2026-05-16

في‭ ‬استشراف‭ ‬الأحداث‭ ‬: حسن‭ ‬الإستعداد‭ ‬ضمانة‭ ‬لنجاح‭ ‬موسم‭ ‬الحصاد‭ ‬

ليست‭ ‬الدولة‭ ‬القوية‭ ‬هي‭ ‬تلك‭ ‬التي‭ ‬تُطفئ‭ ‬الحريق‭ ‬بعد‭ ‬اشتعاله،‭ ‬بل‭ ‬تلك‭ ‬التي‭ ‬تمنعه‭ ‬من‭ ‬الوصول‭ ‬إلى‭ ‬الغابة‭ ‬أصلاً‭.‬

وليست‭ ‬الحكومات‭ ‬الناجحة‭ ‬هي‭ ‬التي‭ ‬تكثر‭ ‬من‭ ‬بيانات‭ ‬التعزية‭ ‬بعد‭ ‬الكوارث،‭ ‬بل‭ ‬التي‭ ‬تجعل‭ ‬من‭ ‬الاستباق‭ ‬سياسة،‭ ‬ومن‭ ‬الحذر‭ ‬ثقافة،‭ ‬ومن‭ ‬التنسيق‭ ‬بين‭ ‬مؤسساتها‭ ‬عملاً‭ ‬يومياً‭ ‬لا‭ ‬مناسبة‭ ‬موسمية‭.‬

في‭ ‬تونس،‭ ‬ومع‭ ‬كل‭ ‬صيف‭ ‬يقترب،‭ ‬يعود‭ ‬الخوف‭ ‬القديم‭ ‬من‭ ‬الحرائق‭.‬

الخوف‭ ‬من‭ ‬النار‭ ‬حين‭ ‬تدخل‭ ‬الغابة‭ ‬فلا‭ ‬تخرج‭ ‬بسهولة‭.‬

الخوف‭ ‬من‭ ‬سنابل‭ ‬القمح‭ ‬حين‭ ‬تتحول،‭ ‬في‭ ‬لحظة‭ ‬ريح،‭ ‬إلى‭ ‬رماد‭.‬

الخوف‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬تضيع‭ ‬أشهر‭ ‬التعب‭ ‬والسقي‭ ‬والانتظار‭ ‬في‭ ‬دقائق‭ ‬من‭ ‬الإهمال‭ ‬أو‭ ‬العبث‭ ‬أو‭ ‬ارتفاع‭ ‬درجات‭ ‬الحرارة‭.‬

لكن‭ ‬الفرق‭ ‬هذه‭ ‬المرة‭ ‬أن‭ ‬الدولة‭ ‬تبدو‭ ‬وكأنها‭ ‬تحاول‭ ‬أن‭ ‬تتحرك‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬يصل‭ ‬الدخان‭.‬

اجتماع‭ ‬اللجنة‭ ‬الوطنية‭ ‬لتفادي‭ ‬الكوارث‭ ‬ومجابهتها‭ ‬وتنظيم‭ ‬النجدة،‭ ‬بإشراف‭ ‬وزير‭ ‬الداخلية‭ ‬خالد‭ ‬النوري،‭ ‬وبحضور‭ ‬وزيري‭ ‬الفلاحة‭ ‬والتجهيز‭ ‬وممثلي‭ ‬مختلف‭ ‬الوزارات،‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬مجرد‭ ‬لقاء‭ ‬إداري‭ ‬آخر‭ ‬يضاف‭ ‬إلى‭ ‬أرشيف‭ ‬الاجتماعات‭ ‬الرسمية،‭ ‬بل‭ ‬هو‭ ‬اعتراف‭ ‬واضح‭ ‬بأن‭ ‬تونس‭ ‬تدخل‭ ‬موسماً‭ ‬حساساً،‭ ‬وأن‭ ‬وفرة‭ ‬الأمطار‭ ‬التي‭ ‬بشّرت‭ ‬بموسم‭ ‬فلاحي‭ ‬واعد،‭ ‬تحمل‭ ‬في‭ ‬الوقت‭ ‬نفسه‭ ‬مخاطر‭ ‬كبيرة‭ ‬إذا‭ ‬لم‭ ‬تُدار‭ ‬بيقظة‭ ‬عالية‭.‬

