2026-05-10

103 أيام توريد من العملة الصعبة: مكسب اقتصادي مهم.. في حاجة إلى دعم هيكلي

الصحافة‭ ‬اليوم‭ : ‬خالصة‭ ‬حمروني‭:‬

اتجاوزت‭ ‬قيمة‭ ‬مخزون‭ ‬العملة‭ ‬الصعبة‭ ‬25,1‭ ‬مليار‭ ‬دينار‭ (‬ما‭ ‬يعادل‭ ‬103‭ ‬أيام‭ ‬توريد‭) ‬إلى‭ ‬حدود‭ ‬7‭ ‬ماي‭ ‬2026،‭ ‬مقابل‭ ‬22,8‭ ‬مليار‭ ‬دينار‭ (‬ما‭ ‬يعادل‭ ‬99‭ ‬يوم‭ ‬توريد‭) ‬خلال‭ ‬الفترة‭ ‬نفسها‭ ‬من‭ ‬السنة‭ ‬الماضية،‭ ‬مسجلة‭ ‬بذلك‭ ‬ارتفاع‭ ‬بنسبة‭ ‬10‭ ‬بالمائةب‭ ‬وفق‭ ‬ما‭ ‬اكدته‭ ‬المؤشرات‭ ‬النقدية‭ ‬والمالية‭ ‬التي‭ ‬نشرها،‭ ‬الجمعة،‭ ‬البنك‭ ‬المركزي‭ ‬الأمر‭ ‬الذي‭ ‬يعكس‭ ‬تحسنا‭ ‬ملحوظا‭ ‬في‭ ‬قدرة‭ ‬الاقتصاد‭ ‬التونسي‭ ‬على‭ ‬الحفاظ‭ ‬على‭ ‬مستوى‭ ‬مقبول‭ ‬من‭ ‬الاحتياطي،‭ ‬رغم‭ ‬استمرار‭ ‬الضغوط‭ ‬على‭ ‬التوازنات‭ ‬الخارجية‭.‬

في‭ ‬حقيقة‭ ‬الأمر،‭ ‬هذا‭ ‬التطور‭ ‬لم‭ ‬يأتِ‭ ‬من‭ ‬فراغ،‭ ‬بل‭ ‬ارتبط‭ ‬بعدة‭ ‬مصادر‭ ‬رئيسية‭ ‬للعملة‭ ‬الأجنبية‭ ‬في‭ ‬مقدمتها،جاء‭ ‬القطاع‭ ‬السياحي‭ ‬الذي‭ ‬عرف‭ ‬تحسنًا‭ ‬واضحًا‭ ‬خلال‭ ‬الفترة‭ ‬الأخيرة،‭ ‬حيث‭ ‬ارتفعت‭ ‬العائدات‭ ‬السياحية‭ ‬بنسبة‭ ‬4‭ ‬بالمائة‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬ارتفعت‭ ‬قيمتها‭ ‬من‭ ‬1,9‭ ‬مليار‭ ‬دينار‭ ‬موفى‭ ‬أفريل‭ ‬2025‭ ‬إلى‭ ‬2‭ ‬مليار‭ ‬دينار‭ ‬نهاية‭ ‬أفريل‭ ‬2026‭.‬

وبالتوازي‭ ‬مع‭ ‬ذلك،‭ ‬ساهمت‭ ‬تحويلات‭ ‬التونسيين‭ ‬بالخارج‭ ‬بشكل‭ ‬واضح‭ ‬في‭ ‬دعم‭ ‬المخزون‭ ‬من‭ ‬النقد‭ ‬الأجنبي‭. ‬فقد‭ ‬سجّلت‭ ‬هذه‭ ‬التحويلات‭ ‬ارتفاعًا‭ ‬خلال‭ ‬الأشهر‭ ‬الأربعة‭ ‬الأولى‭ ‬من‭ ‬سنة‭ ‬2026،‭ ‬لتبلغ‭ ‬إلى‭ ‬غاية‭ ‬30‭ ‬أفريل‭ ‬نحو‭ ‬2932‭ ‬مليون‭ ‬دينار،‭ ‬مقابل‭ ‬2785.8‭ ‬مليون‭ ‬دينار‭ ‬خلال‭ ‬نفس‭ ‬الفترة‭ ‬من‭ ‬سنة‭ ‬2025،‭ ‬أي‭ ‬بزيادة‭ ‬تُقدّر‭ ‬بـ5.25‭ ‬بالمائة‭.‬

