2026-05-08

سحب القوات الأمريكية من ألمانيا بداية عصر أوروبي بلا حماية أمريكية؟

الصحافة‭ ‬اليوم‭:‬كريمة‭ ‬دغراش

لان‭ ‬الجيوش‭ ‬الكبرى‭ ‬لا‭ ‬تتحرك‭ ‬بلا‭ ‬رسائل‭ ‬ولان‭ ‬القواعد‭ ‬العسكرية‭ ‬لا‭ ‬تغلق‭ ‬او‭ ‬يخفض‭ ‬عدد‭ ‬جنودها‭ ‬بلا‭ ‬دوافع،‭ ‬فإن‭ ‬قرار‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬سحب‭ ‬جزء‭ ‬من‭ ‬قواتها‭ ‬المتمركزة‭ ‬في‭ ‬ألمانيا‭ ‬لا‭ ‬يبدو‭ ‬مجرد‭ ‬إجراء‭ ‬عسكري‭ ‬روتيني‭ ‬أو‭ ‬إعادة‭ ‬تموضع‭ ‬تقني‭ ‬داخل‭ ‬خارطة‭ ‬الانتشار‭ ‬الأمريكي‭ ‬في‭ ‬أوروبا‭ ‬فالسياسة‭ ‬قد‭ ‬تكون‭ ‬سبقت‭ ‬الدبابات‭ ‬بخطوة‭ ‬هذه‭ ‬المرة‭.‬

لعقود‭ ‬طويلة‭ ‬شكّلت‭ ‬ألمانيا‭ ‬القلب‭ ‬النابض‭ ‬للحضور‭ ‬العسكري‭ ‬الأمريكي‭ ‬في‭ ‬القارة‭ ‬الأوروبية،‭ ‬ليس‭ ‬فقط‭ ‬لحماية‭ ‬أوروبا‭ ‬الغربية‭ ‬من‭ ‬التهديد‭ ‬السوفييتي‭ ‬سابقا،‭ ‬بل‭ ‬أيضا‭ ‬كعنوان‭ ‬لتكريس‭ ‬زعامة‭ ‬واشنطن‭ ‬للمعسكر‭ ‬الغربي‭ ‬بأكمله‭. ‬

ومن‭ ‬هذا‭ ‬المنطلق‭ ‬يطرح‭ ‬فإن‭ ‬واشنطن‭ ‬لوجودها‭ ‬العسكري‭ ‬في‭ ‬ألمانيا‭ ‬قرار‭ ‬له‭ ‬تداعياته‭ ‬ورسائله‭ ‬السياسية‭ ‬خصوصا‭ ‬من‭ ‬حيث‭ ‬التوقيت‭.‬

ربما‭ ‬تكون‭ ‬الرسالة‭ ‬الأولى‭ ‬التي‭ ‬يبعث‭ ‬بها‭ ‬هذا‭ ‬القرار‭ ‬الأميركي‭ ‬الجديد‭ ‬موجهة‭ ‬إلى‭ ‬الأوروبيين‭ ‬أنفسهم،‭ ‬فواشنطن،‭ ‬التي‭ ‬تحملت‭ ‬لعقود‭ ‬العبء‭ ‬الأكبر‭ ‬داخل‭ ‬حلف‭ ‬شمال‭ ‬الأطلسي،‭ ‬باتت‭ ‬ترى‭ ‬مع‭ ‬عودة‭ ‬ترامب‭ ‬للبيت‭ ‬الابيض‭ ‬أن‭ ‬أوروبا‭ ‬مطالبة‭ ‬اليوم‭ ‬بدفع‭ ‬كلفة‭ ‬أمنها‭ ‬بنفسها‭.‬

وليس‭ ‬وحده‭ ‬الرئيس‭ ‬ترامب‭ ‬من‭ ‬صرح‭ ‬بذلك‭ ‬فالإدارات‭ ‬المتعاقبة‭ ‬على‭ ‬البيت‭ ‬الأبيض‭ ‬كانت‭ ‬تلمح‭ ‬إلى‭ ‬ذلك‭ ‬وان‭ ‬لم‭ ‬تتخذ‭ ‬خطوات‭ ‬عملية‭ ‬في‭ ‬اتجاه‭ ‬دفع‭ ‬أوروبا‭ ‬نحو‭ ‬هذه‭ ‬الخطوة‭.‬

‭ ‬أما‭ ‬الرسالة‭ ‬الثانية‭ ‬فقد‭ ‬تكون‭ ‬موسكو‭ ‬عنوانها‭ ‬فواشنطن‭ ‬ربما‭ ‬تريد‭ ‬أن‭ ‬تبلغ‭ ‬خصمها‭ ‬التقليدي‭ ‬أنها‭ ‬قادرة‭ ‬على‭ ‬إعادة‭ ‬توزيع‭ ‬قواتها‭ ‬بسرعة‭ ‬وفق‭ ‬أولويات‭ ‬جديدة،‭ ‬خصوصا‭ ‬نحو‭ ‬شرق‭ ‬أوروبا‭ ‬أو‭ ‬نحو‭ ‬آسيا‭ ‬والمحيط‭ ‬الهادئ‭ ‬حيث‭ ‬الصعود‭ ‬الصيني‭ ‬المتسارع‭. ‬

