سحب القوات الأمريكية من ألمانيا بداية عصر أوروبي بلا حماية أمريكية؟
الصحافة اليوم:كريمة دغراش
لان الجيوش الكبرى لا تتحرك بلا رسائل ولان القواعد العسكرية لا تغلق او يخفض عدد جنودها بلا دوافع، فإن قرار الولايات المتحدة سحب جزء من قواتها المتمركزة في ألمانيا لا يبدو مجرد إجراء عسكري روتيني أو إعادة تموضع تقني داخل خارطة الانتشار الأمريكي في أوروبا فالسياسة قد تكون سبقت الدبابات بخطوة هذه المرة.
لعقود طويلة شكّلت ألمانيا القلب النابض للحضور العسكري الأمريكي في القارة الأوروبية، ليس فقط لحماية أوروبا الغربية من التهديد السوفييتي سابقا، بل أيضا كعنوان لتكريس زعامة واشنطن للمعسكر الغربي بأكمله.
ومن هذا المنطلق يطرح فإن واشنطن لوجودها العسكري في ألمانيا قرار له تداعياته ورسائله السياسية خصوصا من حيث التوقيت.
ربما تكون الرسالة الأولى التي يبعث بها هذا القرار الأميركي الجديد موجهة إلى الأوروبيين أنفسهم، فواشنطن، التي تحملت لعقود العبء الأكبر داخل حلف شمال الأطلسي، باتت ترى مع عودة ترامب للبيت الابيض أن أوروبا مطالبة اليوم بدفع كلفة أمنها بنفسها.
وليس وحده الرئيس ترامب من صرح بذلك فالإدارات المتعاقبة على البيت الأبيض كانت تلمح إلى ذلك وان لم تتخذ خطوات عملية في اتجاه دفع أوروبا نحو هذه الخطوة.
أما الرسالة الثانية فقد تكون موسكو عنوانها فواشنطن ربما تريد أن تبلغ خصمها التقليدي أنها قادرة على إعادة توزيع قواتها بسرعة وفق أولويات جديدة، خصوصا نحو شرق أوروبا أو نحو آسيا والمحيط الهادئ حيث الصعود الصيني المتسارع.
لكن الرسالة الثالثة قد تكون كامنة وراء ما يعيشه العالم من تحولات تدفع واشنطن إلى إعادة تقييم خياراتها وأولوياتها وهو ما كشفت عنه استراتيجية الأمن القومي التي اعلنها الرئيس ترامب قبل اشهر حيث نقلت اميركا تركيزها بشكل كبير نحو المناطق التي تعرف فيها منافسة صينية بما في ذلك المحيط الهادئ ربما ترى واشنطن أنها الخطر الحقيقي على زعامتها الاقتصادية والتكنولوجية والعسكرية للعالم.
الانتخابات النصفية للكونغرس والتي يجمع الكل على انها الاختبار الجدي الحقيقي لشعبية ترامب في عامه الثاني من ولايته الثانية لا تبدو بعيدة عن قرار خفضه للوجود العسكري في المانيا فالنخب السياسية الأمريكية باتت أكثر حساسية تجاه الإنفاق الخارجي، خصوصا في ظل التضخم والأزمات الاقتصادية والاستقطاب الداخلي الحاد ومع تواصل الحرب ضد ايران وتداعياتها على جيب الناخب الأمريكي العادي الذي لم يعد مقتنعا بجدوى انتشار عشرات الآلاف من الجنود في قواعد بعيدة، بينما تواجه بلاده تحديات اجتماعية واقتصادية متفاقمة.
ومع اختلاف الرسائل التي يبعث بها خفض اميركا لحضورها العسكري في المانيا فإن النتيجة الثابتة هي أن أوروبا تجد نفسها اليوم أمام اختبار جدي يهم قدرتها على بناء استقلال دفاعي حقيقي بعيدا عن العباءة الأمريكية يأتي ذلك في ما تراقب موسكو عن كثب قرارات واشنطن مقدرة أن أي انكفاء أمريكي قد يكون فرصة لتعزيز نفوذها ومضاعفة الضغط على الجبهة الشرقية لأوروبا.
مأزق ترامب في إيران لا خيار سوى فصل الملفات
ربما يكون من المبكر الحديث عن رابح وخاسر في الحرب الدائرة في منطقة…
