2026-05-02

المخرج والمنظّر العالمي للمسرح”أوجينو باربا” في محاضرة بتونس عودة المسرح إلى ينابيع الأداء الأولى

‭ ‬الصحافة‭ ‬اليوم‭: ‬كمال‭ ‬الشيحاوي

في‭ ‬سياق‭ ‬ثقافي‭ ‬يتّسم‭ ‬بندرة‭ ‬اللقاءات‭ ‬الحيّة‭ ‬مع‭ ‬كبار‭ ‬منظّري‭ ‬المسرح‭ ‬العالمي،‭ ‬تكتسي‭ ‬زيارة‭ ‬المخرج‭ ‬والمنظّر‭ ‬الإيطالي‭ “‬أوجينيو‭ ‬باربا‭”‬Eugenio Barba‭ ‬إلى‭ ‬تونس‭ ‬طابعًا‭ ‬استثنائيًا،‭ ‬لا‭ ‬بوصفها‭ ‬حدثًا‭ ‬عابرًا،‭ ‬بل‭ ‬باعتبارها‭ ‬لحظة‭ ‬مكثّفة‭ ‬لإعادة‭ ‬التفكير‭ ‬في‭ ‬جوهر‭ ‬الفعل‭ ‬المسرحي‭ ‬وأفقه‭ ‬المعاصر‭.‬

وتندرج‭ ‬هذه‭ ‬الزيارة‭ ‬ضمن‭ ‬مشاركته‭ ‬في‭ ‬المهرجان‭ ‬الدولي‭ ‬للمسرح‭ ‬في‭ ‬الصحراء‭ ‬بدوز،‭ ‬حيث‭ ‬يلتقي‭ ‬المسرح‭ ‬بفضائه‭ ‬البدئي،‭ ‬الصحراء،‭ ‬في‭ ‬تماهٍ‭ ‬رمزي‭ ‬مع‭ ‬مشروع‭ ‬باربا‭ ‬القائم‭ ‬على‭ ‬العودة‭ ‬إلى‭ ‬ينابيع‭ ‬الأداء‭ ‬الأولى‭.‬

ضمن‭ ‬هذا‭ ‬الإطار،‭ ‬يحتضن‭ ‬فضاء‭ ‬قاعة‭ ‬الأوبرا‭ ‬بمدينة‭ ‬الثقافة‭ ‬لقاءً‭ ‬فكريًا‭ ‬وفنيًا‭ ‬رفيع‭ ‬المستوى‭ ‬يتمثّل‭ ‬في‭ ‬محاضرةذماستر‭ ‬كلاس‭ ‬يؤثّثها‭ ‬باربا،‭ ‬وذلك‭ ‬يوم‭ ‬الثلاثاء‭ ‬5‭ ‬ماي‭ ‬2026‭ ‬من‭ ‬الساعة‭ ‬التاسعة‭ ‬صباحًا‭ ‬إلى‭ ‬منتصف‭ ‬النهار،‭ ‬بفضاء‭ ‬مسرح‭ ‬المبدعين‭ ‬الشبان‭  ‬بمدينة‭ ‬الثقافة‭ ‬الشاذلي‭ ‬القليبي‭. ‬وهي‭ ‬محاضرة‭ ‬مفتوحة‭ ‬للعموم،‭ ‬موجّهة‭ ‬إلى‭ ‬الطلبة‭ ‬والأساتذة‭ ‬والممارسين‭ ‬والهواة،‭ ‬في‭ ‬خطوة‭ ‬تعكس‭ ‬وعيًا‭ ‬مؤسساتيًا‭ ‬بأهمية‭ ‬نقل‭ ‬المعرفة‭ ‬وتداول‭ ‬الخبرات‭.‬

