2026-05-10

تعاون تونسي ـ ياباني مقاربات جديدة لتخفيف أزمة التّنقل في العاصمة

الصحافة‭ ‬اليوم‭: ‬مصباح‭ ‬الجدي

تتواصل‭ ‬في‭ ‬تونس‭ ‬مساعي‭ ‬البحث‭ ‬عن‭ ‬حلول‭ ‬عملية‭ ‬لأزمة‭ ‬النقل‭ ‬الحضري‭ ‬التي‭ ‬أصبحت‭ ‬من‭ ‬أبرز‭ ‬التحديات‭ ‬اليومية‭ ‬للمواطنين،‭ ‬خاصة‭ ‬في‭ ‬منطقة‭ ‬تونس‭ ‬الكبرى‭ ‬التي‭ ‬تشهد‭ ‬ضغطًا‭ ‬سكانيًا‭ ‬وعمرانيًا‭ ‬متزايدًا‭. ‬وبين‭ ‬الاكتظاظ‭ ‬المروري،‭ ‬وتأخر‭ ‬وسائل‭ ‬النقل‭ ‬العمومي،‭ ‬وصعوبة‭ ‬التنقل‭ ‬بين‭ ‬الضواحي‭ ‬ومركز‭ ‬العاصمة،‭ ‬تتجه‭ ‬الأنظار‭ ‬نحو‭ ‬التجارب‭ ‬الدولية‭ ‬الناجحة،‭ ‬وفي‭ ‬مقدمتها‭ ‬التجربة‭ ‬اليابانية‭ ‬المعروفة‭ ‬بدقتها‭ ‬ونجاعتها‭ ‬في‭ ‬إدارة‭ ‬منظومات‭ ‬النقل‭ ‬الحضري‭.‬

وفي‭ ‬هذا‭ ‬الإطار،‭ ‬انتظم‭ ‬مؤخرا‭ ‬باليابان‭ ‬برنامج‭ ‬تكويني‭ ‬لفائدة‭ ‬12‭ ‬إطارًا‭ ‬تونسيًا‭ ‬من‭ ‬وزارات‭ ‬التجهيز‭ ‬والنقل‭ ‬والداخلية،‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬ممثلين‭ ‬عن‭ ‬بلدية‭ ‬تونس،‭ ‬وذلك‭ ‬ضمن‭ ‬مشروع‭ ‬إعداد‭ ‬المخطط‭ ‬التوجيهي‭ ‬للتنقل‭ ‬الحضري‭ ‬بتونس‭ ‬الكبرى‭. ‬ويُنفذ‭ ‬هذا‭ ‬المشروع‭ ‬بالتعاون‭ ‬بين‭ ‬وكالة‭ ‬التهيئة‭ ‬العمرانية‭ ‬لتونس‭ ‬الكبرى‭ ‬والوكالة‭ ‬اليابانية‭ ‬للتعاون‭ ‬الدولي‭ ‬اجايكاب،‭ ‬في‭ ‬خطوة‭ ‬تعكس‭ ‬سعي‭ ‬تونس‭ ‬للاستفادة‭ ‬من‭ ‬الخبرات‭ ‬الأجنبية‭ ‬في‭ ‬مجال‭ ‬التخطيط‭ ‬الحضري‭ ‬والتنقل‭ ‬الذكي‭.‬

البرنامج‭ ‬التكويني‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬مجرد‭ ‬زيارة‭ ‬بروتوكولية،‭ ‬بل‭ ‬تضمن‭ ‬سلسلة‭ ‬من‭ ‬المحاضرات‭ ‬والدروس‭ ‬التطبيقية‭ ‬ودراسات‭ ‬الحالة‭ ‬التي‭ ‬أتاحت‭ ‬للمشاركين‭ ‬الاطلاع‭ ‬المباشر‭ ‬على‭ ‬النموذج‭ ‬الياباني‭ ‬في‭ ‬إدارة‭ ‬النقل‭ ‬والتهيئة‭ ‬العمرانية‭. ‬كما‭ ‬شملت‭ ‬الزيارة‭ ‬لقاءات‭ ‬مع‭ ‬مسؤولين‭ ‬يابانيين‭ ‬مختصين‭ ‬في‭ ‬البنية‭ ‬التحتية‭ ‬والنقل،‭ ‬إضافة‭ ‬إلى‭ ‬زيارات‭ ‬ميدانية‭ ‬إلى‭ ‬محطات‭ ‬النقل‭ ‬في‭ ‬هيروشيما‭ ‬وأوساكا،‭ ‬والاطلاع‭ ‬على‭ ‬شبكة‭ ‬المترو‭ ‬في‭ ‬طوكيو،‭ ‬التي‭ ‬تُعد‭ ‬من‭ ‬أكثر‭ ‬شبكات‭ ‬النقل‭ ‬نجاعة‭ ‬وتنظيمًا‭ ‬في‭ ‬العالم‭.‬

