الأضاحي بين التسعير والإحتكار: حيرة ومخاوف من ممارسات السماسرة
مع اقتراب عيد الأضحى، بدأت ملامح الموسم تتشكل مبكرا في تونس الكبرى، حيث شرعت بعض الفضاءات العشوائية في فتح نقاط بيع الأضاحي وسط حركة محتشمة وإقبال خجول من المواطنين الذين اصطدموا هذه السنة بأسعار غير مسبوقة تراوحت بين ألف دينار وثلاثة آلاف دينار للخروف الواحد، في مشهد يعكس حجم الأزمة التي بات يعيشها المستهلك التونسي بين ضعف القدرة الشرائية وارتفاع تكاليف المعيشة.
وفي محاولة لتنظيم السوق والحد من الانفلات، تم الإعلان عن اتفاق مبدئي لاعتماد سعر مرجعي بنقطتي البيع المنظمتين بالسعيدة بولاية منوبة ومعتمدية رادس بولاية بن عروس، بإشراف المجمع المهني المشترك للحوم الحمراء والألبان وبالتنسيق مع مختلف المصالح التابعة لوزارة الفلاحة والموارد المائية والصيد البحري في انتظار تحديد نقاط أخرى لتونس الكبرى .
وقد تم تحديد الأسعار وفق الوزن الحي للأضاحي، حيث حُدد سعر الكلغ الحي بـ27 دينارا للأضاحي التي يقل وزنها عن 45 كلغ، و25.8 دينارا للأضاحي التي يتراوح وزنها بين 45 و65 كلغ، و23.8 دينارا للأضاحي التي يفوق وزنها 65 كلغ. كما تنطلق عمليات البيع بداية من يوم الاثنين 18 ماي 2026.
ورغم أن هذه الآلية تبدو في ظاهرها محاولة لإرساء قدر من الشفافية وكسر المضاربة، فإن المخاوف لا تزال قائمة لدى عدد من المواطنين والمربين على حد سواء، خاصة مع التجارب السابقة التي شهدت تسلل السماسرة والقصابين إلى نقاط البيع المنظمة لاقتناء كميات من الأضاحي وإعادة توظيفها بعد العيد داخل محلات القصابين بأسعار مرتفعة، مستفيدين من فارق السعر ومن ضعف الرقابة الميدانية.
ويؤكد عدد من المتابعين للشأن الفلاحي أن البيع بالميزان رغم وجاهته الاقتصادية، قد يتحول إلى سلاح ذي حدين إذا غابت المراقبة الصارمة، إذ يمكن أن تجد العائلات البسيطة نفسها في منافسة غير متكافئة مع تجار يملكون السيولة والقدرة على شراء أعداد كبيرة من الخرفان دفعة واحدة، وهو ما قد يعيد إنتاج نفس حلقات الاحتكار والمضاربة التي تتكرر كل سنة في المواسم الاستهلاكية الكبرى.
في المقابل، يعيش المربون بدورهم وضعا معقدا، فبالرغم من وفرة الأعلاف هذه السنة مقارنة ببعض المواسم الماضية، إلا إن أسعارها بقيت مرتفعة بشكل أثقل كاهل المربين الصغار والمتوسطين. فتوفر الشعير والسداري والأعلاف المركبة لم ينعكس بشكل فعلي على تكلفة الإنتاج، بسبب تواصل ارتفاع أسعار النقل والأدوية وتكاليف التربية عموما، ما جعل العديد من المربين يعتبرون أن الأسعار الحالية ليست أرباحا صافية بقدر ما هي محاولة لتغطية المصاريف المتراكمة منذ أشهر.
وفي جولة داخل بعض نقاط البيع بتونس الكبرى وتحديدا في جهة نعسان بولاية بن عروس، بدا التردد واضحا على وجوه المواطنين. عائلات تكتفي بالسؤال عن الأسعار ثم تغادر، وأخرى تنتظر المقارنة بين نقاط البيع المنظمة والأسواق العشوائية على أمل العثور على سعر أقل.
أما البعض الآخر، فقد بدأ يتحدث لأول مرة بصراحة عن إمكانية التخلي عن شراء الأضحية هذه السنة أو اللجوء إلى الاشتراك العائلي لتقاسم الكلفة.
هذا الوضع خلق حالة من الحيرة العامة داخل المجتمع التونسي، بين من يرى أن اقتناء الأضحية شعيرة لا يمكن التفريط فيها مهما كانت الظروف، وبين من يعتبر أن الواقع الاقتصادي أصبح أقوى من العادات الاجتماعية، خاصة في ظل تراجع المقدرة الشرائية.
كما ساهمت حالة الغموض والانتظار في تشجيع السماسرة على التموقع مبكرا داخل السوق، مستغلين حاجة المربين إلى البيع السريع من جهة، وقلق المستهلك من ارتفاع إضافي للأسعار مع اقتراب العيد من جهة أخرى. وهي معادلة تجعل السوق مفتوحة على كل الاحتمالات، خاصة إذا غابت الرقابة الفعلية على مسالك التوزيع والبيع.
ويبدو أن نجاح تجربة نقاط البيع المنظمة هذه السنة لن يكون مرتبطا فقط بتحديد الأسعار المرجعية، بل بقدرة الدولة على فرض رقابة حقيقية تمنع الاحتكار والتلاعب، وتحافظ على حق المواطن في اقتناء أضحية بسعر معقول، دون أن يتحول العيد إلى عبء اجتماعي ونفسي إضافي على آلاف العائلات التونسية.
تعاون تونسي ـ ياباني مقاربات جديدة لتخفيف أزمة التّنقل في العاصمة
الصحافة اليوم: مصباح الجدي تتواصل في تونس مساعي البحث عن حلول عملية …
