بين الضرورة الموسمية والفوضى التجارية: أسواق موازية تنتعش بين أدوات ومستلزمات العيدالصحافة اليوم: مصباح الجدي
مع اقتراب عيد الأضحى، لا تقتصر الحركية التجارية في تونس على أسواق بيع الأضاحي فقط، بل تمتد إلى سلسلة طويلة من الأنشطة الموازية التي أصبحت جزءًا من المشهد الموسمي للعيد.خلال الأسابيع التي تسبق المناسبة، تنتشر نقاط بيع أدوات الذبح والسلخ والفحم والتبن والشعير وألواح تقطيع اللحوم المعروفة شعبيًا بـاالقرضةب، إضافة إلى معدات الشواء والسكاكين والسواطير، في صورة تعكس تحوّل عيد الأضحى إلى دورة اقتصادية متكاملة تتجاوز مجرد اقتناء الأضحية.
وفي الأحياء الشعبية والأسواق الأسبوعية وحتى على الأرصفة والطرقات، تتجاور التجارة المنظمة مع الانتصاب الفوضوي، حيث يسعى الباعة إلى استغلال هذا الموسم لتحقيق أرباح سريعة، مستفيدين من ارتفاع الطلب وتغيّر العادات الاستهلاكية لدى العائلات التونسية.
ولم يعد اقتناء الأضحية وحده الهاجس الأساسي للعائلات، بل أصبحت مستلزمات الذبح والتقطيع والتنظيف والتخزين جزءًا من ميزانية العيد. فالمواطن الذي يشتري الخروف يجد نفسه أمام قائمة إضافية من المصاريف تشمل السكاكين وأدوات السلخ والفحم وأجهزة الشواء وحتى الطاولات الخشبية أو البلاستيكية المخصصة لتقطيع اللحم.
وفي هذا السياق، تعرف محلات الأدوات المنزلية ومحلات الحديد والنجارة انتعاشة ملحوظة، بالتوازي مع ظهور باعة موسميين يعرضون منتجات متفاوتة الجودة والأسعار. وبينما يفضّل البعض اقتناء أدوات عصرية ذات جودة أفضل، يكتفي آخرون بالحد الأدنى بسبب الضغوط الاقتصادية وغلاء المعيشة.
كما برزت خلال السنوات الأخيرة مظاهر استهلاكية جديدة مرتبطة بعيد الأضحى، من بينها انتشار معدات الشواء الحديثة والمواقد المحمولة والقفازات الخاصة بالسلخ والتنظيف، وهي منتجات لم تكن متداولة بهذا الحجم في السابق. ويرى متابعون أن هذه الظاهرة تعكس تغيرًا تدريجيًا في نمط عيش التونسيين ومحاولة لمواكبة ما يتم تداوله عبر وسائل التواصل الاجتماعي من صور وأنماط احتفال جديدة تقوم على التأثير الاشهاري.
في المقابل، تطرح هذه الحركية التجارية عدة إشكاليات، أبرزها غياب المراقبة الكافية لبعض المنتجات المعروضة، خاصة الأدوات الحادة والمنتجات مجهولة المصدر أو الأعلاف التي تباع في ظروف غير صحية. كما يشتكي مواطنون من تفاوت الأسعار بشكل كبير بين منطقة وأخرى، إضافة إلى رداءة بعض السلع التي لا تتحمل الاستعمال المتكرر.
ولا تتوقف الفوضى عند جودة المنتوجات فقط، بل تشمل أيضًا احتلال الأرصفة والمفترقات من قبل باعة موسميين، ما يخلق حالة من الاكتظاظ المروري والفوضى التنظيمية، خصوصًا في المدن الكبرى والأسواق الشعبية. ففي العديد من المناطق، تتحول الأرصفة إلى فضاءات مفتوحة لعرض السكاكين والفحم وألواح التقطيع، وسط غياب شبه تام لشروط السلامة أو التنظيم البلدي.
من جهة أخرى، تمثل هذه التجارة الموسمية مصدر رزق لعدد كبير من العائلات والحرفيين وصغار التجار، الذين يعتبرون عيد الأضحى فرصة لتعويض حالة الركود التي تشهدها بعض القطاعات خلال بقية أشهر السنة. فباعة الخشب والحدادون وصانعو السكاكين وحتى أصحاب الشاحنات الصغيرة المستعملة في نقل التبن والأعلاف، يدخلون جميعًا في هذه الدورة الاقتصادية المؤقتة.
ويرى مختصون في الشأن الاقتصادي أن عيد الأضحى أصبح يشكل منظومة استهلاكية متكاملة في تونس، تتداخل فيها التجارة المنظمة مع الاقتصاد الموازي، وسط غياب دراسات دقيقة حول حجم الأموال المتداولة خلال هذه الفترة. كما يؤكدون أن تنامي الأسواق العشوائية يعكس من جهة هشاشة الوضع الاقتصادي، ومن جهة أخرى قدرة المناسبات الدينية والاجتماعية على خلق ديناميكية اقتصادية واسعة حتى في فترات الأزمات.
وفي خضم هذا المشهد، يبقى المواطن التونسي بين مطرقة القدرة الشرائية وسندان الرغبة في الحفاظ على طقوس العيد وعاداته. فمهما ارتفعت الأسعار أو تنوعت أشكال التجارة، يظل عيد الأضحى مناسبة اجتماعية ودينية تتجدد فيها تفاصيل الحياة اليومية، وتتحول فيها الشوارع والأسواق إلى مرآة تعكس واقع المجتمع التونسي بكل تناقضاته؛ بين البساطة والمظاهر، وبين التنظيم والفوضى، وبين الحاجة الاقتصادية والتمسك بالتقاليد.
رقمنة خدمات النقل العمومي: الشركة الوطنية للنقل بين المدن تدخل مرحلة الدفع الإلكتروني
في خطوة تعكس توجها نحو رقمنة الخدمات العمومية في تونس، أعلنت الشركة…

