2026-04-22

قانون الفنان في تونس: من وعدٍ مؤجـَّل إلى اختبار حاسم لعلاقة الدولة بالثقافة

لم‭ ‬يعد‭ ‬اقانون‭ ‬الفنانب‭ ‬في‭ ‬تونس‭ ‬مجرّد‭ ‬مشروع‭ ‬مؤجَّل‭ ‬يُستدعى‭ ‬عند‭ ‬الأزمات‭ ‬ويُعاد‭ ‬إلى‭ ‬الرفوف‭ ‬عند‭ ‬أول‭ ‬منعطف‭ ‬سياسي‭. ‬اليوم،‭ ‬يدخل‭ ‬هذا‭ ‬النصّ‭ ‬مرحلة‭ ‬حاسمة،‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬أصبح‭ ‬رسميًا‭ ‬بعهدة‭ ‬لجنة‭ ‬السياحة‭ ‬والثقافة‭ ‬والخدمات،‭ ‬مع‭ ‬وعود‭ ‬بالمصادقة‭ ‬عليه‭ ‬في‭ ‬شهر‭ ‬جوان‭ ‬المقبل‭. ‬هكذا‭ ‬ينتقل‭ ‬الملف‭ ‬من‭ ‬زمن‭ ‬التردّد‭ ‬إلى‭ ‬لحظة‭ ‬الاختبار‭: ‬هل‭ ‬نحن‭ ‬أمام‭ ‬ولادة‭ ‬فعلية‭ ‬لإطار‭ ‬قانوني‭ ‬طال‭ ‬انتظاره،‭ ‬أم‭ ‬أمام‭ ‬جولة‭ ‬جديدة‭ ‬من‭ ‬التأجيل‭ ‬المقنّع؟

ينبغي‭ ‬التذكير‭ ‬بأنّه‭ ‬على‭ ‬امتداد‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬عقدين،‭ ‬ظلّ‭ ‬قانون‭ ‬الفنان‭ ‬عنوانًا‭ ‬لأزمة‭ ‬أعمق‭ ‬من‭ ‬مجرّد‭ ‬نصّ‭ ‬تشريعي‭. ‬فمنذ‭ ‬طرحه‭ ‬في‭ ‬أواخر‭ ‬التسعينيات،‭ ‬ثمّ‭ ‬إعادة‭ ‬إحيائه‭ ‬بعد‭ ‬2011،‭ ‬ظلّ‭ ‬يتعثّر‭ ‬عند‭ ‬الأسئلة‭ ‬نفسها‭: ‬من‭ ‬هو‭ ‬الفنان؟‭ ‬ما‭ ‬حدود‭ ‬المهنة؟‭ ‬وكيف‭ ‬يمكن‭ ‬تنظيم‭ ‬قطاع‭ ‬لا‭ ‬يقوم،‭ ‬في‭ ‬جوهره،‭ ‬على‭ ‬سوق‭ ‬مستقرة،‭ ‬بل‭ ‬على‭ ‬الهشاشة‭ ‬والتقطّع؟

من‭ ‬أجل‭ ‬تنظيم‭ ‬غير‭ ‬المنظّم

الجديد‭ ‬اليوم‭ ‬أنّ‭ ‬المشروع،‭ ‬في‭ ‬صيغته‭ ‬الراهنة،‭ ‬يحاول‭ ‬الإجابة‭ ‬عن‭ ‬هذه‭ ‬الأسئلة‭ ‬عبر‭ ‬تقسيم‭ ‬الفنانين‭ ‬إلى‭ ‬خمس‭ ‬فئات‭ ‬قانونية‭: ‬الفنان‭ ‬الدائم،‭ ‬والمؤقت‭ (‬Intermittent‭)‬،‭ ‬والأجير‭ ‬بعقد‭ ‬مهمة،‭ ‬والمستقل،‭ ‬وصاحب‭ ‬الدخل‭ ‬الإضافي‭.  ‬ولا‭ ‬يبدو‭ ‬هذا‭ ‬التصنيف‭ ‬مجرّد‭ ‬تفصيل‭ ‬تقني،‭ ‬بل‭ ‬محاولة‭ ‬للاعتراف‭ ‬بتعدّد‭ ‬أوضاع‭ ‬الفنانين،‭ ‬والخروج‭ ‬من‭ ‬التعريف‭ ‬الأحادي‭ ‬الذي‭ ‬عطّل‭ ‬القانون‭ ‬لسنوات‭.‬

