2026-04-26

دورة جديدة من الأيام الوطنية للمطالعة والمعلومات بولاية تونس: حتـّى يكون الكتاب الرقمي والوسائط التفاعلية في خدمة المطالعة

في‭ ‬زمن‭ ‬تتزاحم‭ ‬فيه‭ ‬الشاشات‭ ‬وتتصاعد‭ ‬فيه‭ ‬وتيرة‭ ‬الاستهلاك‭ ‬الرقمي،‭ ‬تبدو‭ ‬المطالعة‭ ‬مطالبة‭ ‬اليوم،‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬أي‭ ‬وقت‭ ‬مضى،‭ ‬بابتكار‭ ‬وسائل‭ ‬جديدة‭ ‬لاستعادة‭ ‬قارئها‭ ‬المراوغ‭. ‬فلم‭ ‬يعد‭ ‬الكتاب‭ ‬وحده،‭ ‬في‭ ‬صيغته‭ ‬الورقية‭ ‬التقليدية،‭ ‬كافيًا‭ ‬لإغراء‭ ‬الأجيال‭ ‬الصاعدة،‭ ‬بل‭ ‬بات‭ ‬من‭ ‬الضروري‭ ‬تنويع‭ ‬محامل‭ ‬القراءة،‭ ‬من‭ ‬الكتاب‭ ‬الرقمي‭ ‬إلى‭ ‬الوسائط‭ ‬التفاعلية،‭ ‬ومن‭ ‬الفضاءات‭ ‬المكتبية‭ ‬الكلاسيكية‭ ‬إلى‭ ‬الفضاءات‭ ‬المفتوحة‭ ‬التي‭ ‬تمزج‭ ‬بين‭ ‬الثقافة‭ ‬والفن‭ ‬والتجربة‭ ‬الحسية‭. ‬وفي‭ ‬هذا‭ ‬السياق،‭ ‬تأتي‭ ‬الدورة‭ ‬الرابعة‭ ‬والثلاثين‭ ‬من‭ ‬الأيام‭ ‬الوطنية‭ ‬للمطالعة‭ ‬والمعلومات‭ ‬لتؤكد‭ ‬أن‭ ‬الرهان‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬فقط‭ ‬في‭ ‬توفير‭ ‬الكتاب،‭ ‬بل‭ ‬في‭ ‬إعادة‭ ‬اختراع‭ ‬العلاقة‭ ‬به‭.‬

وتحتضن‭ ‬ولاية‭ ‬تونس‭  ‬هذه‭  ‬الدورة‭ ‬تحت‭ ‬إشراف‭ ‬وزارة‭ ‬الشؤون‭ ‬الثقافية،‭ ‬وتنظيم‭ ‬إدارة‭ ‬المطالعة‭ ‬العمومية،‭ ‬من‭ ‬15‭ ‬إلى‭ ‬30‭ ‬أفريل‭ ‬2026،‭ ‬في‭ ‬تظاهرة‭ ‬تسعى‭ ‬إلى‭ ‬تحويل‭ ‬المطالعة‭ ‬إلى‭ ‬فعل‭ ‬يومي‭ ‬متجدد،‭ ‬وإلى‭ ‬تجربة‭ ‬جماعية‭ ‬تتجاوز‭ ‬صمت‭ ‬الصفحات‭ ‬إلى‭ ‬حيوية‭ ‬اللقاءات‭.‬

برنامج‭ ‬متنوع‭ ‬يراهن‭ ‬على‭ ‬القرب‭ ‬من‭ ‬القارئ

انطلقت‭ ‬التظاهرة‭ ‬يوم‭ ‬الجمعة‭ ‬17‭ ‬أفريل‭ ‬2026‭ ‬من‭ ‬المكتبة‭ ‬العمومية‭ ‬بباردو،‭ ‬حيث‭ ‬افتتح‭ ‬البرنامج‭ ‬بورشة‭ ‬مطالعة‭ ‬موجهة‭ ‬لتلاميذ‭ ‬المدارس‭ ‬تحت‭ ‬عنوان‭ ‬زانطلق‭ ‬مع‭ ‬السردس،‭ ‬تلتها‭ ‬ورشة‭ ‬مطالعة‭ ‬شبابية،‭ ‬ثم‭ ‬عرض‭ ‬فني‭ ‬يزاوج‭ ‬بين‭ ‬القراءة‭ ‬والتعبير‭ ‬الإبداعي‭..‬

وتواصلت‭ ‬الأنشطة‭ ‬يوم‭ ‬الإثنين‭ ‬20‭ ‬أفريل،‭ ‬عبر‭ ‬ورشات‭ ‬قراءة‭ ‬استهدفت‭  ‬فئات‭ ‬عمرية‭ ‬مختلفة،‭ ‬من‭ ‬بينها‭ ‬ورشة‭ ‬زالقراءة‭ ‬بين‭ ‬السطورس‭ ‬التي‭ ‬تراهن‭ ‬على‭ ‬تنمية‭ ‬الحس‭ ‬النقدي‭ ‬لدى‭ ‬الناشئة،‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬عروض‭ ‬تنشيطية‭ ‬تسعى‭ ‬إلى‭ ‬ربط‭ ‬القراءة‭ ‬بالمتعة‭ ‬والاكتشاف‭.‬

