2026-05-19

بينما‭ ‬موجة‭ ‬المقاطعة‭ ‬تجتاح‭ ‬الفضاء‭ ‬الرقمي‭:‬ انطلاق‭ ‬بيع‭ ‬الأضاحي‭ ‬بالميزان‭ ‬والأسعار‭ ‬غير‭ ‬مقبولة

الصحافة‭ ‬اليوم‭: ‬مصباح‭ ‬الجدي‭ ‬

انطلقت‭ ‬أمس‭ ‬الإثنين،‭ ‬عملية‭ ‬بيع‭ ‬أضاحي‭ ‬العيد‭ ‬بالميزان‭ ‬عبر‭ ‬نقطتي‭ ‬البيع‭ ‬المنظّمتين‭ ‬بمنطقة‭ ‬السعيدة‭ ‬من‭ ‬ولاية‭ ‬منوبة‭ ‬ومعتمدية‭ ‬رادس‭ ‬بولاية‭ ‬بن‭ ‬عروس،‭ ‬تحت‭ ‬إشراف‭ ‬المجمع‭ ‬المهني‭ ‬المشترك‭ ‬للحوم‭ ‬الحمراء‭ ‬والألبان‭ ‬وبالتنسيق‭ ‬مع‭ ‬مختلف‭ ‬الهياكل‭ ‬المتدخلة،‭ ‬في‭ ‬خطوة‭ ‬تراهن‭ ‬عليها‭ ‬السلطات‭ ‬لكسر‭ ‬حلقات‭ ‬المضاربة‭ ‬والتحكم‭ ‬في‭ ‬الأسعار‭ ‬التي‭ ‬أثقلت‭ ‬كاهل‭ ‬العائلات‭ ‬التونسية‭ ‬مع‭ ‬اقتراب‭ ‬عيد‭ ‬الأضحى‭.‬

وتم‭ ‬تحديد‭ ‬الأسعار‭ ‬المرجعية‭ ‬وفق‭ ‬الأوزان،‭ ‬حيث‭ ‬بلغ‭ ‬سعر‭ ‬الكلغ‭ ‬الحي‭ ‬27‭ ‬دينارا‭ ‬بالنسبة‭ ‬للأضاحي‭ ‬التي‭ ‬يقل‭ ‬وزنها‭ ‬عن‭ ‬45‭ ‬كلغ،‭ ‬و25.8‭ ‬دينارا‭ ‬للأضاحي‭ ‬التي‭ ‬يتراوح‭ ‬وزنها‭ ‬بين‭ ‬45‭ ‬و65‭ ‬كلغ،‭ ‬فيما‭ ‬حُدّد‭ ‬سعر‭ ‬23.8‭ ‬دينارا‭ ‬للكلغ‭ ‬بالنسبة‭ ‬للأضاحي‭ ‬التي‭ ‬يفوق‭ ‬وزنها‭ ‬65‭ ‬كلغ‭.‬

ورغم‭ ‬تقديم‭ ‬هذه‭ ‬المبادرة‭ ‬الرسمية‭ ‬باعتبارها‭ ‬آلية‭ ‬للتعديل‭ ‬والرقابة،‭ ‬فإن‭ ‬الشارع‭ ‬التونسي‭ ‬ما‭ ‬زال‭ ‬يعيش‭ ‬على‭ ‬وقع‭ ‬صدمة‭ ‬الأسعار‭ ‬المرتفعة‭ ‬داخل‭ ‬الأسواق‭ ‬العشوائية‭ ‬والمسالك‭ ‬الموازية،‭ ‬حيث‭ ‬تجاوزت‭ ‬أسعار‭ ‬بعض‭ ‬االأضاحيب‭ ‬لدى‭ ‬السماسرة‭ ‬حاجز‭ ‬الألفي‭ ‬دينار،‭ ‬في‭ ‬مفارقة‭ ‬صادمة‭ ‬بين‭ ‬دخل‭ ‬المواطن‭ ‬البسيط‭ ‬ومتطلبات‭ ‬شعيرة‭ ‬دينية‭ ‬تحولت‭ ‬لدى‭ ‬كثيرين‭ ‬إلى‭ ‬عبء‭ ‬مالي‭ ‬ثقيل‭.‬

ففي‭ ‬الوقت‭ ‬الذي‭ ‬لم‭ ‬تتجاوز‭ ‬فيه‭ ‬أجور‭ ‬شريحة‭ ‬واسعة‭ ‬من‭ ‬الموظفين‭ ‬والعمال‭ ‬معدل‭  ‬700‭ ‬إلى‭ ‬1200‭ ‬دينار‭ ‬شهريا،‭ ‬يجد‭ ‬ربّ‭ ‬الأسرة‭ ‬نفسه‭ ‬أمام‭ ‬معادلة‭ ‬شبه‭ ‬مستحيلة‭: ‬إما‭ ‬شراء‭ ‬أضحية‭ ‬تستنزف‭ ‬راتبا‭ ‬كاملا‭ ‬وربما‭ ‬أكثر،‭ ‬أو‭ ‬مواجهة‭ ‬ضغط‭ ‬اجتماعي‭ ‬ونفسي‭ ‬متزايد‭ ‬في‭ ‬مجتمع‭ ‬ما‭ ‬تزال‭ ‬فيه‭ ‬الأضحية‭ ‬مرتبطة‭ ‬بالهيبة‭ ‬الاجتماعية‭ ‬والعادات‭ ‬المتجذّرة‭.‬

