تجربة مثيرة ودورة تأسيسية لمهرجان أقرّ تنظيمه من قبل ملاحظات حول الدورة التأسيسية في تونس لمهرجان”بالمسرح…أكون”: في أهمية الأدوار العلاجية والاندماجية للمسرح
لمّا شاهدت أحد العروض المشاركة في تظاهرة”بالمسرح… أكون ” والتي أثّثها مجموعة من الممثلين من ذوي الهمم عاودني الإحساس نفسه الذي شعرت به عند مشاهدة بعض أعمال المودعين بالسّجون خلال الدّورة الماضية من أيام قرطاج المسرحية. إحساس يعاش ولا يروى عادة ولكنّ يمكن وصفه كأن نقول مثلا أنّك تلمس معهم الدّراما الانسانية الحيّة في أكثر درجات هشاشتها وبراءتها وصدقها وعفويتها. عيون المودعين في السّجون وهم يسترقون النظر إلى الجمهور وفيه بعض أهلهم، هي ذاتها عيون “ذوي الاحتياجات الخاصّة” وهم ينظرون لمن جاء لمشاهدة عملهم المسرحي ومن بينهم عائلاتهم وأهلهم وهو يقولون بصورة غير مباشرة وبكثير من الثقة والفخر أنظروا :”إننا قادرون على أن نروي حكاياتنا، إنّنا مثلكم” .
قطب المسرح بمدينة الثقافة خلال شهر ماي من كلّ سنة ليكون مساحة للتدريب على احتضان كلّ المواهب القادمة من الجمعيات التي تعمل لفائدة ذوي الهمم بما يوسّع درجة الاهتمام بالمسرح كفن حي للاندماج والعلاج والتعبير الحرّ وكفضاء لتكريس قيم الاعتراف و مبدأ الاختلاف والتنوّع والقطع مع الأشكال “التعبيرية” المبتذلة التي لطالما حوّلت الإعاقة إلى شكل سهل للسخرية والتندّر السّخيف.
جرت الدوّرة بين 14 و17 ماي وقد افتتحت بمسرحية “لوحة” للمخرجة “هدى لموشي” و كان العرض مثيرا جدّا بفضل ما أظهره الممثل”فاضل نفاتي” الفاقد للبصر من قدرة على التحرّك على الرّكح معوّلا على طاقاته المميزة في التجاوب مع حركة الممثلة”نجوى ميلاد” و تواصلت التظاهرة مع عدد من الأعمال المسرحية منها مسرحية”ما لا يقال” لـ”سوار الحجري” و”لينا قصاص” وهو عمل ركّز على التعبير الجسدي والإيقاع البصري الكثيف لتعويض الصمت المفروض على فئة الصمّ ومنها أيضا مسرحية”أحكيلي” لـ”كريم خرشوفي” التي أبرزت ما يختزنه أصحاب الإعاقات الجسدية عن الحركة من قدرات بلاغية وغنائية وسردية كبيرة ومطالبتهم الصريحة بأن ينظر إليهم كبشر بعيدا عن منطق الشفقة الذي يقترن غالبا بالإهمال والنسيان كما تجدر الإشارة إلى مسرحية” أحنا هكّا”(نحن هكذا) للصادق الحجيج التي جاء عنوانها صريحا في التعبير عن الرّغبة في المصالحة مع الذّات و المطالبة بقبول مبدأ الاختلاف وإلى مسرحية “بصمة” لـ”محمد العتيري” التي جسّدت تأكيدا رمزيا على حقّ كلّ فرد في ترك أثره داخل العالم.
واللافت للنظر أن معظم العروض المشاركة لم تسقط في فخ الخطاب الوعظي أو الاستعراضي المباشر، ولم تسع لاستعطاف الجمهور بل حاولت بدرجات متفاوتة ـإنتاج لغة ركحية تستثمر الجسد والإيقاع والصورة والذاكرة الشخصية بإمكانيات تقنية وجمالية مقبولة (في نطاق الهواية) نجحت في عدد منها في الاقتراب من الحساسية الإنسانية المعاصرة.