مكانة‭ “‬باربا‭” ‬في‭ ‬المسرح‭ ‬العالمي

ولا‭ ‬يمكن‭ ‬مقاربة‭ ‬تجربة‭ “‬باربا‭” ‬دون‭ ‬استحضار‭ ‬مكانته‭ ‬المفصلية‭ ‬في‭ ‬تاريخ‭ ‬المسرح‭ ‬المعاصر‭. ‬فهو‭ ‬مؤسّس‭ ‬فرقة‭ ‬Odin Teatret‭ ‬سنة‭ ‬1964،‭ ‬تلك‭ ‬التي‭ ‬تحوّلت‭ ‬سريعًا‭ ‬إلى‭ ‬مختبر‭ ‬عالمي‭ ‬للبحث‭ ‬المسرحي،‭ ‬قائم‭ ‬على‭ ‬التجريب‭ ‬الدائم‭ ‬وتفكيك‭ ‬أنماط‭ ‬الأداء‭ ‬التقليدية‭. ‬كما‭ ‬أنّ‭ ‬مسيرته‭ ‬ارتبطت‭ ‬منذ‭ ‬بداياتها‭ ‬بتجربة‭ ‬المخرج‭ ‬البولندي‭ “‬قروتوفسكي‭” ‬Jerzy Grotowski،‭ ‬حيث‭ ‬تشرّب‭ ‬منه‭ ‬مفهوم‭ ‬زالمسرح‭ ‬الفقيرس‭ ‬الذي‭ ‬يعلي‭ ‬من‭ ‬شأن‭ ‬الجسد‭ ‬بوصفه‭ ‬أداة‭ ‬التعبير‭ ‬القصوى‭.‬

غير‭ ‬أنّ‭ ‬باربا‭ ‬لم‭ ‬يكتفِ‭ ‬بالامتداد‭ ‬داخل‭ ‬هذا‭ ‬الأفق،‭ ‬بل‭ ‬عمل‭ ‬على‭ ‬توسيعه‭ ‬عبر‭ ‬تأسيس‭ ‬المدرسة‭ ‬الدولية‭ ‬للأنثروبولوجيا‭ ‬المسرحية‭ ‬International School of Theatre Anthropology،‭ ‬وهي‭ ‬فضاء‭ ‬بحثي‭ ‬يعنى‭ ‬بدراسة‭ ‬القواسم‭ ‬المشتركة‭ ‬في‭ ‬تقنيات‭ ‬أداء‭ ‬الممثل‭ ‬عبر‭ ‬الثقافات‭. ‬ومن‭ ‬هنا‭ ‬تتشكّل‭ ‬خصوصية‭ ‬مشروعه‭: ‬مسرح‭ ‬عابر‭ ‬للحدود،‭ ‬يستلهم‭ ‬من‭ ‬طقوس‭ ‬آسيا،‭ ‬وذاكرة‭ ‬أمريكا‭ ‬اللاتينية،‭ ‬وتراث‭ ‬أوروبا،‭ ‬ليصوغ‭ ‬لغة‭ ‬هجينة،‭ ‬كثيفة،‭ ‬ومشحونة‭ ‬بالدلالات‭.‬

إنّ‭ ‬حضور‭ ‬باربا‭ ‬في‭ ‬تونس،‭ ‬ولقائه‭ ‬المباشر‭ ‬مع‭ ‬الطلبة‭ ‬والأساتذة،‭ ‬يتجاوز‭ ‬البعد‭ ‬البيداغوجي‭ ‬إلى‭ ‬رهانات‭ ‬أعمق‭. ‬فالمسألة‭ ‬لا‭ ‬تتعلّق‭ ‬فقط‭ ‬بنقل‭ ‬تقنيات‭ ‬أو‭ ‬عرض‭ ‬تجارب،‭ ‬بل‭ ‬بفتح‭ ‬أفق‭ ‬نقدي‭ ‬يضع‭ ‬الممارسة‭ ‬المسرحية‭ ‬المحلية‭ ‬في‭ ‬مواجهة‭ ‬أسئلة‭ ‬كبرى‭: ‬ما‭ ‬معنى‭ ‬أن‭ ‬نكون‭ ‬ممثلين‭ ‬اليوم؟‭ ‬كيف‭ ‬يمكن‭ ‬للجسد‭ ‬أن‭ ‬يستعيد‭ ‬مركزيته‭ ‬في‭ ‬زمن‭ ‬الصورة؟‭ ‬وأيّ‭ ‬مسرح‭ ‬نحتاجه‭ ‬في‭ ‬سياق‭ ‬عربي‭ ‬مأزوم‭ ‬ثقافيًا‭ ‬وسياسيًا؟