المتابعون‭ ‬للشأن‭ ‬الفلاحي‭ ‬يرون‭ ‬أن‭ ‬ارتفاع‭ ‬الأسعار‭ ‬هذا‭ ‬الموسم‭ ‬لا‭ ‬يرتبط‭ ‬فقط‭ ‬بزيادة‭ ‬كلفة‭ ‬الأعلاف‭ ‬والنقل‭ ‬والتداوي،‭ ‬بل‭ ‬أيضا‭ ‬بتنامي‭ ‬دور‭ ‬الوسطاء‭ ‬والسماسرة‭ ‬الذين‭ ‬أصبحوا‭ ‬يتحكمون‭ ‬في‭ ‬جزء‭ ‬هام‭ ‬من‭ ‬السوق،‭ ‬مستفيدين‭ ‬من‭ ‬ضعف‭ ‬مسالك‭ ‬التوزيع‭ ‬المنظمة‭ ‬ومن‭ ‬حالة‭ ‬اللهفة‭ ‬التي‭ ‬تسبق‭ ‬العيد‭ ‬بأيام‭.‬

كما‭ ‬ساهمت‭ ‬سنوات‭ ‬الجفاف‭ ‬وارتفاع‭ ‬أسعار‭ ‬الأعلاف‭ ‬المستوردة‭ ‬وتراجع‭ ‬القطيع‭ ‬الوطني‭ ‬في‭ ‬خلق‭ ‬ضغط‭ ‬إضافي‭ ‬على‭ ‬منظومة‭ ‬تربية‭ ‬الماشية،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬جعل‭ ‬المربين‭ ‬بدورهم‭ ‬يعيشون‭ ‬صعوبات‭ ‬حقيقية،‭ ‬خاصة‭ ‬الصغار‭ ‬منهم‭ ‬الذين‭ ‬يشتكون‭ ‬من‭ ‬ارتفاع‭ ‬كلفة‭ ‬الإنتاج‭ ‬وضعف‭ ‬هامش‭ ‬الربح‭ ‬مقارنة‭ ‬بما‭ ‬يحققه‭ ‬الوسطاء‭ ‬والسماسرة‭.‬

موجة‭ ‬مقاطعة‭ ‬رقمية‭ ‬

في‭ ‬المقابل،‭ ‬شهدت‭ ‬منصات‭ ‬التواصل‭ ‬الاجتماعي‭ ‬خلال‭ ‬الأيام‭ ‬الأخيرة‭ ‬موجة‭ ‬واسعة‭ ‬من‭ ‬الدعوات‭ ‬إلى‭ ‬مقاطعة‭ ‬شراء‭ ‬الأضاحي‭ ‬أو‭ ‬تأجيل‭ ‬الاقتناء‭ ‬إلى‭ ‬الأيام‭ ‬الأخيرة‭ ‬قبل‭ ‬العيد،‭ ‬في‭ ‬محاولة‭ ‬للضغط‭ ‬على‭ ‬الأسعار‭ ‬وكسر‭ ‬منطق‭ ‬االشراء‭ ‬العاطفيب‭ ‬الذي‭ ‬يستفيد‭ ‬منه‭ ‬المضاربون‭ ‬كل‭ ‬موسم‭.‬

وانتشرت‭ ‬تدوينات‭ ‬ساخرة‭ ‬وغاضبة‭ ‬في‭ ‬الآن‭ ‬نفسه،‭ ‬اعتبرت‭ ‬أن‭ ‬االخروف‭ ‬أصبح‭ ‬مشروعا‭ ‬استثماريا‭ ‬أكثر‭ ‬منه‭ ‬أضحيةب،‭ ‬فيما‭ ‬رأى‭ ‬آخرون‭ ‬أن‭ ‬المقاطعة‭ ‬تمثل‭ ‬سلاحا‭ ‬مدنيا‭ ‬سلميا‭ ‬لإعادة‭ ‬التوازن‭ ‬إلى‭ ‬السوق‭ ‬وفرض‭ ‬أسعار‭ ‬تتماشى‭ ‬مع‭ ‬المقدرة‭ ‬الشرائية‭ ‬الحقيقية‭ ‬للتونسيين‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬من‭ ‬شأنه‭ ‬أن‭ ‬يضرب‭ ‬لهفة‭ ‬االقشارةب‭ ‬ويعيد‭ ‬الأمل‭ ‬للفلاح‭ ‬في‭ ‬الربح‭ ‬المعقول‭.‬

