2026-05-18

بين‭ ‬الضرورة‭ ‬الموسمية‭ ‬والفوضى‭ ‬التجارية‭:‬ ‭ ‬أسواق‭ ‬موازية‭ ‬تنتعش‭ ‬بين‭ ‬أدوات‭ ‬ومستلزمات‭ ‬العيدالصحافة‭ ‬اليوم‭: ‬مصباح‭ ‬الجدي

مع‭ ‬اقتراب‭ ‬عيد‭ ‬الأضحى،‭ ‬لا‭ ‬تقتصر‭ ‬الحركية‭ ‬التجارية‭ ‬في‭ ‬تونس‭ ‬على‭ ‬أسواق‭ ‬بيع‭ ‬الأضاحي‭ ‬فقط،‭ ‬بل‭ ‬تمتد‭ ‬إلى‭ ‬سلسلة‭ ‬طويلة‭ ‬من‭ ‬الأنشطة‭ ‬الموازية‭ ‬التي‭ ‬أصبحت‭ ‬جزءًا‭ ‬من‭ ‬المشهد‭ ‬الموسمي‭ ‬للعيد‭.‬خلال‭ ‬الأسابيع‭ ‬التي‭ ‬تسبق‭ ‬المناسبة،‭ ‬تنتشر‭ ‬نقاط‭ ‬بيع‭ ‬أدوات‭ ‬الذبح‭ ‬والسلخ‭ ‬والفحم‭ ‬والتبن‭ ‬والشعير‭ ‬وألواح‭ ‬تقطيع‭ ‬اللحوم‭ ‬المعروفة‭ ‬شعبيًا‭ ‬بـاالقرضةب،‭ ‬إضافة‭ ‬إلى‭ ‬معدات‭ ‬الشواء‭ ‬والسكاكين‭ ‬والسواطير،‭ ‬في‭ ‬صورة‭ ‬تعكس‭ ‬تحوّل‭ ‬عيد‭ ‬الأضحى‭ ‬إلى‭ ‬دورة‭ ‬اقتصادية‭ ‬متكاملة‭ ‬تتجاوز‭ ‬مجرد‭ ‬اقتناء‭ ‬الأضحية‭.‬

وفي‭ ‬الأحياء‭ ‬الشعبية‭ ‬والأسواق‭ ‬الأسبوعية‭ ‬وحتى‭ ‬على‭ ‬الأرصفة‭ ‬والطرقات،‭ ‬تتجاور‭ ‬التجارة‭ ‬المنظمة‭ ‬مع‭ ‬الانتصاب‭ ‬الفوضوي،‭ ‬حيث‭ ‬يسعى‭ ‬الباعة‭ ‬إلى‭ ‬استغلال‭ ‬هذا‭ ‬الموسم‭ ‬لتحقيق‭ ‬أرباح‭ ‬سريعة،‭ ‬مستفيدين‭ ‬من‭ ‬ارتفاع‭ ‬الطلب‭ ‬وتغيّر‭ ‬العادات‭ ‬الاستهلاكية‭ ‬لدى‭ ‬العائلات‭ ‬التونسية‭.‬

ولم‭ ‬يعد‭ ‬اقتناء‭ ‬الأضحية‭ ‬وحده‭ ‬الهاجس‭ ‬الأساسي‭ ‬للعائلات،‭ ‬بل‭ ‬أصبحت‭ ‬مستلزمات‭ ‬الذبح‭ ‬والتقطيع‭ ‬والتنظيف‭ ‬والتخزين‭ ‬جزءًا‭ ‬من‭ ‬ميزانية‭ ‬العيد‭. ‬فالمواطن‭ ‬الذي‭ ‬يشتري‭ ‬الخروف‭ ‬يجد‭ ‬نفسه‭ ‬أمام‭ ‬قائمة‭ ‬إضافية‭ ‬من‭ ‬المصاريف‭ ‬تشمل‭ ‬السكاكين‭ ‬وأدوات‭ ‬السلخ‭ ‬والفحم‭ ‬وأجهزة‭ ‬الشواء‭ ‬وحتى‭ ‬الطاولات‭ ‬الخشبية‭ ‬أو‭ ‬البلاستيكية‭ ‬المخصصة‭ ‬لتقطيع‭ ‬اللحم‭.‬