غير‭ ‬أنّ‭ ‬هذا‭ ‬التقدّم‭ ‬الظاهري‭ ‬يطرح‭ ‬بدوره‭ ‬تساؤلات‭ ‬عميقة‭. ‬فهل‭ ‬يكفي‭ ‬تصنيف‭ ‬الفنانين‭ ‬لضمان‭ ‬حقوقهم،‭ ‬في‭ ‬غياب‭ ‬سوق‭ ‬ثقافية‭ ‬حقيقية‭ ‬قادرة‭ ‬على‭ ‬تأمين‭ ‬موارد‭ ‬قارة؟‭ ‬أم‭ ‬أنّ‭ ‬القانون،‭ ‬مهما‭ ‬بلغت‭ ‬دقّته،‭ ‬سيظلّ‭ ‬هشًّا‭ ‬أمام‭ ‬واقع‭ ‬اقتصادي‭ ‬لا‭ ‬يعترف‭ ‬بالفنّ‭ ‬كقطاع‭ ‬منتج؟

هنا‭ ‬تحديدًا‭ ‬تستعيد‭ ‬المسألة‭ ‬أحد‭ ‬أكثر‭ ‬وجوهها‭ ‬تعقيدًا‭ ‬وهي‭ ‬المتعلّقة‭ ‬أساسا‭ ‬بـ‭ ‬منظومة‭ ‬الدعم‭ ‬العمومي‭. ‬فمنذ‭ ‬سنوات،‭ ‬تمثّل‭ ‬هذه‭ ‬المنظومة‭ ‬السند‭ ‬الأساسي‭ ‬ذ‭ ‬بل‭ ‬شبه‭ ‬الوحيد‭ ‬ذ‭ ‬لغالبية‭ ‬الفنانين‭ ‬في‭ ‬تونس‭. ‬لقد‭ ‬مكّنت‭ ‬من‭ ‬إنجاز‭ ‬أعمال،‭ ‬وحافظت‭ ‬على‭ ‬حدّ‭ ‬أدنى‭ ‬من‭ ‬الاستمرارية،‭ ‬لكنها‭ ‬في‭ ‬المقابل‭ ‬أسّست‭ ‬لعلاقة‭ ‬ملتبسة‭ ‬بين‭ ‬الفنان‭ ‬والدولة‭.‬

وفي‭ ‬هذا‭ ‬السياق،‭ ‬يبدو‭ ‬القانون‭ ‬الجديد‭ ‬وكأنّه‭ ‬يحاول‭ ‬تنظيم‭ ‬ما‭ ‬لم‭ ‬يُنظَّم‭ ‬سابقًا‭ ‬وهي‭ ‬العلاقة‭ ‬التعاقدية،‭ ‬وآليات‭ ‬العمل،‭ ‬والحقوق‭ ‬الاجتماعية‭. ‬فقد‭ ‬تمّ‭ ‬إدراج‭ ‬نظام‭ ‬للتغطية‭ ‬الاجتماعية‭ ‬يعتمد‭ ‬نسبة‭ ‬اشتراك‭ ‬محدّدة‭ (‬14.71‭ % ‬من‭ ‬الدخل‭)‬،‭ ‬مع‭ ‬إحداث‭ ‬احساب‭ ‬الفنانب‭ ‬داخل‭ ‬الصندوق‭ ‬الوطني‭ ‬للضمان‭ ‬الاجتماعي،‭ ‬ممول‭ ‬جزئيًا‭ ‬من‭ ‬طابع‭ ‬المساهمة‭ ‬الفنية‭. ‬وهي‭ ‬خطوة‭ ‬تُحسب‭ ‬للمشروع،‭ ‬لأنها‭ ‬تضع‭ ‬لأول‭ ‬مرة‭ ‬آلية‭ ‬مؤسساتية‭ ‬واضحة‭ ‬للحماية‭ ‬الاجتماعية‭.‬

