قانون الفنان في تونس: من وعدٍ مؤجـَّل إلى اختبار حاسم لعلاقة الدولة بالثقافة
لم يعد اقانون الفنانب في تونس مجرّد مشروع مؤجَّل يُستدعى عند الأزمات ويُعاد إلى الرفوف عند أول منعطف سياسي. اليوم، يدخل هذا النصّ مرحلة حاسمة، بعد أن أصبح رسميًا بعهدة لجنة السياحة والثقافة والخدمات، مع وعود بالمصادقة عليه في شهر جوان المقبل. هكذا ينتقل الملف من زمن التردّد إلى لحظة الاختبار: هل نحن أمام ولادة فعلية لإطار قانوني طال انتظاره، أم أمام جولة جديدة من التأجيل المقنّع؟
ينبغي التذكير بأنّه على امتداد أكثر من عقدين، ظلّ قانون الفنان عنوانًا لأزمة أعمق من مجرّد نصّ تشريعي. فمنذ طرحه في أواخر التسعينيات، ثمّ إعادة إحيائه بعد 2011، ظلّ يتعثّر عند الأسئلة نفسها: من هو الفنان؟ ما حدود المهنة؟ وكيف يمكن تنظيم قطاع لا يقوم، في جوهره، على سوق مستقرة، بل على الهشاشة والتقطّع؟
من أجل تنظيم غير المنظّم
الجديد اليوم أنّ المشروع، في صيغته الراهنة، يحاول الإجابة عن هذه الأسئلة عبر تقسيم الفنانين إلى خمس فئات قانونية: الفنان الدائم، والمؤقت (Intermittent)، والأجير بعقد مهمة، والمستقل، وصاحب الدخل الإضافي. ولا يبدو هذا التصنيف مجرّد تفصيل تقني، بل محاولة للاعتراف بتعدّد أوضاع الفنانين، والخروج من التعريف الأحادي الذي عطّل القانون لسنوات.
غير أنّ هذا التقدّم الظاهري يطرح بدوره تساؤلات عميقة. فهل يكفي تصنيف الفنانين لضمان حقوقهم، في غياب سوق ثقافية حقيقية قادرة على تأمين موارد قارة؟ أم أنّ القانون، مهما بلغت دقّته، سيظلّ هشًّا أمام واقع اقتصادي لا يعترف بالفنّ كقطاع منتج؟
هنا تحديدًا تستعيد المسألة أحد أكثر وجوهها تعقيدًا وهي المتعلّقة أساسا بـ منظومة الدعم العمومي. فمنذ سنوات، تمثّل هذه المنظومة السند الأساسي ذ بل شبه الوحيد ذ لغالبية الفنانين في تونس. لقد مكّنت من إنجاز أعمال، وحافظت على حدّ أدنى من الاستمرارية، لكنها في المقابل أسّست لعلاقة ملتبسة بين الفنان والدولة.
وفي هذا السياق، يبدو القانون الجديد وكأنّه يحاول تنظيم ما لم يُنظَّم سابقًا وهي العلاقة التعاقدية، وآليات العمل، والحقوق الاجتماعية. فقد تمّ إدراج نظام للتغطية الاجتماعية يعتمد نسبة اشتراك محدّدة (14.71 % من الدخل)، مع إحداث احساب الفنانب داخل الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي، ممول جزئيًا من طابع المساهمة الفنية. وهي خطوة تُحسب للمشروع، لأنها تضع لأول مرة آلية مؤسساتية واضحة للحماية الاجتماعية.
هل القانون هو الحلّ أم احدى ألياته؟
لكنّ السؤال الذي يفرض نفسه: هل سيؤدي هذا التنظيم إلى تحرير الفنان من الارتهان لمنظومة الدعم، أم سيُعيد إنتاجها في شكل أكثر تقنينًا؟ فالتجربة التونسية أظهرت أنّ الدعم، رغم ضرورته، تحوّل تدريجيًا إلى نمط عيش، وأحيانًا إلى أفق وحيد، ما جعل بعض الفنانين أقرب إلى احالات اجتماعيةب تنتظر المنحة، لا إلى فاعلين اقتصاديين يبحثون عن الاستقلال.
من جهة أخرى، حاول المشروع تجاوز إحدى أكثر النقاط إثارة للجدل، وهي مسألة البطاقة المهنية. فقد تمّ الانتقال من منطق الامتحان المهني المغلق إلى نظام االاعتراف بالكفاءةب والمسار الفني، في خطوة تهدف إلى حماية حرية الإبداع. كما أُتيح إسناد البطاقة لمن هم دون 18 سنة بشروط، بما يفتح الباب أمام الاعتراف المبكّر بالمواهب، مع ضمان عدم استغلالها.
وهذه التعديلات، التي جاءت أيضًا بطلب من اتحاد الفنانين التشكيليين، تعكس وعيًا متزايدًا بخطورة تحويل القانون إلى أداة رقابة مقنّعة. غير أنّها تضع في الآن ذاته تحدّيًا جديدًا: كيف يمكن التوفيق بين حرية الإبداع وضرورة التنظيم، دون أن يتحوّل أحدهما إلى ذريعة لإلغاء الآخر؟
يبقى أنّ هذا المشروع، رغم تقدّمه، لا يمكن فصله عن السياق العام الذي أنتجه. فالدولة التونسية ما تزال تتعامل مع الثقافة بنوع من الازدواجية والتي تتجلّى في احتفاء رمزي من جهة، وتردّد تشريعي من جهة أخرى. وقانون الفنان، في هذا المعنى، ليس فقط نصًّا قانونيًا، بل اختبارًا حقيقيًا لهذه العلاقة.
بين الأمل والوعد
إنّ المصادقة المرتقبة في جوان، إن حصلت، لن تكون نهاية المسار، بل بدايته. لأنّ التحدّي الحقيقي لا يكمن في إصدار القانون، بل في قدرته على تغيير الواقع: هل سيساهم في بناء مهنة قائمة بذاتها، أم سيكتفي بتنظيم الهشاشة؟
بين وعد قديم يقترب من التحقّق، وواقع لا يزال يفرض قيوده، يقف قانون الفنان اليوم على حافة لحظة فارقة. لحظة قد تعيد تعريف الفنان في تونس: إمّا كمهني معترف به، أو كـاملفّ اجتماعيب أُحسن ترتيبه داخل نصّ قانوني جديد.
رواية “أغالب مجرى النهر” لسعيد خطيبي الفائزة بجائزة البوكر 2026: حين تــُقاوم الروايــة مجرى النسيان
تأتي رواية “أغالب مجرى النهر” للكاتب الجزائري “سعيد خطيبي” بوصفها نصًا سرديًا …