لكن‭ ‬الرسالة‭ ‬الثالثة‭ ‬قد‭ ‬تكون‭ ‬كامنة‭ ‬وراء‭ ‬ما‭ ‬يعيشه‭ ‬العالم‭ ‬من‭ ‬تحولات‭ ‬تدفع‭ ‬واشنطن‭ ‬إلى‭ ‬إعادة‭ ‬تقييم‭ ‬خياراتها‭ ‬وأولوياتها‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬كشفت‭ ‬عنه‭ ‬استراتيجية‭ ‬الأمن‭ ‬القومي‭ ‬التي‭ ‬اعلنها‭ ‬الرئيس‭ ‬ترامب‭ ‬قبل‭ ‬اشهر‭ ‬حيث‭ ‬نقلت‭ ‬اميركا‭ ‬تركيزها‭ ‬بشكل‭ ‬كبير‭ ‬نحو‭ ‬المناطق‭ ‬التي‭ ‬تعرف‭ ‬فيها‭ ‬منافسة‭ ‬صينية‭ ‬بما‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬المحيط‭ ‬الهادئ‭ ‬ربما‭ ‬ترى‭ ‬واشنطن‭ ‬أنها‭ ‬الخطر‭ ‬الحقيقي‭ ‬على‭ ‬زعامتها‭ ‬الاقتصادية‭ ‬والتكنولوجية‭ ‬والعسكرية‭ ‬للعالم‭. ‬

الانتخابات‭ ‬النصفية‭ ‬للكونغرس‭ ‬والتي‭ ‬يجمع‭ ‬الكل‭ ‬على‭ ‬انها‭ ‬الاختبار‭ ‬الجدي‭ ‬الحقيقي‭ ‬لشعبية‭ ‬ترامب‭ ‬في‭ ‬عامه‭ ‬الثاني‭ ‬من‭ ‬ولايته‭ ‬الثانية‭ ‬لا‭ ‬تبدو‭ ‬بعيدة‭ ‬عن‭ ‬قرار‭ ‬خفضه‭ ‬للوجود‭ ‬العسكري‭ ‬في‭ ‬المانيا‭ ‬فالنخب‭ ‬السياسية‭ ‬الأمريكية‭ ‬باتت‭ ‬أكثر‭ ‬حساسية‭ ‬تجاه‭ ‬الإنفاق‭ ‬الخارجي،‭ ‬خصوصا‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬التضخم‭ ‬والأزمات‭ ‬الاقتصادية‭ ‬والاستقطاب‭ ‬الداخلي‭ ‬الحاد‭ ‬ومع‭ ‬تواصل‭ ‬الحرب‭ ‬ضد‭ ‬ايران‭ ‬وتداعياتها‭ ‬على‭ ‬جيب‭ ‬الناخب‭ ‬الأمريكي‭ ‬العادي‭ ‬الذي‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬مقتنعا‭ ‬بجدوى‭ ‬انتشار‭ ‬عشرات‭ ‬الآلاف‭ ‬من‭ ‬الجنود‭ ‬في‭ ‬قواعد‭ ‬بعيدة،‭ ‬بينما‭ ‬تواجه‭ ‬بلاده‭ ‬تحديات‭ ‬اجتماعية‭ ‬واقتصادية‭ ‬متفاقمة‭.‬

ومع‭ ‬اختلاف‭ ‬الرسائل‭ ‬التي‭ ‬يبعث‭ ‬بها‭ ‬خفض‭ ‬اميركا‭ ‬لحضورها‭ ‬العسكري‭ ‬في‭ ‬المانيا‭ ‬فإن‭ ‬النتيجة‭ ‬الثابتة‭ ‬هي‭ ‬أن‭ ‬أوروبا‭ ‬تجد‭ ‬نفسها‭ ‬اليوم‭ ‬أمام‭ ‬اختبار‭ ‬جدي‭ ‬يهم‭ ‬قدرتها‭ ‬على‭ ‬بناء‭ ‬استقلال‭ ‬دفاعي‭ ‬حقيقي‭ ‬بعيدا‭ ‬عن‭ ‬العباءة‭ ‬الأمريكية‭ ‬يأتي‭ ‬ذلك‭ ‬في‭ ‬ما‭ ‬تراقب‭ ‬موسكو‭ ‬عن‭ ‬كثب‭ ‬قرارات‭ ‬واشنطن‭ ‬مقدرة‭ ‬أن‭ ‬أي‭ ‬انكفاء‭ ‬أمريكي‭ ‬قد‭ ‬يكون‭ ‬فرصة‭ ‬لتعزيز‭ ‬نفوذها‭ ‬ومضاعفة‭ ‬الضغط‭ ‬على‭ ‬الجبهة‭ ‬الشرقية‭ ‬لأوروبا‭. ‬

‫شاهد أيضًا‬

مأزق‭ ‬ترامب‭ ‬في‭ ‬إيران‭ ‬ لا‭ ‬خيار‭ ‬سوى‭ ‬فصل‭ ‬الملفات

ربما‭ ‬يكون‭ ‬من‭ ‬المبكر‭ ‬الحديث‭ ‬عن‭ ‬رابح‭ ‬وخاسر‭ ‬في‭ ‬الحرب‭ ‬الدائرة‭ ‬في‭ ‬منطقة…