وفي‭ ‬هذا‭ ‬السياق،‭ ‬تعرف‭ ‬محلات‭ ‬الأدوات‭ ‬المنزلية‭ ‬ومحلات‭ ‬الحديد‭ ‬والنجارة‭ ‬انتعاشة‭ ‬ملحوظة،‭ ‬بالتوازي‭ ‬مع‭ ‬ظهور‭ ‬باعة‭ ‬موسميين‭ ‬يعرضون‭ ‬منتجات‭ ‬متفاوتة‭ ‬الجودة‭ ‬والأسعار‭. ‬وبينما‭ ‬يفضّل‭ ‬البعض‭ ‬اقتناء‭ ‬أدوات‭ ‬عصرية‭ ‬ذات‭ ‬جودة‭ ‬أفضل،‭ ‬يكتفي‭ ‬آخرون‭ ‬بالحد‭ ‬الأدنى‭ ‬بسبب‭ ‬الضغوط‭ ‬الاقتصادية‭ ‬وغلاء‭ ‬المعيشة‭.‬

كما‭ ‬برزت‭ ‬خلال‭ ‬السنوات‭ ‬الأخيرة‭ ‬مظاهر‭ ‬استهلاكية‭ ‬جديدة‭ ‬مرتبطة‭ ‬بعيد‭ ‬الأضحى،‭ ‬من‭ ‬بينها‭ ‬انتشار‭ ‬معدات‭ ‬الشواء‭ ‬الحديثة‭ ‬والمواقد‭ ‬المحمولة‭ ‬والقفازات‭ ‬الخاصة‭ ‬بالسلخ‭ ‬والتنظيف،‭ ‬وهي‭ ‬منتجات‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬متداولة‭ ‬بهذا‭ ‬الحجم‭ ‬في‭ ‬السابق‭. ‬ويرى‭ ‬متابعون‭ ‬أن‭ ‬هذه‭ ‬الظاهرة‭ ‬تعكس‭ ‬تغيرًا‭ ‬تدريجيًا‭ ‬في‭ ‬نمط‭ ‬عيش‭ ‬التونسيين‭ ‬ومحاولة‭ ‬لمواكبة‭ ‬ما‭ ‬يتم‭ ‬تداوله‭ ‬عبر‭ ‬وسائل‭ ‬التواصل‭ ‬الاجتماعي‭ ‬من‭ ‬صور‭ ‬وأنماط‭ ‬احتفال‭ ‬جديدة‭ ‬تقوم‭ ‬على‭ ‬التأثير‭ ‬الاشهاري‭.‬

‭ ‬في‭ ‬المقابل،‭ ‬تطرح‭ ‬هذه‭ ‬الحركية‭ ‬التجارية‭ ‬عدة‭ ‬إشكاليات،‭ ‬أبرزها‭ ‬غياب‭ ‬المراقبة‭ ‬الكافية‭ ‬لبعض‭ ‬المنتجات‭ ‬المعروضة،‭ ‬خاصة‭ ‬الأدوات‭ ‬الحادة‭ ‬والمنتجات‭ ‬مجهولة‭ ‬المصدر‭ ‬أو‭ ‬الأعلاف‭ ‬التي‭ ‬تباع‭ ‬في‭ ‬ظروف‭ ‬غير‭ ‬صحية‭. ‬كما‭ ‬يشتكي‭ ‬مواطنون‭ ‬من‭ ‬تفاوت‭ ‬الأسعار‭ ‬بشكل‭ ‬كبير‭ ‬بين‭ ‬منطقة‭ ‬وأخرى،‭ ‬إضافة‭ ‬إلى‭ ‬رداءة‭ ‬بعض‭ ‬السلع‭ ‬التي‭ ‬لا‭ ‬تتحمل‭ ‬الاستعمال‭ ‬المتكرر‭.‬

ولا‭ ‬تتوقف‭ ‬الفوضى‭ ‬عند‭ ‬جودة‭ ‬المنتوجات‭ ‬فقط،‭ ‬بل‭ ‬تشمل‭ ‬أيضًا‭ ‬احتلال‭ ‬الأرصفة‭ ‬والمفترقات‭ ‬من‭ ‬قبل‭ ‬باعة‭ ‬موسميين،‭ ‬ما‭ ‬يخلق‭ ‬حالة‭ ‬من‭ ‬الاكتظاظ‭ ‬المروري‭ ‬والفوضى‭ ‬التنظيمية،‭ ‬خصوصًا‭ ‬في‭ ‬المدن‭ ‬الكبرى‭ ‬والأسواق‭ ‬الشعبية‭. ‬ففي‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬المناطق،‭ ‬تتحول‭ ‬الأرصفة‭ ‬إلى‭ ‬فضاءات‭ ‬مفتوحة‭ ‬لعرض‭ ‬السكاكين‭ ‬والفحم‭ ‬وألواح‭ ‬التقطيع،‭ ‬وسط‭ ‬غياب‭ ‬شبه‭ ‬تام‭ ‬لشروط‭ ‬السلامة‭ ‬أو‭ ‬التنظيم‭ ‬البلدي‭.‬