من‭ ‬هذا‭ ‬المنظور،‭ ‬تكتسب‭ ‬هذه‭ ‬المحاضرة‭ ‬أهميتها‭ ‬بوصفها‭ ‬فضاءً‭ ‬للحوار‭ ‬والتفكير‭ ‬الجماعي‭. ‬ف‭”‬باربا‭”‬،‭ ‬الذي‭ ‬جعل‭ ‬من‭ ‬المسرح‭ ‬أداة‭ ‬للبحث‭ ‬في‭ ‬الذاكرة‭ ‬والهوية‭ ‬والمنفى،‭ ‬يقترح‭ ‬دائمًا‭ ‬مقاربة‭ ‬ترى‭ ‬في‭ ‬الخشبة‭ ‬مكانًا‭ ‬للعبور،‭ ‬لا‭ ‬للتمثيل‭ ‬فحسب‭. ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يلتقي،‭ ‬بشكل‭ ‬أو‭ ‬بآخر،‭ ‬مع‭ ‬روح‭ ‬فضاء‭ ‬مدينة‭ ‬الثقافة‭ ‬التي‭ ‬تحتضن‭ ‬هذا‭ ‬اللقاء،‭ ‬باعتبارها‭ ‬فضاءً‭ ‬جامعًا‭ ‬للتجارب‭ ‬والتقاطعات‭.‬

دعوة‭ ‬المهرجان‭ ‬الدّولي‭ ‬للمسرح‭ ‬في‭ ‬الصحراء

ولعلّ‭ ‬تزامن‭ ‬هذه‭ ‬المحاضرة‭ ‬مع‭ ‬فعاليات‭ ‬مهرجان‭ ‬المسرح‭ ‬الصحراوي‭ ‬بدوز‭ ‬يمنحها‭ ‬بعدًا‭ ‬إضافيًا،‭ ‬حيث‭ ‬يتجاور‭ ‬المختبر‭ ‬النظري‭ ‬مع‭ ‬الفعل‭ ‬الفرْجوي‭ ‬في‭ ‬فضاء‭ ‬مفتوح،‭ ‬بما‭ ‬يعيد‭ ‬الاعتبار‭ ‬إلى‭ ‬فكرة‭ ‬المسرح‭ ‬كاحتفال‭ ‬جماعي‭ ‬وطقس‭ ‬إنساني‭ ‬أصيل‭.‬

في‭ ‬النهاية،‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬النظر‭ ‬إلى‭ ‬هذا‭ ‬الحدث‭ ‬إلا‭ ‬كفرصة‭ ‬نادرة‭ ‬للإنصات‭ ‬إلى‭ ‬أحد‭ ‬آخر‭ ‬كبار‭ ‬الحالمين‭ ‬بالمسرح،‭ ‬أولئك‭ ‬الذين‭ ‬لم‭ ‬يتخلّوا‭ ‬عن‭ ‬إيمانهم‭ ‬بقدرته‭ ‬على‭ ‬التغيير‭. ‬وهي‭ ‬دعوة‭ ‬إلى‭ ‬التفكير،‭ ‬وربما‭ ‬إلى‭ ‬إعادة‭ ‬البدء‭.‬

‫شاهد أيضًا‬

ملتقى دولي في الحمامات تحت عنوان” الجهات والتراث الثقافي غير المادّي”: من أجل منح الجهات المكانة التي تستحقها في المشهد الثقافي

في‭ ‬لحظة‭ ‬ثقافية‭ ‬تتجدّد‭ ‬فيها‭ ‬أسئلة‭ ‬الهوية‭ ‬والذاكرة،‭ ‬وتتصاعد‭ ‬فيها‭ ‬الحاجة‭…