2026-05-03

انطلق العمل به أول ماي الجاري ويخص 53 دولة إفريقية : هل تستفيد تونس اقتصاديا من سياسة «صفر رسوم جمركية» الصينية؟

الصحافة اليوم :خالصة حمروني

ألغت الصين ابتداء من اول امس الجمعة 1 ماي 2026 الرسوم الجمركية على واردات 53 دولة أفريقية، في خطوة واسعة تُعد من أبرز التحولات في سياستها التجارية تجاه القارة. وتهدف هذه المبادرة، حسب التوجهات العامة لبكين، إلى تعزيز الانفتاح الاقتصادي على إفريقيا، وتسهيل نفاذ صادراتها إلى السوق الصينية، بما يدعم موقعها كشريك اقتصادي أول للقارة السمراء من جهة وإلى منافسة القوى الاقتصادية التقليدية على النفوذ داخل القارة من جهة أخرى.

وحسب هذا التوجه الذي أطلق عليه البعض سياسة «صفر رسوم جمركية»، تراهن الصين على خلق بيئة تجارية أكثر انفتاحًا مع الدول الإفريقية، بما يسمح بزيادة تدفق السلع من القارة نحو السوق الصينية، ويفتح المجال أمام إعادة توازن تدريجي في العلاقات التجارية، ولو بشكل نسبي، بين الطرفين.

وبحكم أن تونس تُعد من البلدان الإفريقية التي تربطها علاقات تجارية هامة مع الصين، فإن هذا القرار يكتسي أهمية خاصة بالنسبة إليها. فالعلاقات الاقتصادية بين البلدين عرفت خلال السنوات الأخيرة توسعًا ملحوظًا من حيث حجم المبادلات، لكنها بقيت غير متوازنة بشكل واضح لصالح الصين. وتشير المعطيات إلى أن حجم التبادل التجاري بين تونس والصين يناهز 1.8 مليار دولار، في حين لا تتجاوز الصادرات التونسية نحو هذا السوق 217 مليون دينار، وهو ما يعكس فجوة كبيرة في الميزان التجاري وعجزًا مستمرًا لفائدة الجانب الصيني.

كما أن هيكل المبادلات يكشف اعتماد تونس بشكل كبير على الواردات الصينية التي تمثل الجزء الأكبر من التجارة الثنائية، مقابل صادرات محدودة تتركز أساسًا في منتجات فلاحية وغذائية مثل زيت الزيتون والتمور وبعض المنتجات البحرية. وقد بلغ معدل نمو الصادرات التونسية نحو السوق الصينية حوالي 5% سنويًا في بعض الفترات، لكنه يظل غير كافٍ لتقليص الفجوة التجارية الكبيرة القائمة بين الجانبين.

في هذا السياق، يرى البعض من أساتذة الاقتصاد أن قرار إلغاء الرسوم الجمركية قد يفتح فرص جديدة أمام الاقتصاد التونسي، خاصة من حيث تحسين نفاذ بعض المنتجات التونسية إلى السوق الصينية، التي تُعد من أكبر الأسواق الاستهلاكية في العالم. فإلغاء الحواجز الجمركية قد يساهم في تعزيز تنافسية المنتجات التونسية من حيث السعر، ويمنحها فرصة أكبر للتموقع في قطاعات تمتلك فيها تونس إمكانيات نسبية، خصوصًا المنتجات الفلاحية ذات الجودة العالية.

من الإيجابيات الأخرى، يمكن أن يوفر هذا الانفتاح المجال لتونس لتنويع شركائها التجاريين وعدم الاعتماد بشكل كبير على الأسواق الأوروبية التقليدية، مما يمنح الاقتصاد التونسي مرونة أكبر ويقلل من تأثير التقلبات في أي سوق واحدة.

غير أن هذه الفرصة تبقى مشروطة بعدة عوامل أساسية، في مقدمتها قدرة المؤسسات التونسية على رفع الإنتاج وتحسين الجودة والامتثال للمعايير الصارمة التي تفرضها السوق الصينية التي لا تعتمد فقط على السعر، بل تفرض معايير صارمة في الجودة والسلامة والتغليف. الامر الذي يجبر الشركات التونسية على رفع مستوى منتجاتها وتحسين قدرتها على التصدير إلى أسواق عالمية أخرى أيضًا

كما أن محدودية التنوع في الصادرات التونسية تمثل عائقًا إضافيًا أمام الاستفادة الكاملة من هذا الانفتاح، في ظل اعتماد كبير على عدد محدود من المنتجات التقليدية.

من جهة أخرى، يثير هذا الانفتاح مخاوف تتعلق بزيادة حدة المنافسة داخل السوق المحلية، خاصة مع تدفق أكبر للمنتجات الصينية منخفضة التكلفة، ما قد يضع ضغوطًا إضافية على بعض المؤسسات الصناعية التونسية، خصوصًا الصغيرة والمتوسطة منها. كما أن استمرار العجز التجاري مع الصين قد يظل قائمًا، إذا لم يرافق هذا الانفتاح التسريع في نسق الصادرات وتنويعها مقارنة بالواردات.

بناءً على ذلك، فإن تأثير قرار إلغاء الرسوم الجمركية على تونس «إيجابيا» يبقى رهين استعداد الاقتصاد التونسي للاستفادة من هذا التحول. فالمسألة لا تتعلق فقط بفتح الأسواق، بل بقدرة الفاعلين الاقتصاديين على اقتناص الفرص و تطوير أدوات الإنتاج والتسويق وتعزيز الحضور في الأسواق العالمية.

عموما، يمثل هذا القرار الصيني فرصة استراتيجية محتملة لتونس، لكنه في الوقت نفسه يمثل اختبارا حقيقيا لمدى قدرة الاقتصاد الوطني على التحول من اقتصاد يعتمد على الواردات إلى اقتصاد أكثر قدرة على التصدير والمنافسة في أسواق كبرى مثل السوق الصينية.

‫شاهد أيضًا‬

من المتوقع أن ترتفع أسعار الأسمدة بـ٪31 سنة 2026: ضغط متزايد على الفلاحة في تونس وحاجة إلى حلول هيكلية

تُشير تقديرات البنك الدولي إلى أن أسعار الأسمدة مرشحة للارتفاع بنحو 31% خلال سنة 2026 نتيج…