ويبدو‭ ‬أن‭ ‬الرهان‭ ‬التونسي‭ ‬اليوم‭ ‬لا‭ ‬يقتصر‭ ‬فقط‭ ‬على‭ ‬تحديث‭ ‬وسائل‭ ‬النقل،‭ ‬بل‭ ‬يتجاوز‭ ‬ذلك‭ ‬نحو‭ ‬إعادة‭ ‬التفكير‭ ‬في‭ ‬العلاقة‭ ‬بين‭ ‬المدينة‭ ‬والتنقل‭. ‬فالتجربة‭ ‬اليابانية‭ ‬تقوم‭ ‬على‭ ‬مفهوم‭ ‬االتنمية‭ ‬الموجّهة‭ ‬نحو‭ ‬النقل‭ ‬الجماعيب‭ ‬أو‭ ‬ما‭ ‬يُعرف‭ ‬اختصارًا‭ ‬بـTOD،‭ ‬وهو‭ ‬نموذج‭ ‬يعتمد‭ ‬على‭ ‬تطوير‭ ‬الأحياء‭ ‬والمشاريع‭ ‬العمرانية‭ ‬حول‭ ‬محطات‭ ‬النقل‭ ‬العمومي،‭ ‬بما‭ ‬يسهّل‭ ‬تنقل‭ ‬السكان‭ ‬ويخفف‭ ‬الاعتماد‭ ‬المفرط‭ ‬على‭ ‬السيارات‭ ‬الخاصة‭.‬

هذا‭ ‬التوجه‭ ‬يكتسب‭ ‬أهمية‭ ‬خاصة‭ ‬في‭ ‬تونس،‭ ‬حيث‭ ‬تشهد‭ ‬العاصمة‭ ‬وضواحيها‭ ‬توسعًا‭ ‬عمرانيًا‭ ‬سريعًا‭ ‬في‭ ‬مقابل‭ ‬محدودية‭ ‬البنية‭ ‬التحتية‭ ‬للنقل‭. ‬ويكفي‭ ‬التنقل‭ ‬يوميًا‭ ‬بين‭ ‬مناطق‭ ‬مثل‭ ‬أريانة‭ ‬وبن‭ ‬عروس‭ ‬ومنوبة‭ ‬ووسط‭ ‬العاصمة‭ ‬لملاحظة‭ ‬حجم‭ ‬الاختناق‭ ‬المروري‭ ‬وطول‭ ‬ساعات‭ ‬الانتظار،‭ ‬سواء‭ ‬بالنسبة‭ ‬إلى‭ ‬مستعملي‭ ‬الحافلات‭ ‬أو‭ ‬المترو‭ ‬أو‭ ‬حتى‭ ‬السيارات‭ ‬الخاصة‭.‬

ويرى‭ ‬متابعون‭ ‬للشأن‭ ‬الحضري‭ ‬أن‭ ‬نجاح‭ ‬أي‭ ‬إصلاح‭ ‬في‭ ‬قطاع‭ ‬النقل‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يتحقق‭ ‬فقط‭ ‬عبر‭ ‬اقتناء‭ ‬حافلات‭ ‬جديدة‭ ‬أو‭ ‬تحديث‭ ‬بعض‭ ‬الخطوط،‭ ‬بل‭ ‬يحتاج‭ ‬إلى‭ ‬رؤية‭ ‬شاملة‭ ‬تتداخل‭ ‬فيها‭ ‬التهيئة‭ ‬العمرانية‭ ‬مع‭ ‬التخطيط‭ ‬الاقتصادي‭ ‬والاجتماعي‭. ‬فالمدن‭ ‬الحديثة‭ ‬أصبحت‭ ‬تُبنى‭ ‬حول‭ ‬شبكات‭ ‬النقل،‭ ‬لا‭ ‬العكس،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬نجحت‭ ‬فيه‭ ‬اليابان‭ ‬على‭ ‬مدى‭ ‬عقود‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬الدمج‭ ‬بين‭ ‬التخطيط‭ ‬العمراني‭ ‬والخدمات‭ ‬اللوجستية‭ ‬والتنقل‭ ‬الجماعي‭.‬