فالغطاء‭ ‬النباتي‭ ‬الكثيف،‭ ‬الذي‭ ‬يبدو‭ ‬نعمة‭ ‬في‭ ‬الشتاء‭ ‬والربيع،‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يتحول‭ ‬في‭ ‬الصيف‭ ‬إلى‭ ‬وقود‭ ‬جاهز‭ ‬للنيران‭.‬

والمواسم‭ ‬الزراعية‭ ‬الوفيرة‭ ‬تصبح‭ ‬أكثر‭ ‬هشاشة‭ ‬حين‭ ‬تتقاطع‭ ‬الحرارة‭ ‬مع‭ ‬الإهمال‭ ‬أو‭ ‬الحرائق‭ ‬العمدية‭ ‬أو‭ ‬حتى‭ ‬شرارة‭ ‬صغيرة‭ ‬على‭ ‬جانب‭ ‬طريق‭.‬

لهذا‭ ‬يصبح‭ ‬الاستعداد‭ ‬المسبق‭ ‬جزءاً‭ ‬من‭ ‬الأمن‭ ‬القومي،‭ ‬لا‭ ‬مجرد‭ ‬خطة‭ ‬موسمية‭.‬

لقد‭ ‬تعلّمت‭ ‬الدول‭ ‬الحديثة‭ ‬أن‭ ‬الكوارث‭ ‬الطبيعية‭ ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬اقدراب‭ ‬فقط،‭ ‬بل‭ ‬صارت‭ ‬أيضاً‭ ‬اختباراً‭ ‬لقدرة‭ ‬المؤسسات‭ ‬على‭ ‬التوقع‭ ‬والتنسيق‭ ‬وسرعة‭ ‬التدخل‭.‬

والفرق‭ ‬بين‭ ‬بلد‭ ‬يخسر‭ ‬غاباته‭ ‬ومحاصيله‭ ‬وبلد‭ ‬ينجح‭ ‬في‭ ‬حمايتها،‭ ‬ليس‭ ‬دائماً‭ ‬في‭ ‬حجم‭ ‬الإمكانيات،‭ ‬بل‭ ‬في‭ ‬حسن‭ ‬التنظيم‭ ‬وفعالية‭ ‬الإنذار‭ ‬المبكر‭.‬

من‭ ‬هنا‭ ‬تبرز‭ ‬أهمية‭ ‬ما‭ ‬تم‭ ‬التأكيد‭ ‬عليه‭ ‬خلال‭ ‬الاجتماع‭:‬

المراقبة،‭ ‬اليقظة،‭ ‬حماية‭ ‬المحاصيل،‭ ‬صيانة‭ ‬المسالك،‭ ‬تجهيز‭ ‬أبراج‭ ‬المراقبة،‭ ‬توفير‭ ‬المياه،‭ ‬التدخل‭ ‬السريع،‭ ‬والتنسيق‭ ‬بين‭ ‬مختلف‭ ‬الهياكل‭.‬

هذه‭ ‬التفاصيل‭ ‬الصغيرة‭ ‬هي‭ ‬التي‭ ‬تصنع‭ ‬الفارق‭ ‬الكبير‭ ‬حين‭ ‬تبدأ‭ ‬الكارثة‭.‬

في‭ ‬دول‭ ‬كثيرة،‭ ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬مواجهة‭ ‬الحرائق‭ ‬تتم‭ ‬بعقلية‭ ‬الإطفاء‭ ‬فقط،‭ ‬بل‭ ‬بعقلية‭ ‬الوقاية‭.‬

تُمسح‭ ‬الغابات‭ ‬بالأقمار‭ ‬الصناعية،‭ ‬وتُراقب‭ ‬درجات‭ ‬الحرارة‭ ‬والرطوبة‭ ‬لحظة‭ ‬بلحظة،‭ ‬وتُستخدم‭ ‬الطائرات‭ ‬المسيّرة‭ ‬لرصد‭ ‬أي‭ ‬دخان‭ ‬في‭ ‬بدايته،‭ ‬لأن‭ ‬الدقيقة‭ ‬الأولى‭ ‬في‭ ‬الحريق‭ ‬قد‭ ‬تختصر‭ ‬ساعات‭ ‬من‭ ‬الخسائر‭ ‬لاحقاً‭.‬

