كشفت دراسة المعهد العربي لرؤساء المؤسسات حول «تأهيل مسالك توزيع المنتجات الفلاحية في تونس» عن هيمنة القطاع غير المنظم على أكثر من نصف المبادلات مما يهدد الأمن الغذائي والتنافسية. واقترحت الدراسة خارطة طريق خماسية (2026-2030) ترتكز على رقمنة الأسعار وتأهيل الأسواق وإصدار أطر قانونية جديدة لضمان حوكمة شفافة وعادلة.
وتشكل الدراسة وثيقة تشخيصية بالغة الأهمية لواقع السيادة الغذائية حيث كشفت بالاعتماد على بيانات الشركة التونسية لأسواق الجملة والمعهد الوطني للإحصاء أن القطاع غير المنظم يهيمن على أكثر من 50٪ من المبادلات التجارية الفلاحية. ويعزى ذلك بشكل مباشر إلى تقادم الإطار التشريعي الحالي وتحديداً القانون عدد 86 لسنة 1994 المنظم لقطاع مسالك توزيع منتجات الفلاحة والصيد البحري والذي لم يشهد أي تنقيح جوهري منذ صدوره باستثناء تعديل طفيف عام 2000 مما تسبب في ضبابية الأحكام القانونية ومحدودية صلاحيات أعوان المراقبة الاقتصادية، مفسحاً المجال لتنامي ظواهر المضاربة والاحتكار المنظّم.
وتتجسد أزمة المسالك الفلاحية التونسية في تغلغل حلقة «الوسطاء الماليين غير المنظمين» (القشار) بين المنتج والمستهلك فبينما يتكبد صغار الفلاّحين مشقة الاستثمار المالي والجهد البدني طيلة أشهر الإنتاج يؤول العائد الربحي الأكبر لهؤلاء الوسطاء دون أي قيمة مضافة حقيقية، وهذا الخلل اللوجستي المزمن يؤدي إلى قفزات مشطة في أسعار البيع بالتفصيل تنهك المقدرة الشرائية للمواطنين، فضلاً عن تسجيل نسب تبذير وتلف غذائي مرتفعة جداً للمحاصيل بسبب غياب آليات التبريد المتطورة ونظم النقل اللوجستي الذكي.
وبموازاة ذلك يتسبب خروج نصف المعاملات التجارية عن القنوات الرسمية في خسارة الدولة لموارد جبائية وضريبية هائلة كانت كفيلة بتمويل ميزانية القطاعات الخدمية والتنموية بالجهات.
ولمواجهة هذه التحديات طرح خبراء المعهد بالتعاون مع ممثلي وزارة التجارة والاتحاد التونسي للفلاحة والصيد البحري خارطة طريق إصلاحية دقيقة تمتد على 5 سنوات (2026-2030) تتضمن مرحلتها الأولى العاجلة (2026-2027) صياغة أمر حكومي يغيّر صيغ التصرف والرقابة داخل الأسواق، وتفعيل صندوق مالي حكومي لدعم رواد الأعمال والمؤسسات الناشئة في اللوجستيك الفلاحي بالتوازي مع إنشاء شركتين جهويتين نموذجيتين تتوليان إدارة وحوكمة قنوات التوزيع جهويا.
كما ترتكز الخطة على إطلاق نسخة تجريبية لـ«منصة وطنية رقمية موحدة للأسعار» لربط الفلاحين بتجار الجملة والتفصيل مباشرة وضمان تتبّع فوري وشفاف للمبادلات في الوقت الحقيقي. أما المرحلة الثانية (2028-2030) فستشهد إعادة تأهيل شاملة لخمس أسواق جملة محورية ومسلخين بلديين وفق أحدث المعايير الصحية والدولية لتأمين الجودة والسلامة للمستهلك، مع المراجعة القانونية الشاملة لمجلة المنافسة والأسعار، وتشجيع المنتجين على الانخراط في «الشركات الأهلية» والتعاونيات الفلاحية لتقليص نفوذ الوسطاء.
ومن المرتقب أن تسهم هذه الحزمة من الإصلاحات التكنولوجية والهيكلية في كبح جماح الاقتصاد الموازي وتحسين مداخيل الفلاحين وتحقيق استقرار تمويني دائم يعفي الأسواق التونسية من مخاطر النقص المفاجئ للمنتجات الأساسية وتكريس الأمن الغذائي.
بهدف دعم الاستقرار المالي البنك المركزي يمول البنوك بـ 8 مليار دينار في عام 2025
بلغت قيمة تمويلات البنك المركزي للبنوك 8 مليار دينار في سنة 2025 إضافة إلى تخصيص 13.55 مل…

