حين يصبح ا لمختبر قضية وطن: البحث السريري بوّابة تونس إلى السيادة الصحية
الصحافة اليوم : عادل البرينصي
في عالمٍ لم تعد فيه الحروب تُخاض بالسلاح فقط، بل بالدواء والمعرفة والتكنولوجيا، لم يعد البحث السريري نشاطاً معزولاً داخل الجامعات أو المستشفيات. لقد تحول إلى جزء من الأمن القومي للدول و البلدان التي تُنتج المعرفة الطبية اليوم، لا تعالج مرضاها فقط، بل تصنع نفوذها أيضاً.
من هنا تكتسب تصريحات وزير الصحة مصطفى الفرجاني، خلال افتتاح اليوم العلمي المنظم ببيت الحكمة بمناسبة اليوم العالمي للبحث السريري، أهمية تتجاوز الطابع الأكاديمي. فحين يؤكد وزير الصحة أن البحث السريري أصبح ارافعة استراتيجية لتحول النظم الصحيةب، فهو يضع تونس أمام خيار جديد: إما أن تبقى مستهلكة للمعرفة الطبية، أو أن تتحول إلى مساهم في إنتاجها.
الفرق بين الخيارين هائل.
في العقود الماضية، كانت الدول النامية تنتظر ما تنتجه المخابر العالمية من أدوية وعلاجات، ثم تحاول اللحاق بالنتائج. أما اليوم، فإن الدول التي تريد مكاناً محترماً في الخريطة الصحية العالمية، لم تعد تكتفي بالاستيراد، بل تسعى إلى أن تكون جزءاً من سلسلة الابتكار نفسها: من البحث، إلى التجارب السريرية، إلى الصناعة، ثم التصدير.
تونس، وفق ما طرح خلال هذا اليوم العلمي، تبدو مدركة لهذه الحقيقة.
الحديث عن الكفاءات الطبية والبحثية ليس مجاملة وطنية، تونس تمتلك بالفعل رصيداً بشرياً مهماً في الطب والبحث العلمي، بشهادة المؤسسات الدولية وحتى المخابر الكبرى التي اختارت، في مراحل مختلفة، العمل مع فرق تونسية. لكن المشكلة، تاريخياً، لم تكن في غياب الكفاءات، بل في غياب البيئة التي تسمح لهذه الكفاءات بأن تتحول إلى قوة وطنية منتجة.
ولهذا يصبح تطوير الإطار التنظيمي، ورقمنة المسارات، وحماية المعطيات الصحية، أكثر من مجرد تفاصيل تقنية. إنها شروط أساسية لبناء منظومة بحث سريري محترمة وقادرة على جذب الاستثمار العلمي.
أول هذه المكاسب هو تحسين جودة العلاج. فالدول المنخرطة في البحث السريري تكون، عادة، أكثر قدرة على النفاذ المبكر إلى العلاجات الحديثة، وعلى تطوير بروتوكولات علاج متقدمة. وهذا ينعكس مباشرة على المواطن، الذي يصبح أقرب إلى الطب الحديث، لا مجرد متلقٍّ متأخر له.
كما لا تعتبر الصناعة الدوائية مجرد قطاع صحي، بل سوقا ضخمة بمليارات الدولارات. وحين تصبح تونس فضاءً جاذباً للتجارب السريرية والأبحاث، فإنها لا تستقطب فقط الأدوية، بل أيضاً الاستثمارات، والخبرات، ومراكز البحث، وفرص العمل ذات القيمة المضافة العالية.
ولعل الحديث عن دعم مراكز التكافؤ الحيوي لتعزيز الصناعة الدوائية الوطنية يكشف هذا البعد بوضوح. فالصناعة الدوائية لا تقوم فقط على إنتاج الأقراص والأدوية التقليدية، بل على البحث والتطوير، وعلى القدرة على اختبار الفاعلية والجودة وفق المعايير الدولية. وهذه المجالات تحديداً هي التي تمنح الدول موقعاً محترماً في السوق العالمية.
في زمن التنافس على الاستثمار والمعرفة، تصبح صورة البلد العلمية جزءاً من قوته الناعمة. تونس، التي عُرفت طويلاً بكفاءاتها الطبية، يمكن أن تتحول إلى منصة إقليمية للبحث السريري، خاصة نحو إفريقيا، حيث الحاجة متزايدة إلى مراكز بحث وعلاج وتطوير أدوية ملائمة للواقع الصحي للقارة.
لكن هذا الطموح لا يتحقق بالشعارات وحدها.
البحث السريري يحتاج إلى تمويل، وإلى شراكات حقيقية بين القطاعين العام والخاص، وإلى جامعات ومخابر مرتبطة مباشرة بحاجيات السوق الصحية. كما يحتاج إلى حماية صارمة للمعطيات الصحية، لأن الثقة الرقمية أصبحت اليوم جزءاً من الثقة الطبية.
ويحتاج أيضاً إلى تغيير في العقليات.
ففي كثير من الأحيان، يُنظر إلى البحث العلمي باعتباره مجالاً نخبوياً معزولاً عن الواقع. بينما الحقيقة أن كل دواء آمن، وكل علاج جديد، وكل تطور في الطب، بدأ من بحث وتجربة ومعطيات وتحليل. الاستثمار في البحث السريري ليس ترفاً أكاديمياً، بل استثمار مباشر في صحة المواطن وفي الاقتصاد معاً.
العالم، بعد جائحة كورونا، فهم درساً قاسياً: الدول التي لا تملك المعرفة الطبية، تبقى رهينة لمن يملكها. ومن هنا يصبح الحديث عن االسيادة الصحيةب أكثر من مجرد تعبير سياسي. إنه قدرة الدولة على حماية مواطنيها، وتأمين علاجهم، وصناعة جزء من مستقبلها الصحي بيدها.
تونس، وهي تخطو نحو هذا المجال، لا تبدأ من الصفر. لكنها تحتاج إلى الاستمرارية، وإلى رؤية طويلة المدى، وإلى تحويل الكفاءات الموجودة من طاقات فردية إلى مشروع وطني.
فالطب، في النهاية، ليس فقط علاجاً للأجساد إنه أيضاً علاج لفكرة التبعية نفسها.
المجلس الإستراتيجي لهيئة الإستثمار: نحو تعزيز جاذبية تونس للإستثمار
عقدت الهيئة التونسية للاستثمار مؤخرا، دورتها الـ24 لمجلسها الاستراتيجي وتركزت أشغال الجلسة…