ويعتقد‭ ‬كثيرون‭ ‬أن‭ ‬نجاح‭ ‬نقاط‭ ‬البيع‭ ‬المنظمة‭ ‬سيظل‭ ‬رهينا‭ ‬بعدة‭ ‬عوامل،‭ ‬أهمها‭ ‬وفرة‭ ‬الأضاحي،‭ ‬ونجاعة‭ ‬المراقبة‭ ‬الاقتصادية،‭ ‬وقدرة‭ ‬الدولة‭ ‬على‭ ‬كسر‭ ‬حلقات‭ ‬الاحتكار‭ ‬والمضاربة،‭ ‬إضافة‭ ‬إلى‭ ‬إقناع‭ ‬المواطن‭ ‬بأن‭ ‬السعر‭ ‬داخل‭ ‬الفضاءات‭ ‬المنظمة‭ ‬وأسواق‭ ‬المواشي‭ ‬الاسبوعية‭ ‬هو‭ ‬أكثر‭ ‬عدلا‭ ‬وشفافية‭ ‬من‭ ‬الأسعار‭ ‬المتداولة‭ ‬في‭ ‬الأسواق‭ ‬الموازية‭ ‬والنقاط‭ ‬العشوائية‭ ‬لا‭ ‬سيما‭ ‬وان‭ ‬الاسعار‭ ‬غير‭ ‬مناسبة‭ ‬بالمرة‭ ‬إذ‭ ‬لا‭ ‬يعقل‭ ‬أن‭ ‬يتجاوز‭ ‬سعر‭ ‬الخروف‭ ‬الذي‭ ‬يزن‭ ‬حوالي‭ ‬50‭ ‬كلغ‭ ‬حاجز‭ ‬الألف‭ ‬دينار‭ ‬فيما‭ ‬ترتفع‭ ‬الأسعار‭ ‬دون‭ ‬مبررات‭ ‬خاصة‭ ‬إذا‭ ‬ما‭ ‬تم‭ ‬احتساب‭ ‬الوزن‭ ‬الصافي‭ ‬بعد‭ ‬الذبح‭ ‬مايطرح‭ ‬عدة‭ ‬تساؤلات‭ ‬في‭ ‬كيفية‭ ‬التعاطي‭ ‬مع‭ ‬الأضاحي‭ ‬وقيمتها‭ ‬الحقيقية‭.‬

كما‭ ‬يطرح‭ ‬الملف‭ ‬مجددا‭ ‬أسئلة‭ ‬أعمق‭ ‬تتعلق‭ ‬بالسياسات‭ ‬الفلاحية‭ ‬والأمن‭ ‬الغذائي‭ ‬في‭ ‬تونس،‭ ‬خاصة‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬التغيرات‭ ‬المناخية‭ ‬وارتفاع‭ ‬كلفة‭ ‬الإنتاج‭ ‬عالميا،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يتطلب،‭ ‬وفق‭ ‬خبراء،‭ ‬إعادة‭ ‬هيكلة‭ ‬قطاع‭ ‬تربية‭ ‬الماشية‭ ‬ودعم‭ ‬المربين‭ ‬الحقيقيين‭ ‬بدل‭ ‬ترك‭ ‬السوق‭ ‬رهينة‭ ‬للمضاربين‭ ‬والسماسرة‭.‬

وبين‭ ‬محاولات‭ ‬الدولة‭ ‬لتنظيم‭ ‬السوق،‭ ‬وغضب‭ ‬المواطنين‭ ‬من‭ ‬الأسعار‭ ‬الملتهبة،‭ ‬وتمسك‭ ‬التونسيين‭ ‬بعادات‭ ‬العيد‭ ‬رغم‭ ‬الأزمة،‭ ‬يبدو‭ ‬موسم‭ ‬الأضاحي‭ ‬هذا‭ ‬العام‭ ‬مرآة‭ ‬دقيقة‭ ‬لوضع‭ ‬اقتصادي‭ ‬واجتماعي‭ ‬معقد،‭ ‬أصبحت‭ ‬فيه‭ ‬االأضحيةب‭ ‬بالنسبة‭ ‬إلى‭ ‬كثير‭ ‬من‭ ‬العائلات‭ ‬حلما‭ ‬مؤجلا‭ ‬أكثر‭ ‬منها‭ ‬طقسا‭ ‬احتفاليا‭ ‬سنويا‭.‬

‫شاهد أيضًا‬

بين‭ ‬الضرورة‭ ‬الموسمية‭ ‬والفوضى‭ ‬التجارية‭:‬ ‭ ‬أسواق‭ ‬موازية‭ ‬تنتعش‭ ‬بين‭ ‬أدوات‭ ‬ومستلزمات‭ ‬العيدالصحافة‭ ‬اليوم‭: ‬مصباح‭ ‬الجدي

مع‭ ‬اقتراب‭ ‬عيد‭ ‬الأضحى،‭ ‬لا‭ ‬تقتصر‭ ‬الحركية‭ ‬التجارية‭ ‬في‭ ‬تونس‭ ‬على‭ ‬أسواق‭ ‬…