ومن‭ ‬النقاط‭ ‬اللافتة‭ ‬أيضًا‭ ‬في‭ ‬المشروع‭ ‬الجاري،‭ ‬انطلاق‭ ‬عملية‭ ‬إنجاز‭ ‬استبيان‭ ‬ميداني‭ ‬يشمل‭ ‬7000‭ ‬أسرة‭ ‬موزعة‭ ‬على‭ ‬ولايات‭ ‬تونس‭ ‬الكبرى‭ ‬الأربع‭: ‬تونس‭ ‬ومنوبة‭ ‬وأريانة‭ ‬وبن‭ ‬عروس‭. ‬وتهدف‭ ‬هذه‭ ‬الدراسة‭ ‬إلى‭ ‬فهم‭ ‬عادات‭ ‬التنقل‭ ‬لدى‭ ‬المواطنين‭ ‬وتحديد‭ ‬احتياجاتهم‭ ‬الحقيقية،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يعكس‭ ‬توجهًا‭ ‬جديدًا‭ ‬يقوم‭ ‬على‭ ‬إشراك‭ ‬المعطيات‭ ‬الميدانية‭ ‬في‭ ‬صياغة‭ ‬السياسات‭ ‬العمومية‭ ‬بدل‭ ‬الاكتفاء‭ ‬بالحلول‭ ‬النظرية‭.‬

من‭ ‬جهة‭ ‬أخرى‭ ‬فإن‭ ‬الاعتماد‭ ‬على‭ ‬الدراسات‭ ‬الميدانية‭ ‬يُعد‭ ‬عنصرًا‭ ‬أساسيًا‭ ‬في‭ ‬إنجاح‭ ‬أي‭ ‬مخطط‭ ‬للنقل‭ ‬الحضري،‭ ‬لأن‭ ‬مشاكل‭ ‬التنقل‭ ‬تختلف‭ ‬من‭ ‬منطقة‭ ‬إلى‭ ‬أخرى،‭ ‬كما‭ ‬أن‭ ‬أولويات‭ ‬المواطنين‭ ‬تتباين‭ ‬بين‭ ‬الحاجة‭ ‬إلى‭ ‬السرعة‭ ‬أو‭ ‬الكلفة‭ ‬أو‭ ‬السلامة‭ ‬أو‭ ‬الربط‭ ‬بين‭ ‬الأحياء‭.‬

أهمية‭ ‬هذه‭ ‬المبادرات،‭ ‬سيكون‭ ‬لها‭ ‬ارتباط‭ ‬وثيق‭ ‬بمدى‭ ‬القدرة‭ ‬على‭ ‬تحويل‭ ‬هذه‭ ‬الدراسات‭ ‬إلى‭ ‬مشاريع‭ ‬ملموسة‭ ‬على‭ ‬أرض‭ ‬الواقع،‭ ‬خاصة‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬الصعوبات‭ ‬المالية‭ ‬التي‭ ‬تواجهها‭ ‬مؤسسات‭ ‬النقل‭ ‬العمومي،‭ ‬والتعقيدات‭ ‬المرتبطة‭ ‬بالبنية‭ ‬التحتية‭ ‬والتمويل‭.‬مع‭ ‬الاشارة‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬الانفتاح‭ ‬على‭ ‬التجارب‭ ‬الدولية،‭ ‬وخاصة‭ ‬التجربة‭ ‬اليابانية،‭ ‬قد‭ ‬يمثل‭ ‬فرصة‭ ‬حقيقية‭ ‬لتونس‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬إعادة‭ ‬بناء‭ ‬منظومة‭ ‬نقل‭ ‬حضري‭ ‬أكثر‭ ‬كفاءة‭ ‬واستدامة،‭ ‬بما‭ ‬ينعكس‭ ‬مباشرة‭ ‬على‭ ‬حياة‭ ‬المواطنين‭.‬

‫شاهد أيضًا‬

الباكالوريا التجريبية 2026: تلاميذ بين ضغط الإمتحانات وآمال الدورة الرئيسية

تعيش المعاهد الثانوية في تونس على وقع اختبارات الباكالوريا التجريبية، التي تمثل المحطة الأ…