المسرح بوصفه تجربة إدماجية
ولعلّ أهمّ ما ميّز هذه الدورة الأولى هو طبيعة الأعمال المشاركة والجهات المنتجة لها. فالعروض لم تصدر عن مؤسسات مسرحية تقليدية فحسب، بل جاءت أيضا من جمعيات تعنى بذوي الإعاقة أو بالفئات ذات الاحتياجات الخصوصية، مثل جمعية نجوم التحدي لحاملي الإعاقة بقربة (محافظة نابل)، وجمعية مساعدة القاصرين ذهنيا بـ”سوسة”، وجمعية أولياء وأحباء الصم بولاية “أريانة”. وهو ما منح التظاهرة خصوصيتها الأساسية المتمثلة جوهريا في الانتقال بالمسرح من دائرة العرض الفني إلى دائرة الفعل الاجتماعي والثقافي والعلاجي الشامل.
وتقديرنا أنّ أحد أبرز عناصر الأهمية في هذه التظاهرة تكمن في أنها استأنفت طرح سؤال جوهري يتعلق بوظيفة المسرح اليوم. فبعد عقود ظل فيها النقاش النقدي محصورا غالبا بين الجمالي والسياسي، يأتي هذا النوع من المبادرات ليؤكد أن المسرح قادر كذلك على لعب أدوار علاجية وتربوية وإدماجية دون أن يفقد قيمته الفنية.
من المسرح العلاجي إلى مسرح المقهورين
لا يمكن النظر إلى هذه التظاهرة بمعزل عن السياقات الفكرية والنقدية التي نظّرت للمسرح العلاجي والإدماجي عالميا. فمنذ بدايات القرن العشرين، ظهرت تجارب عديدة حاولت توظيف المسرح في العلاج النفسي والاجتماعي، لعل أبرزها تجربة الطبيب والمسرحي الرّوماني “جاكوب ليفي مورينو”، مؤسس السيكودراما أو المسرح العلاجي الذي أدخل مفاهيم”تبادل الأدوار” و”العفوية” على تمثيل الأفراد لمشكلاتهم وصراعاتهم النفسية فوق الخشبة بهدف التحرّر والتفريغ وفهم الذات لإعادة بنائها اجتماعيا ونفسيا. كما تحضر هنا بقوة تجربة البرازيلي “أوغستو بوال”، صاحب مفهوم “مسرح المقهورين”، الذي سعى إلى تحويل المتفرج من كائن سلبي إلى فاعل مشارك في التغيير الاجتماعي. فالمسرح عند “بوال” ليس أداة تسلية بل تمرين على الحرية. وقد ابتكر أشكالا مسرحية مثل “مسرح المنتدى” حيث بامكان الجمهور أن يتدخّل لتغيير مجرى الأحداث واقتراح حلول للظلم وهو ما يتقاطع بوضوح مع روح تظاهرة “بالمسرحة أكونب، حيث يتحول المشاركون، كما الجمهور (وقد كان عدد منهم من ذوي الهمم) إلى ذوات فاعلة تستعيد حقها في الكلام والظهور.
تجارب عربية وعالمية موازية
كما تجدر الإشارة إلى أنّه عربيا قد شهدت بعض البلدان العربية في السنوات الأخيرة تناميا ملحوظا للتجارب المسرحية ذات البعد العلاجي والإدماجي. ففي المغرب وفي تونس برزت تجارب مسرحية داخل المؤسسات السجنية ومراكز ذوي الاحتياجات الخصوصية، بينما اشتغلت بعض الفرق اللبنانية على العلاج بالدراما مع ضحايا الحروب والصدمات النفسية. وفي مصر، ظهرت مشاريع مسرحية مع أطفال الشوارع ومرضى التوحّد، سعت إلى إدماجهم عبر التعبير الفني والحركي.أما عالميا، فتعدّ بريطانيا من أبرز الدول التي طورت مفهوم االدراما ثيرابيب داخل المؤسسات الصحية والتعليمية، حيث أصبح المسرح يستخدم في علاج اضطرابات التواصل والقلق والاكتئاب. كما انتشرت في الولايات المتحدة وأوروبا برامج تعتمد المسرح في إعادة تأهيل السجناء أو دعم المهاجرين واللاجئين نفسيا واجتماعيا.
وضمن هذا السياق، تبدو تظاهرة ابالمسرحة أكونب محاولة تونسية جدية للانخراط في هذا المسار العالمي، ولكن بخصوصية محلية تنبع من الجمع بين البعد الفني والرهان الثقافي والاجتماعي.
بمناسبة اختتام تظاهرة بالمسرح أكون: حـيـن يـتـحوّل الـركح إلـى مـسـاحـة للشفاء والاعـتراف بالاخــتـلاف
الصحافة اليوم: كمال الشيحاوي في زمن تتعاظم فيه الحاجة إلى إعادة التفكي…