أما‭ ‬في‭ ‬تونس،‭ ‬فإن‭ ‬التحدي‭ ‬أكبر،‭ ‬لأن‭ ‬الإمكانيات‭ ‬محدودة،‭ ‬ولأن‭ ‬البلاد‭ ‬تعاني‭ ‬أصلاً‭ ‬من‭ ‬ضغوط‭ ‬اقتصادية‭ ‬تجعل‭ ‬كل‭ ‬خسارة‭ ‬إضافية‭ ‬عبءا‭ ‬مضاعفاً‭.‬

حين‭ ‬تحترق‭ ‬غابة‭ ‬في‭ ‬بلد‭ ‬فقير‭ ‬نسبياً،‭ ‬لا‭ ‬يحترق‭ ‬الخشب‭ ‬فقط‭.‬

يحترق‭ ‬جزء‭ ‬من‭ ‬التوازن‭ ‬البيئي‭.‬

وتحترق‭ ‬الثروة‭ ‬المائية‭.‬

ويحترق‭ ‬مستقبل‭ ‬مناطق‭ ‬كاملة‭ ‬تعيش‭ ‬على‭ ‬الفلاحة‭ ‬أو‭ ‬الغطاء‭ ‬الغابي‭ ‬أو‭ ‬السياحة‭ ‬البيئية‭.‬

وحين‭ ‬تحترق‭ ‬المحاصيل‭ ‬الزراعية،‭ ‬فإن‭ ‬الأمر‭ ‬لا‭ ‬يتعلق‭ ‬بخسارة‭ ‬فلاح‭ ‬وحده،‭ ‬بل‭ ‬بأمن‭ ‬غذائي‭ ‬لبلد‭ ‬كامل‭.‬

لهذا‭ ‬فإن‭ ‬حماية‭ ‬موسم‭ ‬الحصاد‭ ‬ليست‭ ‬مهمة‭ ‬تقنية‭ ‬فحسب،‭ ‬بل‭ ‬قضية‭ ‬وطنية‭.‬

فالقمح‭ ‬الذي‭ ‬تنتجه‭ ‬تونس‭ ‬اليوم،‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬اضطراب‭ ‬الأسواق‭ ‬العالمية‭ ‬والحروب‭ ‬وارتفاع‭ ‬أسعار‭ ‬الغذاء،‭ ‬أصبح‭ ‬مسألة‭ ‬سيادة‭ ‬حقيقية‭.‬

إن‭ ‬العالم‭ ‬الذي‭ ‬نعيش‭ ‬فيه‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬مستقراً‭.‬

الحرائق‭ ‬تضرب‭ ‬أوروبا‭ ‬وأمريكا‭ ‬وكندا‭ ‬واليونان‭ ‬وتركيا‭ ‬كل‭ ‬سنة‭ ‬تقريباً‭.‬

والتغيرات‭ ‬المناخية‭ ‬جعلت‭ ‬الطبيعة‭ ‬أكثر‭ ‬قسوة،‭ ‬وأكثر‭ ‬تقلباً،‭ ‬وأكثر‭ ‬استعداداً‭ ‬للانفجار‭.‬

وفي‭ ‬مثل‭ ‬هذا‭ ‬العالم،‭ ‬لا‭ ‬يكفي‭ ‬أن‭ ‬تمتلك‭ ‬شجاعة‭ ‬التدخل‭ ‬بعد‭ ‬الكارثة،‭ ‬بل‭ ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬تمتلك‭ ‬ذكاء‭ ‬منعها‭.‬

وهنا‭ ‬تبرز‭ ‬أهمية‭ ‬العمل‭ ‬المشترك‭ ‬بين‭ ‬وزارات‭ ‬الداخلية‭ ‬والفلاحة‭ ‬والتجهيز‭ ‬والحماية‭ ‬المدنية‭ ‬وبقية‭ ‬الهياكل‭ ‬لأن‭ ‬الكوارث‭ ‬الحديثة‭ ‬لا‭ ‬تواجهها‭ ‬مؤسسة‭ ‬واحدة‭.‬

إنها‭ ‬تحتاج‭ ‬إلى‭ ‬دولة‭ ‬تتحرك‭ ‬كوحدة‭ ‬واحدة،‭ ‬لا‭ ‬كجزر‭ ‬إدارية‭ ‬متفرقة‭.‬

