الحضارية
مفكر الأزمات العالمية
وفي العقود الأخيرة، تحوّل موران إلى ما يشبه زضميراً فكرياًس عالمياً. فقد كتب عن أزمة البيئة، وعن مخاطر الرأسمالية المتوحشة، وعن الحروب المعاصرة، وعن الحاجة إلى بناء وعي كوني جديد يتجاوز الانقسامات القومية والإيديولوجية الضيقة. وكان يؤكد باستمرار أن البشرية دخلت عصر زالأزمات المتداخلةس، حيث لم يعد ممكناً الفصل بين الأزمة الاقتصادية والأزمة البيئية والأزمة السياسية والثقافية
كما دافع عن فكرة زالوطن الأرضس، أي اعتبار الإنسانية مجتمعاً مصيرياً واحداً في مواجهة التحديات المشتركة، من التغير المناخي إلى الحروب والأوبئة. ولذلك بدا فكره شديد الراهنية في عالم يزداد تعقيداً وتشابكاً يوماً بعد يوم.
إرث مفتوح على المستقبل
برحيل إدغار موران، تفقد الثقافة العالمية أحد أبرز دعاة الحوار بين العلوم والإنسانيات، وأحد آخر المفكرين الذين راهنوا على إمكانية الجمع بين المعرفة العلمية والحسّ الإنساني.
لقد ترك أكثر من مائة مؤلَّف، لكن إرثه الحقيقي لا يكمن في عدد الكتب التي كتبها، بل في الطريقة التي اقترح بها النظر إلى العالم: عالم لا يُفهم عبر التبسيط والاختزال، بل عبر الاعتراف بالتعقيد والتداخل والتناقض. ولهذا سيظل اسم موران مرتبطاً بفكرة مركزية واحدة: أن فهم الإنسان يقتضي فهم العلاقات التي تربطه بكل ما يحيط به، وأن الحكمة تبدأ حين نتعلم كيف نفكر في التعقيد بدل الهروب منه.
تجربة مثيرة ودورة تأسيسية لمهرجان أقرّ تنظيمه من قبل ملاحظات حول الدورة التأسيسية في تونس لمهرجان”بالمسرح…أكون”: في أهمية الأدوار العلاجية والاندماجية للمسرح
لمّا شاهدت أحد العروض المشاركة في تظاهرة”بالمسرح… أكون ”…