هل‭ ‬القانون‭ ‬هو‭ ‬الحلّ‭ ‬أم‭ ‬احدى‭ ‬ألياته؟‭ ‬

لكنّ‭ ‬السؤال‭ ‬الذي‭ ‬يفرض‭ ‬نفسه‭: ‬هل‭ ‬سيؤدي‭ ‬هذا‭ ‬التنظيم‭ ‬إلى‭ ‬تحرير‭ ‬الفنان‭ ‬من‭ ‬الارتهان‭ ‬لمنظومة‭ ‬الدعم،‭ ‬أم‭ ‬سيُعيد‭ ‬إنتاجها‭ ‬في‭ ‬شكل‭ ‬أكثر‭ ‬تقنينًا؟‭ ‬فالتجربة‭ ‬التونسية‭ ‬أظهرت‭ ‬أنّ‭ ‬الدعم،‭ ‬رغم‭ ‬ضرورته،‭ ‬تحوّل‭ ‬تدريجيًا‭ ‬إلى‭ ‬نمط‭ ‬عيش،‭ ‬وأحيانًا‭ ‬إلى‭ ‬أفق‭ ‬وحيد،‭ ‬ما‭ ‬جعل‭ ‬بعض‭ ‬الفنانين‭ ‬أقرب‭ ‬إلى‭ ‬احالات‭ ‬اجتماعيةب‭ ‬تنتظر‭ ‬المنحة،‭ ‬لا‭ ‬إلى‭ ‬فاعلين‭ ‬اقتصاديين‭ ‬يبحثون‭ ‬عن‭ ‬الاستقلال‭.‬

من‭ ‬جهة‭ ‬أخرى،‭ ‬حاول‭ ‬المشروع‭ ‬تجاوز‭ ‬إحدى‭ ‬أكثر‭ ‬النقاط‭ ‬إثارة‭ ‬للجدل،‭ ‬وهي‭ ‬مسألة‭ ‬البطاقة‭ ‬المهنية‭. ‬فقد‭ ‬تمّ‭ ‬الانتقال‭ ‬من‭ ‬منطق‭ ‬الامتحان‭ ‬المهني‭ ‬المغلق‭ ‬إلى‭ ‬نظام‭ ‬االاعتراف‭ ‬بالكفاءةب‭ ‬والمسار‭ ‬الفني،‭ ‬في‭ ‬خطوة‭ ‬تهدف‭ ‬إلى‭ ‬حماية‭ ‬حرية‭ ‬الإبداع‭. ‬كما‭ ‬أُتيح‭ ‬إسناد‭ ‬البطاقة‭ ‬لمن‭ ‬هم‭ ‬دون‭ ‬18‭ ‬سنة‭ ‬بشروط،‭ ‬بما‭ ‬يفتح‭ ‬الباب‭ ‬أمام‭ ‬الاعتراف‭ ‬المبكّر‭ ‬بالمواهب،‭ ‬مع‭ ‬ضمان‭ ‬عدم‭ ‬استغلالها‭.‬