من‭ ‬جهة‭ ‬أخرى،‭ ‬تمثل‭ ‬هذه‭ ‬التجارة‭ ‬الموسمية‭ ‬مصدر‭ ‬رزق‭ ‬لعدد‭ ‬كبير‭ ‬من‭ ‬العائلات‭ ‬والحرفيين‭ ‬وصغار‭ ‬التجار،‭ ‬الذين‭ ‬يعتبرون‭ ‬عيد‭ ‬الأضحى‭ ‬فرصة‭ ‬لتعويض‭ ‬حالة‭ ‬الركود‭ ‬التي‭ ‬تشهدها‭ ‬بعض‭ ‬القطاعات‭ ‬خلال‭ ‬بقية‭ ‬أشهر‭ ‬السنة‭. ‬فباعة‭ ‬الخشب‭ ‬والحدادون‭ ‬وصانعو‭ ‬السكاكين‭ ‬وحتى‭ ‬أصحاب‭ ‬الشاحنات‭ ‬الصغيرة‭ ‬المستعملة‭ ‬في‭ ‬نقل‭ ‬التبن‭ ‬والأعلاف،‭ ‬يدخلون‭ ‬جميعًا‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬الدورة‭ ‬الاقتصادية‭ ‬المؤقتة‭.‬

ويرى‭ ‬مختصون‭ ‬في‭ ‬الشأن‭ ‬الاقتصادي‭ ‬أن‭ ‬عيد‭ ‬الأضحى‭ ‬أصبح‭ ‬يشكل‭ ‬منظومة‭ ‬استهلاكية‭ ‬متكاملة‭ ‬في‭ ‬تونس،‭ ‬تتداخل‭ ‬فيها‭ ‬التجارة‭ ‬المنظمة‭ ‬مع‭ ‬الاقتصاد‭ ‬الموازي،‭ ‬وسط‭ ‬غياب‭ ‬دراسات‭ ‬دقيقة‭ ‬حول‭ ‬حجم‭ ‬الأموال‭ ‬المتداولة‭ ‬خلال‭ ‬هذه‭ ‬الفترة‭. ‬كما‭ ‬يؤكدون‭ ‬أن‭ ‬تنامي‭ ‬الأسواق‭ ‬العشوائية‭ ‬يعكس‭ ‬من‭ ‬جهة‭ ‬هشاشة‭ ‬الوضع‭ ‬الاقتصادي،‭ ‬ومن‭ ‬جهة‭ ‬أخرى‭ ‬قدرة‭ ‬المناسبات‭ ‬الدينية‭ ‬والاجتماعية‭ ‬على‭ ‬خلق‭ ‬ديناميكية‭ ‬اقتصادية‭ ‬واسعة‭ ‬حتى‭ ‬في‭ ‬فترات‭ ‬الأزمات‭.‬

وفي‭ ‬خضم‭ ‬هذا‭ ‬المشهد،‭ ‬يبقى‭ ‬المواطن‭ ‬التونسي‭ ‬بين‭ ‬مطرقة‭ ‬القدرة‭ ‬الشرائية‭ ‬وسندان‭ ‬الرغبة‭ ‬في‭ ‬الحفاظ‭ ‬على‭ ‬طقوس‭ ‬العيد‭ ‬وعاداته‭. ‬فمهما‭ ‬ارتفعت‭ ‬الأسعار‭ ‬أو‭ ‬تنوعت‭ ‬أشكال‭ ‬التجارة،‭ ‬يظل‭ ‬عيد‭ ‬الأضحى‭ ‬مناسبة‭ ‬اجتماعية‭ ‬ودينية‭ ‬تتجدد‭ ‬فيها‭ ‬تفاصيل‭ ‬الحياة‭ ‬اليومية،‭ ‬وتتحول‭ ‬فيها‭ ‬الشوارع‭ ‬والأسواق‭ ‬إلى‭ ‬مرآة‭ ‬تعكس‭ ‬واقع‭ ‬المجتمع‭ ‬التونسي‭ ‬بكل‭ ‬تناقضاته؛‭ ‬بين‭ ‬البساطة‭ ‬والمظاهر،‭ ‬وبين‭ ‬التنظيم‭ ‬والفوضى،‭ ‬وبين‭ ‬الحاجة‭ ‬الاقتصادية‭ ‬والتمسك‭ ‬بالتقاليد‭.‬

‫شاهد أيضًا‬

رقمنة‭ ‬خدمات‭ ‬النقل‭ ‬العمومي‭:‬ الشركة‭ ‬الوطنية‭ ‬للنقل‭ ‬بين‭ ‬المدن‭ ‬تدخل‭ ‬مرحلة‭ ‬الدفع‭ ‬الإلكتروني

في‭ ‬خطوة‭ ‬تعكس‭ ‬توجها‭ ‬نحو‭ ‬رقمنة‭ ‬الخدمات‭ ‬العمومية‭ ‬في‭ ‬تونس،‭ ‬أعلنت‭ ‬الشركة‭…