بينما موجة المقاطعة تجتاح الفضاء الرقمي: انطلاق بيع الأضاحي بالميزان والأسعار غير مقبولة
الصحافة اليوم: مصباح الجدي
انطلقت أمس الإثنين، عملية بيع أضاحي العيد بالميزان عبر نقطتي البيع المنظّمتين بمنطقة السعيدة من ولاية منوبة ومعتمدية رادس بولاية بن عروس، تحت إشراف المجمع المهني المشترك للحوم الحمراء والألبان وبالتنسيق مع مختلف الهياكل المتدخلة، في خطوة تراهن عليها السلطات لكسر حلقات المضاربة والتحكم في الأسعار التي أثقلت كاهل العائلات التونسية مع اقتراب عيد الأضحى.
وتم تحديد الأسعار المرجعية وفق الأوزان، حيث بلغ سعر الكلغ الحي 27 دينارا بالنسبة للأضاحي التي يقل وزنها عن 45 كلغ، و25.8 دينارا للأضاحي التي يتراوح وزنها بين 45 و65 كلغ، فيما حُدّد سعر 23.8 دينارا للكلغ بالنسبة للأضاحي التي يفوق وزنها 65 كلغ.
ورغم تقديم هذه المبادرة الرسمية باعتبارها آلية للتعديل والرقابة، فإن الشارع التونسي ما زال يعيش على وقع صدمة الأسعار المرتفعة داخل الأسواق العشوائية والمسالك الموازية، حيث تجاوزت أسعار بعض االأضاحيب لدى السماسرة حاجز الألفي دينار، في مفارقة صادمة بين دخل المواطن البسيط ومتطلبات شعيرة دينية تحولت لدى كثيرين إلى عبء مالي ثقيل.
ففي الوقت الذي لم تتجاوز فيه أجور شريحة واسعة من الموظفين والعمال معدل 700 إلى 1200 دينار شهريا، يجد ربّ الأسرة نفسه أمام معادلة شبه مستحيلة: إما شراء أضحية تستنزف راتبا كاملا وربما أكثر، أو مواجهة ضغط اجتماعي ونفسي متزايد في مجتمع ما تزال فيه الأضحية مرتبطة بالهيبة الاجتماعية والعادات المتجذّرة.
المتابعون للشأن الفلاحي يرون أن ارتفاع الأسعار هذا الموسم لا يرتبط فقط بزيادة كلفة الأعلاف والنقل والتداوي، بل أيضا بتنامي دور الوسطاء والسماسرة الذين أصبحوا يتحكمون في جزء هام من السوق، مستفيدين من ضعف مسالك التوزيع المنظمة ومن حالة اللهفة التي تسبق العيد بأيام.
كما ساهمت سنوات الجفاف وارتفاع أسعار الأعلاف المستوردة وتراجع القطيع الوطني في خلق ضغط إضافي على منظومة تربية الماشية، وهو ما جعل المربين بدورهم يعيشون صعوبات حقيقية، خاصة الصغار منهم الذين يشتكون من ارتفاع كلفة الإنتاج وضعف هامش الربح مقارنة بما يحققه الوسطاء والسماسرة.
موجة مقاطعة رقمية
في المقابل، شهدت منصات التواصل الاجتماعي خلال الأيام الأخيرة موجة واسعة من الدعوات إلى مقاطعة شراء الأضاحي أو تأجيل الاقتناء إلى الأيام الأخيرة قبل العيد، في محاولة للضغط على الأسعار وكسر منطق االشراء العاطفيب الذي يستفيد منه المضاربون كل موسم.
وانتشرت تدوينات ساخرة وغاضبة في الآن نفسه، اعتبرت أن االخروف أصبح مشروعا استثماريا أكثر منه أضحيةب، فيما رأى آخرون أن المقاطعة تمثل سلاحا مدنيا سلميا لإعادة التوازن إلى السوق وفرض أسعار تتماشى مع المقدرة الشرائية الحقيقية للتونسيين وهو ما من شأنه أن يضرب لهفة االقشارةب ويعيد الأمل للفلاح في الربح المعقول.
ويعتقد كثيرون أن نجاح نقاط البيع المنظمة سيظل رهينا بعدة عوامل، أهمها وفرة الأضاحي، ونجاعة المراقبة الاقتصادية، وقدرة الدولة على كسر حلقات الاحتكار والمضاربة، إضافة إلى إقناع المواطن بأن السعر داخل الفضاءات المنظمة وأسواق المواشي الاسبوعية هو أكثر عدلا وشفافية من الأسعار المتداولة في الأسواق الموازية والنقاط العشوائية لا سيما وان الاسعار غير مناسبة بالمرة إذ لا يعقل أن يتجاوز سعر الخروف الذي يزن حوالي 50 كلغ حاجز الألف دينار فيما ترتفع الأسعار دون مبررات خاصة إذا ما تم احتساب الوزن الصافي بعد الذبح مايطرح عدة تساؤلات في كيفية التعاطي مع الأضاحي وقيمتها الحقيقية.
كما يطرح الملف مجددا أسئلة أعمق تتعلق بالسياسات الفلاحية والأمن الغذائي في تونس، خاصة في ظل التغيرات المناخية وارتفاع كلفة الإنتاج عالميا، وهو ما يتطلب، وفق خبراء، إعادة هيكلة قطاع تربية الماشية ودعم المربين الحقيقيين بدل ترك السوق رهينة للمضاربين والسماسرة.
وبين محاولات الدولة لتنظيم السوق، وغضب المواطنين من الأسعار الملتهبة، وتمسك التونسيين بعادات العيد رغم الأزمة، يبدو موسم الأضاحي هذا العام مرآة دقيقة لوضع اقتصادي واجتماعي معقد، أصبحت فيه االأضحيةب بالنسبة إلى كثير من العائلات حلما مؤجلا أكثر منها طقسا احتفاليا سنويا.
بين الضرورة الموسمية والفوضى التجارية: أسواق موازية تنتعش بين أدوات ومستلزمات العيدالصحافة اليوم: مصباح الجدي
مع اقتراب عيد الأضحى، لا تقتصر الحركية التجارية في تونس على أسواق …