وهذه‭ ‬التعديلات،‭ ‬التي‭ ‬جاءت‭ ‬أيضًا‭ ‬بطلب‭ ‬من‭ ‬اتحاد‭ ‬الفنانين‭ ‬التشكيليين،‭ ‬تعكس‭ ‬وعيًا‭ ‬متزايدًا‭ ‬بخطورة‭ ‬تحويل‭ ‬القانون‭ ‬إلى‭ ‬أداة‭ ‬رقابة‭ ‬مقنّعة‭. ‬غير‭ ‬أنّها‭ ‬تضع‭ ‬في‭ ‬الآن‭ ‬ذاته‭ ‬تحدّيًا‭ ‬جديدًا‭: ‬كيف‭ ‬يمكن‭ ‬التوفيق‭ ‬بين‭ ‬حرية‭ ‬الإبداع‭ ‬وضرورة‭ ‬التنظيم،‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬يتحوّل‭ ‬أحدهما‭ ‬إلى‭ ‬ذريعة‭ ‬لإلغاء‭ ‬الآخر؟

يبقى‭ ‬أنّ‭ ‬هذا‭ ‬المشروع،‭ ‬رغم‭ ‬تقدّمه،‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬فصله‭ ‬عن‭ ‬السياق‭ ‬العام‭ ‬الذي‭ ‬أنتجه‭. ‬فالدولة‭ ‬التونسية‭ ‬ما‭ ‬تزال‭ ‬تتعامل‭ ‬مع‭ ‬الثقافة‭ ‬بنوع‭ ‬من‭ ‬الازدواجية‭ ‬والتي‭ ‬تتجلّى‭ ‬في‭ ‬احتفاء‭ ‬رمزي‭ ‬من‭ ‬جهة،‭ ‬وتردّد‭ ‬تشريعي‭ ‬من‭ ‬جهة‭ ‬أخرى‭. ‬وقانون‭ ‬الفنان،‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬المعنى،‭ ‬ليس‭ ‬فقط‭ ‬نصًّا‭ ‬قانونيًا،‭ ‬بل‭ ‬اختبارًا‭ ‬حقيقيًا‭ ‬لهذه‭ ‬العلاقة‭.‬

بين‭ ‬الأمل‭ ‬والوعد

إنّ‭ ‬المصادقة‭ ‬المرتقبة‭ ‬في‭ ‬جوان،‭ ‬إن‭ ‬حصلت،‭ ‬لن‭ ‬تكون‭ ‬نهاية‭ ‬المسار،‭ ‬بل‭ ‬بدايته‭. ‬لأنّ‭ ‬التحدّي‭ ‬الحقيقي‭ ‬لا‭ ‬يكمن‭ ‬في‭ ‬إصدار‭ ‬القانون،‭ ‬بل‭ ‬في‭ ‬قدرته‭ ‬على‭ ‬تغيير‭ ‬الواقع‭: ‬هل‭ ‬سيساهم‭ ‬في‭ ‬بناء‭ ‬مهنة‭ ‬قائمة‭ ‬بذاتها،‭ ‬أم‭ ‬سيكتفي‭ ‬بتنظيم‭ ‬الهشاشة؟

بين‭ ‬وعد‭ ‬قديم‭ ‬يقترب‭ ‬من‭ ‬التحقّق،‭ ‬وواقع‭ ‬لا‭ ‬يزال‭ ‬يفرض‭ ‬قيوده،‭ ‬يقف‭ ‬قانون‭ ‬الفنان‭ ‬اليوم‭ ‬على‭ ‬حافة‭ ‬لحظة‭ ‬فارقة‭. ‬لحظة‭ ‬قد‭ ‬تعيد‭ ‬تعريف‭ ‬الفنان‭ ‬في‭ ‬تونس‭: ‬إمّا‭ ‬كمهني‭ ‬معترف‭ ‬به،‭ ‬أو‭ ‬كـاملفّ‭ ‬اجتماعيب‭ ‬أُحسن‭ ‬ترتيبه‭ ‬داخل‭ ‬نصّ‭ ‬قانوني‭ ‬جديد‭.‬

‫شاهد أيضًا‬

رواية “أغالب مجرى النهر” لسعيد خطيبي الفائزة بجائزة البوكر 2026: حين تــُقاوم الروايــة مجرى النسيان

تأتي رواية “أغالب مجرى النهر” للكاتب الجزائري “سعيد خطيبي” بوصفها نصًا سرديًا …