بين ضغط العادات وغلاء الأضاحي: التّداين من أجل الظفر بأضحية العيد
مع اقتراب عيد الأضحى تعود إلى الواجهة في تونس ظاهرة باتت شبه راسخة في السلوك الاجتماعي، تتمثل في لجوء عدد متزايد من العائلات إلى التداين من أجل اقتناء أضحية العيد.
وبين من يعتبرها ضرورة دينية واجتماعية لا يمكن التفريط فيها، ومن يراها عبءا اقتصاديا يثقل كاهل الأسر، تتقاطع الدوافع وتتشابك الاسباب في مشهد يعكس تحولات عميقة في المجتمع التونسي.
في السنوات الأخيرة، لم يعد اقتناء الأضحية مجرد عملية شراء موسمية عادية، بل تحول إلى معادلة مالية معقدة، خاصة مع الارتفاع الكبير في الأسعار مقارنة بمداخيل أغلب العائلات. هذا الواقع دفع بالكثيرين إلى البحث عن حلول بديلة، أبرزها التداين، سواء من البنوك، أو من مؤسسات التمويل الصغير، أو حتى من الأقارب والأصدقاء، وأحيانًا مباشرة من تجار المواشي عبر صيغ بيع بالتقسيط.
البنوك والمؤسسات المالية الصغرى وجدت في هذه المناسبة فرصة لتسويق منتجات مالية موجهة خصيصًا لتمويل أضحية العيد على غرار القروض الصغيرة… وكلها عوامل تغري المواطن الذي يجد نفسه بين مطرقة الحاجة الاجتماعية وسندان ضيق ذات اليد. غير أن هذه القروض، رغم سهولتها الظاهرية، تخفي وراءها كلفة إضافية تتمثل في نسب الفائدة، وهو ما قد يزيد من تعقيد الوضع المالي للعائلة على المدى المتوسط.
في المقابل، يظل التداين «غير الرسمي» حاضرًا بقوة في المجتمع التونسي. إذ يلجأ العديد إلى أفراد العائلة أو الأصدقاء لطلب سلفة مالية، في إطار ما يعرف بالتضامن الاجتماعي. كما يعتمد البعض على تجار المواشي الذين يوفرون إمكانية الدفع المؤجل أو التقسيط، وهو حل يبدو أقل تعقيدًا من الناحية الإجرائية.
ورغم هذه التحديات، فإن الإقبال على الأضاحي لا يتراجع بشكل كبير، وهو ما يطرح تساؤلات حول عمق البعد الثقافي والديني لهذه الشعيرة. فالأضحية، في المخيال الجماعي، ليست مجرد سنة مؤكدة، بل رمزا للكرامة والانتماء الاجتماعي. فكثير من العائلات ترى في عدم اقتنائها نوعًا من «النقص» أو الإحراج أمام المحيط، وهو ما يدفعها إلى التضحية بتوازنها المالي من أجل الحفاظ على هذا الطقس.
غير أن هذا السلوك يثير في المقابل مخاوف متزايدة لدى خبراء الاقتصاد والاجتماع، الذين يحذرون من تداعيات التداين الاستهلاكي غير المدروس. فالدخول في دوامة القروض من أجل مصاريف موسمية قد يؤدي إلى تراكم الديون، خاصة في ظل غياب تخطيط مالي واضح، وارتفاع كلفة المعيشة عمومًا.
في هذا السياق، تتعالى بعض الأصوات الداعية إلى إعادة التفكير في طريقة التعاطي مع عيد الأضحى، من خلال ترسيخ ثقافة استهلاك أكثر وعيًا، وربما حتى إعادة الاعتبار للمعنى الديني الحقيقي للأضحية، القائم على الاستطاعة.
غلاء يرهق الجيوب ويكشف هشاشة السوق: انفلات الأسعار وغياب الرقابة
لم يعد ارتفاع أسعار الخضر والغلال والأسماك في تونس مجرّد ظاهرة ظرفية مرتبطة بالمواسم أو ال…
