2026-04-19

بعد سنوات من الجفاف : التساقطات المطرية تنعش القطاع الفلاحي وتدعم الاقتصاد الوطني

بعد سنوات من الجفاف الحاد الذي أثقل كاهل القطاع الفلاحي في تونس وأضعف الإنتاج الزراعي، دخلت البلاد مع مطلع سنة 2026 مرحلة من التحسن المناخي اللافت، تميزت بتساقطات مطرية قياسية شملت معظم المناطق، وخاصة الشمال والوسط. وعلى سبيل المثال، بلغ إجمالي التساقطات خلال شهر جانفي 2302.7 ملم مقابل معدل طبيعي في حدود 1118.1 ملم، أي بزيادة تتجاوز 100%، فيما سجلت بعض الجهات نسبًا تفوق 200% من المعدلات العادية.

وهذا التحسن المناخي لم يكن مجرد ظاهرة طبيعية عابرة، بل كانت له انعكاسات مباشرة وسريعة على الموارد المائية في البلاد. فقد ارتفعت نسبة امتلاء السدود إلى حوالي 67%، مع تسجيل امتلاء كامل لبعض السدود في ولاية جندوبة بنسبة 100%، في حين لا يزال سد بوهرتمة قادرًا على استيعاب كميات إضافية من المياه.  اقتصاديا، تكتسي هذه التساقطات المطرية اهمية كبرى في دعم القطاع الفلاحي . فالمياه تُعد العامل الأساسي في تحديد مردودية الإنتاج الفلاحي في تونس، خاصة في ظل اعتماد واسع على الزراعة البعلية في الحبوب والزيتون. ومع تحسن التساقطات، تتحسن خصوبة التربة وتتوفر ظروف أفضل للفلاحة وبالتالي ارتفاعًا متوقعًا في الإنتاج.

من الناحية الاقتصادية أيضا، يكتسي هذا التحسن أهمية إضافية بالنظر إلى وزن القطاع الفلاحي في الاقتصاد الوطني، حيث يساهم بحوالي 10% من الناتج المحلي الإجمالي ويوفر نحو 14% من فرص الشغل. وبالتالي، فإن أي تحسن في الإنتاج الفلاحي لا يبقى محصورًا داخل القطاع، بل يمتد تأثيره إلى بقية مكونات الاقتصاد. فعندما يرتفع الإنتاج، تتحسن مداخيل الفلاحين، خصوصًا في المناطق الريفية. وهذا التحسن في الدخل يؤدي بدوره إلى زيادة الاستهلاك المحلي، ما ينعكس على قطاعات أخرى مثل التجارة والخدمات والصناعات الغذائية.

كما يظهر أثر هذا الانتعاش بوضوح على مستوى التوازنات الخارجية. فـتونس تستورد كميات كبيرة من الحبوب سنويًا، بتكلفة قد تتجاوز 1.5 مليار دولار، وهو ما يشكل عبئًا على الميزان التجاري. لذلك، فإن أي ارتفاع في الإنتاج المحلي يساهم في تقليص الحاجة إلى الواردات، وبالتالي تخفيف الضغط على المالية العمومية. في المقابل، يلعب القطاع الفلاحي دورًا مهمًا في دعم الصادرات، حيث تتراوح قيمتها بين 2.5 و3 مليارات دولار سنويًا، مع هيمنة واضحة لزيت الزيتون الذي قد تتجاوز عائداته وحده مليار دولار في بعض المواسم، إلى جانب التمور والمنتجات الفلاحية التحويلية. وهذا يعني أن تحسن الموسم الفلاحي ينعكس أيضًا على توفر العملة الصعبة وتحسين احتياطي النقد الأجنبي.

غير أن هذا الانتعاش، رغم أهميته، يبقى مرتبطًا بعوامل مناخية ظرفية. فهو لا يعكس تحولًا هيكليًا في القطاع، بل يبرز مرة أخرى مدى ارتباطه الوثيق بالتساقطات المطرية وتقلبات الطقس.  فخلال السنوات الماضية، أدى تكرار فترات الجفاف إلى تراجع كبير في الإنتاج.  وتتعمق هذه الهشاشة مع وجود مجموعة من العوامل الهيكلية الأخرى، من بينها ضعف البنية التحتية المائية ونظم الري، الاعتماد الكبير على الأمطار كمصدر رئيسي للمياه، إضافة إلى التفاوت الجهوي في توزيع التساقطات، حيث تستفيد مناطق الشمال والوسط أكثر من الجنوب. كما يضاف إلى ذلك ارتفاع تكاليف الإنتاج وتزايد الضغوط المرتبطة بندرة المياه.

عموما، تمثل التساقطات المطرية التي شهدتها تونس منذ بداية السنة الجارية فرصة اقتصادية مهمة لتونس، إذ من المتوقع أن تساهم في نمو القطاع الفلاحي وتحسين المؤشرات الاقتصادية على أكثر من مستوى، من الإنتاج إلى الاستهلاك إلى التجارة الخارجية. لكنها في الوقت نفسه تطرح سؤالًا جوهريًا يتعلق بالاستدامة: كيف يمكن تحويل هذا التحسن الظرفي إلى نمو دائم لا يعتمد فقط على تقلبات المناخ؟

‫شاهد أيضًا‬

تونس ثالثة مغاربيًا في مؤشر الازدهار 2026: توازن إقتصادي و إجتماعي رغم بعض الصعوبات الظرفية

احتلت تونس المرتبة الثالثة مغاربيًا وفقًا لتقرير (HelloSafe Prosperity Index 2026) الصادر …