ملتقى دولي في الحمامات تحت عنوان” الجهات والتراث الثقافي غير المادّي”: من أجل منح الجهات المكانة التي تستحقها في المشهد الثقافي
في لحظة ثقافية تتجدّد فيها أسئلة الهوية والذاكرة، وتتصاعد فيها الحاجة إلى إعادة التفكير في علاقة الجهات بتراثها، تحتضن مدينة الحمّامات يومي 8 و9 ماي 2026 ملتقى دوليا بعنوان “الجهات والتراث الثقافي غير المادي: الديناميات، الرهانات والآفاق”، بمشاركة ثلّة من الباحثين والخبراء من تونس وخارجها، في تظاهرة علمية تسعى إلى إعادة الاعتبار لما هو هامشي ومسكوت عنه في الخريطة الثقافية الوطنية.
ينطلق الملتقى صباح الجمعة 8 ماي بجلسة افتتاحية تتوزع بين كلمات رسمية تؤكد البعد الاستراتيجي لهذا اللقاء، حيث تلقي وزيرة الشؤون الثقافية كلمة الافتتاح، تليها مداخلات لممثلي المؤسسات المنظمة، من بينها مركز القصر السعيد وكرسي الإيسيسكو ابن خلدون ووكالة إحياء التراث والتنمية الثقافية، بما يعكس الطابع التشاركي لهذا المشروع العلمي.
غير أن اللحظة المفصلية في هذا الافتتاح تتجسد في المحاضرة الافتتاحية التي يؤمّنها الأستاذ الناصر بقلوطي، تحت عنوان: “التراث الثقافي غير المادي: عناصر مسجلة ومجالية ذ حالة تونس”. وهي محاضرة يُنتظر أن تضع الإطار النظري العام للملتقى، من خلال مساءلة علاقة التراث بالمجال، وكيفية إدراجه ضمن السياسات الثقافية الوطنية، خاصة في ضوء التجارب التونسية في تسجيل عناصر من التراث ضمن القوائم الدولية.
الإطار المفاهيمي: من اليونسكو إلى الواقع المحلي
تتواصل أشغال اليوم الأول مع الجلسة العلمية الأولى التي تنتظم تحت عنوان “الإطار المفاهيمي والنظري للتراث الثقافي غير المادي”، حيث يتم استحضار المرجعيات الدولية، وعلى رأسها اتفاقية اليونسكو لسنة 2003، بوصفها أرضية لفهم هذا المفهوم وتحولاته.
وفي هذا السياق، يقدّم الأستاذ عماد بن صولة (منظمة الإيسيسكو) مداخلة بعنوان “التراث الحي والمرجعيات التراثية: تفكك العلاقة التقليدية”، وهي ورقة تفكك التحولات التي طرأت على مفهوم التراث، من كونه معطى ثابتا إلى كونه ممارسة حية تخضع لإعادة التأويل.
كما تتناول الأستاذة مفيدة جبران تجربة ليبيا في الانضمام إلى اتفاقية 2003، من خلال مداخلة تسائل إمكانيات تأسيس إطار وطني ومؤسساتي لصون التراث، في حين يذهب الأستاذ مصطفى جاد (أكاديمية الفنون ذ مصر) إلى النظر في التراث غير المادي كأداة للتواصل داخل المجتمعات المحلية، بما يعيد الاعتبار لوظيفته الاجتماعية.
أما مداخلة الأستاذة آسيا عروس، فتقترح زاوية مختلفة من خلال ربط اللامادي بالمادي، عبر عنوان دال: “اللامادي والمادة الأولى: الأرض”، في محاولة لإعادة التفكير في العلاقة الجدلية بين الإنسان ومحيطه.
من التنظير إلى الرهانات العملية
لا يكتفي الملتقى بالانشغال بالبعد النظري، بل ينفتح على رهانات عملية تتعلق بكيفية صون هذا التراث وتثمينه، خاصة في ظل التحديات التي تفرضها العولمة وتغيّر أنماط العيش. فالنقاشات المنتظرة خلال الجلسات تسعى إلى الإجابة عن أسئلة ملحّة: كيف يمكن حماية التراث دون تجميده؟ وكيف يمكن إدماجه في الدورة الاقتصادية دون تشويهه؟
كما يبرز من خلال البرنامج حرص واضح على ربط التراث بالجهات، لا باعتبارها مجرد فضاءات جغرافية، بل كحاملات لذاكرة حية، تتجسد في العادات والتقاليد والممارسات اليومية. وهو ما يجعل من هذا الملتقى دعوة صريحة إلى تجاوز المركزية الثقافية، والانفتاح على تعددية التعبيرات الجهوية.
نحو كتابة جديدة للذاكرة الثقافية
في العمق، يبدو هذا الملتقى أقرب إلى محاولة لكتابة جديدة للذاكرة الثقافية، كتابة تنطلق من الهامش لتعيد تشكيل المركز، ومن المحلي لتعيد مساءلة الوطني. فالتراث غير المادي، بما يحمله من سرديات صغرى وتفاصيل يومية، يمثل خزانا لا ينضب من المعاني، لكنه يظل مهدّدا بالنسيان ما لم يُدرج ضمن رؤية ثقافية شاملة.
ومن هنا، تكتسي أهمية هذا اللقاء الذي يجمع بين البحث الأكاديمي والخبرة الميدانية، في أفق بلورة تصورات جديدة لسياسات ثقافية أكثر عدلا وتوازنا، تعترف بدور الجهات وتمنحها المكانة التي تستحقها في المشهد الثقافي.
ليس هذا الملتقى مجرد تظاهرة علمية عابرة، بل هو، في أحد وجوهه، تمرين على الإنصات: الإنصات إلى أصوات الجهات، إلى ذاكرة الناس، إلى ما يتوارثونه من حكايات وممارسات. وهو بذلك يفتح أفقا لنقاش يتجاوز حدود الأكاديميا، ليطال جوهر العلاقة بين الثقافة والمجتمع.
بهذا المعنى، يتحول لقاء الحمّامات إلى لحظة تأمل جماعي في معنى التراث، وفي دوره في بناء المستقبل، لا بوصفه ماضيا يُستعاد، بل كقوة حية قادرة على التجدد والاستمرار.
المخرج والمنظّر العالمي للمسرح”أوجينو باربا” في محاضرة بتونس عودة المسرح إلى ينابيع الأداء الأولى
الصحافة اليوم: كمال الشيحاوي في سياق ثقافي يتّسم بندرة اللقاءات الحيّ…