أما‭ ‬يوم‭   ‬الجمعة‭ ‬24‭ ‬أفريل،‭ ‬فقد‭ ‬حمل‭ ‬بعدًا‭ ‬فكريًا‭ ‬أكثر‭ ‬عمقًا،‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬ندوة‭ ‬علمية‭ ‬تتناول‭ ‬زالذكاء‭ ‬الاصطناعي‭ ‬ومستقبل‭ ‬القراءةس،‭ ‬وهو‭ ‬اختيار‭ ‬يعكس‭ ‬وعيًا‭ ‬بالتحولات‭ ‬الرقمية‭ ‬التي‭ ‬باتت‭ ‬تعيد‭ ‬تشكيل‭ ‬علاقة‭ ‬الإنسان‭ ‬بالمعرفة‭. ‬كما‭ ‬تتضمن‭ ‬الفعاليات‭ ‬لقاءات‭ ‬حوارية‭ ‬حول‭ ‬تجارب‭ ‬قرائية‭ ‬مميزة،‭ ‬بما‭ ‬يفتح‭ ‬المجال‭ ‬أمام‭ ‬تبادل‭ ‬الخبرات‭ ‬وتوسيع‭ ‬آفاق‭ ‬التلقي‭.‬

ويتجه‭ ‬البرنامج‭ ‬نحو‭ ‬الفضاء‭ ‬العام،‭ ‬يوم‭ ‬الثلاثاء‭ ‬28‭ ‬أفريل‭ ‬حيث‭ ‬تُنظم‭ ‬أنشطة‭ ‬تنشيطية‭ ‬خارج‭ ‬جدران‭ ‬المكتبة،‭ ‬في‭ ‬محاولة‭ ‬لكسر‭ ‬الصورة‭ ‬النمطية‭ ‬للمطالعة‭ ‬كفعل‭ ‬نخبوي‭ ‬معزول،‭ ‬وتحويلها‭ ‬إلى‭ ‬ممارسة‭ ‬يومية‭ ‬منفتحة‭ ‬على‭ ‬الشارع‭.‬

الكتاب‭ ‬في‭ ‬مواجهة‭ ‬التحولات‭ ‬الرقمية

لا‭ ‬يمكن‭ ‬قراءة‭ ‬هذه‭ ‬الدورة‭ ‬بمعزل‭ ‬عن‭ ‬السياق‭ ‬العام‭ ‬الذي‭ ‬تعيشه‭ ‬الثقافة‭ ‬اليوم‭. ‬فالعزوف‭ ‬النسبي‭ ‬عن‭ ‬الكتاب‭ ‬الورقي،‭ ‬خاصة‭ ‬لدى‭ ‬الشباب،‭ ‬يقابله‭ ‬انخراط‭ ‬متزايد‭ ‬في‭ ‬العالم‭ ‬الرقمي‭. ‬غير‭ ‬أن‭ ‬هذا‭ ‬التحول‭ ‬لا‭ ‬ينبغي‭ ‬أن‭ ‬يُقرأ‭ ‬فقط‭ ‬كتهديد،‭ ‬بل‭ ‬أيضًا‭ ‬كفرصة‭ ‬لإعادة‭ ‬التفكير‭ ‬في‭ ‬أدوات‭ ‬نشر‭ ‬المعرفة‭.‬

فالرهان‭ ‬الحقيقي‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬في‭ ‬الدفاع‭ ‬عن‭ ‬الكتاب‭ ‬ضد‭ ‬التكنولوجيا،‭ ‬بل‭ ‬في‭ ‬توظيف‭ ‬هذه‭ ‬الأخيرة‭ ‬لخدمته‭. ‬من‭ ‬هنا،‭ ‬تكتسب‭ ‬مبادرات‭ ‬مثل‭ ‬إدماج‭ ‬التطبيقات‭ ‬الرقمية‭ ‬في‭ ‬المطالعة،‭ ‬أو‭ ‬تنظيم‭ ‬ورشات‭ ‬قراءة‭ ‬تفاعلية،‭ ‬أهمية‭ ‬خاصة،‭ ‬لأنها‭ ‬تواكب‭ ‬تحولات‭ ‬الذائقة‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬تتخلى‭ ‬عن‭ ‬جوهر‭ ‬الفعل‭ ‬القرائي