إلى‭ ‬جانب‭ ‬ذلك،‭ ‬ساهمت‭ ‬بعض‭ ‬التمويلات‭ ‬الخارجية‭ ‬والقروض‭ ‬الممنوحة‭ ‬من‭ ‬مؤسسات‭ ‬مالية‭ ‬دولية‭ ‬مثل‭ ‬البنك‭ ‬الدولي‭ ‬والبنك‭ ‬الإفريقي‭ ‬للتنمية‭ ‬والبنك‭ ‬الأوروبي‭ ‬للاستثمار‭ ‬في‭ ‬توفير‭ ‬هامش‭ ‬إضافي‭ ‬من‭ ‬العملة‭ ‬الأجنبية‭. ‬وقد‭ ‬ساعدت‭ ‬هذه‭ ‬التمويلات،‭ ‬ولو‭ ‬بشكل‭ ‬بسيط،‭ ‬على‭ ‬تخفيف‭ ‬الضغط‭ ‬على‭ ‬خزينة‭ ‬الدولة،‭ ‬رغم‭ ‬أن‭ ‬جزءًا‭ ‬من‭ ‬هذا‭ ‬الدعم‭ ‬يبقى‭ ‬ظرفيًا‭ ‬ومشروطا‭ ‬بتنفيذ‭ ‬مشاريع‭ ‬تنموية‭.‬

وبالعودة‭ ‬إلى‭ ‬مخزون‭ ‬العملة‭ ‬الصعبة،‭ ‬باعتباره‭ ‬مؤشرا‭ ‬هاما‭ ‬يعكس‭ ‬مدى‭ ‬تحقيق‭ ‬توازن‭ ‬بين‭ ‬هذه‭ ‬المصادر‭ ‬وقدرتها‭ ‬على‭ ‬مجاراة‭ ‬الضغوط‭ ‬الهيكلية‭ ‬على‭ ‬خزينة‭ ‬الدولة،‭ ‬يكشف‭ ‬المسار‭ ‬الزمني‭ ‬أن‭ ‬هذا‭ ‬المؤشر‭ ‬يشهد‭ ‬في‭ ‬السنوات‭ ‬الأخيرة‭ ‬تذبذبا‭ ‬ملحوظا‭. ‬فوفق‭ ‬معطيات‭ ‬اقتصادية،‭ ‬بلغ‭ ‬احتياطي‭ ‬تونس‭ ‬من‭ ‬العملة‭ ‬الصعبة‭ ‬أعلى‭ ‬مستويات‭  ‬خلال‭ ‬2024،‭ ‬حيث‭ ‬وصل‭ ‬إلى‭ ‬حدود‭ ‬29,23‭ ‬مليار‭ ‬دينار‭ ‬في‭ ‬ديسمبر‭ ‬من‭ ‬السنة‭ ‬نفسها،‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬يشهد‭ ‬تراجعًا‭ ‬تدريجيًا‭ ‬خلال‭ ‬2025‭ ‬ليستقر‭ ‬في‭ ‬حدود‭ ‬25,13‭ ‬مليار‭ ‬دينار‭ ‬مع‭ ‬موفى‭ ‬السنة،‭ ‬أي‭ ‬بانخفاض‭ ‬يقارب‭ ‬8,2‭ ‬بالمائة‭. ‬كما‭ ‬واصل‭ ‬الاحتياطي‭ ‬تقلبه‭ ‬خلال‭ ‬الأشهر‭ ‬الأولى‭ ‬من‭ ‬2026،‭ ‬بين‭ ‬27,87‭ ‬مليار‭ ‬دينار‭ ‬في‭ ‬فيفري‭ ‬و27,10‭ ‬مليار‭ ‬دينار‭ ‬في‭ ‬مارس،‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬يستقر‭ ‬نسبيًا‭ ‬عند‭ ‬مستواه‭ ‬الحالي‭.‬