كما‭ ‬أن‭ ‬المعركة‭ ‬ليست‭ ‬أمنية‭ ‬فقط،‭ ‬بل‭ ‬مجتمعية‭ ‬أيضاً‭.‬

فكم‭ ‬من‭ ‬حريق‭ ‬بدأ‭ ‬بسيجارة‭ ‬ألقيت‭ ‬على‭ ‬قارعة‭ ‬الطريق؟

وكم‭ ‬من‭ ‬كارثة‭ ‬صنعتها‭ ‬لحظة‭ ‬استهتار؟

وكم‭ ‬من‭ ‬فلاح‭ ‬خسر‭ ‬موسمه‭ ‬لأن‭ ‬أحدهم‭ ‬أشعل‭ ‬ناراً‭ ‬صغيرة‭ ‬ثم‭ ‬تركها‭ ‬تواجه‭ ‬الريح‭ ‬وحدها؟

لهذا‭ ‬يصبح‭ ‬الوعي‭ ‬الشعبي‭ ‬جزءاً‭ ‬أساسياً‭ ‬من‭ ‬منظومة‭ ‬الحماية‭.‬

وتصبح‭ ‬الحملات‭ ‬التحسيسية‭ ‬ضرورة‭ ‬لا‭ ‬ترفاً‭ ‬إعلامياً‭.‬

ثم‭ ‬إن‭ ‬هناك‭ ‬جانباً‭ ‬آخر‭ ‬لا‭ ‬يقل‭ ‬أهمية‭: ‬سرعة‭ ‬التنفيذ‭.‬

فالخطط‭ ‬وحدها‭ ‬لا‭ ‬تحمي‭ ‬الغابات‭ ‬إذا‭ ‬بقيت‭ ‬حبراً‭ ‬على‭ ‬الورق‭.‬

والاجتماعات‭ ‬لا‭ ‬تُطفئ‭ ‬الحرائق‭ ‬إن‭ ‬لم‭ ‬تتحول‭ ‬إلى‭ ‬جاهزية‭ ‬فعلية‭ ‬على‭ ‬الأرض‭.‬

تونس‭ ‬لا‭ ‬تحتاج‭ ‬فقط‭ ‬إلى‭ ‬اجتماعات‭ ‬ناجحة،‭ ‬بل‭ ‬إلى‭ ‬معدات‭ ‬جاهزة،‭ ‬ومسالك‭ ‬مفتوحة،‭ ‬وأعوان‭ ‬مدربين،‭ ‬وغرف‭ ‬عمليات‭ ‬يقظة،‭ ‬واستجابة‭ ‬سريعة‭ ‬حين‭ ‬تبدأ‭ ‬الأزمة‭.‬

في‭ ‬النهاية،‭ ‬الدول‭ ‬تُقاس‭ ‬أيضاً‭ ‬بطريقة‭ ‬استعدادها‭ ‬للأسوإ‭.‬

والبلاد‭ ‬التي‭ ‬تحترم‭ ‬مواطنيها‭ ‬هي‭ ‬التي‭ ‬لا‭ ‬تنتظر‭ ‬الكارثة‭ ‬حتى‭ ‬تتحرك‭.‬

هي‭ ‬التي‭ ‬تفهم‭ ‬أن‭ ‬الوقاية‭ ‬أقل‭ ‬كلفة‭ ‬من‭ ‬الخسارة،‭ ‬وأن‭ ‬دقيقة‭ ‬حذر‭ ‬قد‭ ‬تنقذ‭ ‬مدينة،‭ ‬وأن‭ ‬شجرة‭ ‬محفوظة‭ ‬اليوم‭ ‬قد‭ ‬تكون‭ ‬غابة‭ ‬كاملة‭ ‬غداً‭.‬

لهذا‭ ‬فإن‭ ‬الرهان‭ ‬الحقيقي‭ ‬هذا‭ ‬الصيف‭ ‬لن‭ ‬يكون‭ ‬فقط‭ ‬في‭ ‬إخماد‭ ‬الحرائق،‭ ‬بل‭ ‬في‭ ‬منعها‭ ‬من‭ ‬الولادة‭ ‬أصلاً‭.‬

‫شاهد أيضًا‬

مؤشرات الإستثمار الواعدة الإستثمار الأجنبي بين التفاؤل وامتحان الواقع

حين ترتفع الاستثمارات الأجنبية في بلد يعاني من ضغوط اقتصادية واجتماعية متراكمة، يصبح الخبر…