المطالعة‭ ‬كفعل‭ ‬ثقافي‭ ‬واجتماعي

ما‭ ‬يميز‭ ‬برنامج‭ ‬هذه‭ ‬الدورة‭ ‬هو‭ ‬سعيه‭ ‬إلى‭ ‬إعادة‭ ‬إدماج‭ ‬المطالعة‭ ‬في‭ ‬النسيج‭ ‬الاجتماعي‭. ‬فالأنشطة‭ ‬لا‭ ‬تقتصر‭ ‬على‭ ‬الفضاءات‭ ‬الرسمية،‭ ‬بل‭ ‬تمتد‭ ‬إلى‭ ‬المدارس‭ ‬والأحياء،‭ ‬في‭ ‬محاولة‭ ‬لجعل‭ ‬القراءة‭ ‬جزءًا‭ ‬من‭ ‬الحياة‭ ‬اليومية‭. ‬كما‭ ‬أن‭ ‬تنوع‭ ‬الفئات‭ ‬المستهدفة،‭ ‬من‭ ‬الأطفال‭ ‬إلى‭ ‬الشباب،‭ ‬يعكس‭ ‬وعيًا‭ ‬بأن‭ ‬بناء‭ ‬علاقة‭ ‬مستدامة‭ ‬مع‭ ‬الكتاب‭ ‬يبدأ‭ ‬منذ‭ ‬الصغر‭.‬

ولهذا‭  ‬تبدو‭ ‬الورشات‭ ‬التفاعلية،‭ ‬والعروض‭ ‬الفنية‭ ‬المرتبطة‭ ‬بالقراءة،‭ ‬أدوات‭ ‬فعالة‭ ‬لتجاوز‭ ‬الصورة‭ ‬التقليدية‭ ‬للمكتبة،‭ ‬وتحويلها‭ ‬إلى‭ ‬فضاء‭ ‬حي‭ ‬ينبض‭ ‬بالحركة‭ ‬والإبداع‭.‬

نحو‭ ‬أفق‭ ‬جديد‭ ‬للمطالعة

لا‭ ‬شك‭ ‬أن‭ ‬الأيام‭ ‬الوطنية‭ ‬للمطالعة‭ ‬والمعلومات،‭ ‬في‭ ‬دورتها‭ ‬الرابعة‭ ‬والثلاثين،‭ ‬تمثل‭ ‬مناسبة‭ ‬لتقييم‭ ‬السياسات‭ ‬الثقافية‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬المجال،‭ ‬ولكنها‭ ‬أيضًا‭ ‬فرصة‭ ‬لطرح‭ ‬أسئلة‭ ‬جديدة‭: ‬كيف‭ ‬نجعل‭ ‬القراءة‭ ‬أكثر‭ ‬جاذبية؟‭ ‬كيف‭ ‬نعيد‭ ‬للكتاب‭ ‬مكانته‭ ‬في‭ ‬زمن‭ ‬السرعة؟‭ ‬وكيف‭ ‬نحول‭ ‬المطالعة‭ ‬من‭ ‬واجب‭ ‬مدرسي‭ ‬إلى‭ ‬رغبة‭ ‬شخصية؟

ولا‭ ‬تكمن‭ ‬الإجابة‭ ‬عن‭ ‬هذه‭ ‬الأسئلة‭ ‬في‭ ‬مبادرة‭ ‬واحدة،‭ ‬بل‭ ‬في‭ ‬تراكم‭ ‬جهود‭ ‬متعددة،‭ ‬تجمع‭ ‬بين‭ ‬المؤسسات‭ ‬الثقافية‭ ‬والتربوية،‭ ‬وتستفيد‭ ‬من‭ ‬إمكانات‭ ‬التكنولوجيا‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬تفقد‭ ‬البوصلة‭. ‬فالمطالعة،‭ ‬في‭ ‬نهاية‭ ‬المطاف،‭ ‬ليست‭ ‬مجرد‭ ‬نشاط‭ ‬ثقافي،‭ ‬بل‭ ‬هي‭ ‬شرط‭ ‬أساسي‭ ‬لبناء‭ ‬مواطن‭ ‬واعٍ،‭ ‬قادر‭ ‬على‭ ‬التفكير‭ ‬النقدي،‭ ‬وعلى‭ ‬الانخراط‭ ‬الفاعل‭ ‬في‭ ‬مجتمعه‭.‬

وبهذا‭ ‬المعنى،‭ ‬لا‭ ‬تبدو‭ ‬هذه‭ ‬التظاهرة‭ ‬مجرد‭ ‬برنامج‭ ‬أنشطة،‭ ‬بل‭ ‬مشروعًا‭ ‬ثقافيًا‭ ‬يسعى‭ ‬إلى‭ ‬إعادة‭ ‬صياغة‭ ‬علاقتنا‭ ‬بالمعرفة،‭ ‬وإلى‭ ‬فتح‭ ‬أفق‭ ‬جديد‭ ‬يكون‭ ‬فيه‭ ‬الكتاب،‭ ‬مهما‭ ‬تغيرت‭ ‬وسائطه،‭ ‬في‭ ‬قلب‭ ‬التجربة‭ ‬الإنسانية‭..‬

‫شاهد أيضًا‬

الدورة السادسة من المهرجان الدّولي للمسرح في الصحراء: من كرنفال الإفتتاح إلى أنثروبولوجيا المسرح

في‭ ‬قلب‭ ‬الجنوب‭ ‬التونسي،‭ ‬وتحديدًا‭ ‬بقرية‭ ‬القلعة‭ ‬من‭ ‬ولاية‭ ‬قبلي،‭ ‬تنطلق‭ ‬ال…