وبخصوص‭ ‬معدله‭ ‬الحالي،‭ ‬يُعد‭ ‬بلوغ‭ ‬الاحتياطي‭ ‬مستوى‭ ‬يفوق‭ ‬103‭ ‬أيام‭ ‬توريد‭ ‬مؤشرًا‭ ‬على‭ ‬قدرة‭ ‬البلاد‭ ‬على‭ ‬تغطية‭ ‬وارداتها‭ ‬لفترة‭ ‬تتجاوز‭ ‬ثلاثة‭ ‬أشهر‭ ‬في‭ ‬حال‭ ‬اضطراب‭ ‬التدفقات‭ ‬الخارجية،‭ ‬وهو‭ ‬مستوى‭ ‬يُعتبر‭ ‬مريحًا‭ ‬نسبيًا‭ ‬مقارنة‭ ‬بالحدود‭ ‬الدنيا‭ ‬التي‭ ‬تثير‭ ‬عادة‭ ‬قلق‭ ‬الأسواق‭ ‬المالية‭. ‬غير‭ ‬أن‭ ‬هذا‭ ‬المؤشر،‭ ‬رغم‭ ‬أهميته،‭ ‬لا‭ ‬يكفي‭ ‬وحده‭ ‬لتقييم‭ ‬صلابة‭ ‬الوضع‭ ‬الخارجي،‭ ‬بل‭ ‬يجب‭ ‬قراءته‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬تطور‭ ‬العجز‭ ‬التجاري‭ ‬وحجم‭ ‬الدين‭ ‬الخارجي‭ ‬وقدرة‭ ‬الاقتصاد‭ ‬على‭ ‬توليد‭ ‬العملة‭ ‬الصعبة‭ ‬ذاتيًا‭.‬

ورغم‭ ‬التحسن‭ ‬المسجل‭ ‬في‭ ‬مردودية‭ ‬بعض‭ ‬القطاعات‭ ‬لاسيما‭ ‬الداعمة‭ ‬لمخزون‭ ‬العملة‭ ‬الصعبة‭ ‬من‭ ‬سياحة‭ ‬وتحويلات‭ ‬أجنبية،‭ ‬ما‭ ‬تزال‭ ‬الضغوط‭ ‬الهيكلية‭ ‬قائمة‭ ‬ومن‭ ‬شأنها‭ ‬أن‭ ‬تحد‭ ‬من‭ ‬قيمة‭ ‬هذا‭ ‬المخزون‭. ‬فالاقتصاد‭ ‬الوطني‭ ‬يعتمد‭ ‬بدرجة‭ ‬كبيرة‭ ‬على‭ ‬التوريد‭ ‬الذي‭ ‬يرتفع‭ ‬بنسق‭ ‬ملحوظ‭ ‬مقابل‭ ‬محدودية‭ ‬قطاع‭ ‬التصدير‭ ‬من‭ ‬حيث‭ ‬القيمة‭ ‬المضافة‭. ‬كما‭ ‬أن‭ ‬تبعية‭ ‬هذا‭ ‬المؤشر‭ ‬لقطاعي‭ ‬السياحة‭ ‬أو‭ ‬التحويلات‭ ‬من‭ ‬شأنه‭ ‬أن‭ ‬يجعله‭ ‬عرضة‭ ‬لتقلبات‭ ‬اغير‭ ‬متوقعةب‭ ‬لان‭ ‬اي‭ ‬تراجع‭ ‬لموارد‭ ‬هذين‭ ‬القطاعين‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬ينعكس‭ ‬سلبا‭ ‬وبسرعة‭ ‬على‭ ‬مستوى‭ ‬الاحتياطي‭.‬

كما‭ ‬يرتبط‭ ‬مستوى‭ ‬العملة‭ ‬الصعبة‭ ‬بشكل‭ ‬مباشر‭ ‬باستقرار‭ ‬الدينار،‭ ‬إذ‭ ‬يمنح‭ ‬البنك‭ ‬المركزي‭ ‬هامش‭ ‬تدخل‭ ‬في‭ ‬سوق‭ ‬الصرف‭ ‬للحد‭ ‬من‭ ‬التقلبات‭. ‬غير‭ ‬أن‭ ‬هذا‭ ‬الهامش‭ ‬يظل‭ ‬مرتبطًا‭ ‬بحجم‭ ‬الاحتياطي‭ ‬وتدفقاته،‭ ‬ما‭ ‬يجعل‭ ‬استدامته‭ ‬رهينة‭ ‬بتوازنات‭ ‬الاقتصاد‭ ‬الخارجي‭.‬

عموما،‭ ‬يمنح‭ ‬مخزون‭ ‬العملة‭ ‬الصعبة‭ ‬المتوفر‭ ‬حاليا‭ ‬الاقتصاد‭ ‬التونسي‭ ‬هامشًا‭ ‬من‭ ‬الأمان‭ ‬في‭ ‬مواجهة‭ ‬الصدمات‭ ‬الخارجية،‭ ‬لكن‭ ‬هذا‭ ‬الهامش‭ ‬يظلّ‭ ‬انسبياب‭ ‬إذا‭ ‬لم‭ ‬يُدعَّم‭ ‬بإصلاحات‭ ‬هيكلية‭ ‬عميقة‭. ‬فالحفاظ‭ ‬على‭ ‬هذا‭ ‬المؤشر‭ ‬لا‭ ‬يرتبط‭ ‬فقط‭ ‬بتحسن‭ ‬ظرفي‭ ‬في‭ ‬السياحة‭ ‬أو‭ ‬ارتفاع‭ ‬تحويلات‭ ‬التونسيين‭ ‬بالخارج،‭ ‬بل‭ ‬يتطلب‭ ‬رؤية‭ ‬اقتصادية‭ ‬قادرة‭ ‬على‭ ‬تعزيز‭ ‬موارد‭ ‬البلاد‭ ‬من‭ ‬العملة‭ ‬الصعبة‭ ‬بشكل‭ ‬مستدام‭.‬

وفي‭ ‬هذا‭ ‬الإطار،‭ ‬يصبح‭ ‬من‭ ‬الضروري‭ ‬العمل‭ ‬على‭ ‬تقوية‭ ‬الصادرات‭ ‬ذات‭ ‬القيمة‭ ‬المضافة‭ ‬العالية،‭ ‬وتوسيع‭ ‬قاعدة‭ ‬الإنتاج‭ ‬الوطني‭ ‬بدل‭ ‬الاعتماد‭ ‬المفرط‭ ‬على‭ ‬التوريد‭ ‬الذي‭ ‬يستنزف‭ ‬الاحتياطي‭. ‬كما‭ ‬يكتسي‭ ‬تحسين‭ ‬مناخ‭ ‬الاستثمار‭ ‬دورًا‭ ‬محوريًا‭ ‬في‭ ‬استقطاب‭ ‬العملة‭ ‬الأجنبية‭ ‬عبر‭ ‬مشاريع‭ ‬إنتاجية‭ ‬حقيقية،‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬دعم‭ ‬القطاعات‭ ‬المولّدة‭ ‬للنقد‭ ‬الأجنبي‭ ‬مثل‭ ‬الصناعة‭ ‬والتكنولوجيا‭ ‬والخدمات‭ ‬الموجهة‭ ‬للتصدير‭.‬

‫شاهد أيضًا‬

يحتضنها مقر بورصة تونس غداً:  تظاهرة اقتصادية لبحث الإمكانيات المالية لتونس والمنتجات المبتكرة 

الصحافة‭ ‬اليوم‭-‬خالصة‭ ‬حمروني‭:‬ تحت‭ ‬عنوان‭ ‬االإمكانيات‭ ‬المالية‭ ‬لتونس‭: ‬المنتجا…