2026-06-04

تونس‭ ‬تحتل‭ ‬المرتبة‭ ‬الرابعة‭ ‬إفريقيا‭ ‬في‭ ‬مؤشر‭ ‬التصنيع فرص‭ ‬واعدة‭ ‬للإنتعاشة‭ ‬الاقتصادية

الصحافة‭ ‬اليوم‭ : ‬عادل‭ ‬البرينصي

في‭ ‬زمن‭ ‬تتكاثر‭ ‬فيه‭ ‬الأخبار‭ ‬الثقيلة،‭ ‬يصبح‭ ‬لأي‭ ‬رقم‭ ‬إيجابي‭ ‬معنى‭ ‬يتجاوز‭ ‬الإحصاء‭. ‬ليس‭ ‬لأن‭ ‬الأرقام‭ ‬وحدها‭ ‬تصنع‭ ‬الواقع،‭ ‬بل‭ ‬لأنها‭ ‬قد‭ ‬تكشف‭ ‬أحيانا‭ ‬عن‭ ‬باب‭ ‬نصف‭ ‬مفتوح‭ ‬في‭ ‬جدار‭ ‬يبدو‭ ‬مغلقا‭. ‬ولذلك،‭ ‬فإن‭ ‬احتلال‭ ‬تونس‭ ‬المرتبة‭ ‬الرابعة‭ ‬إفريقيا‭ ‬في‭ ‬مؤشر‭ ‬التصنيع‭ ‬لسنة‭ ‬2025‭ ‬الصادر‭ ‬عن‭ ‬مجموعة‭ ‬البنك‭ ‬الإفريقي‭ ‬للتنمية،‭ ‬ليس‭ ‬خبرا‭ ‬عاديا‭ ‬يمرّ‭ ‬في‭ ‬نشرات‭ ‬الاقتصاد‭ ‬ثم‭ ‬يختفي،‭ ‬بل‭ ‬هو‭ ‬إشارة‭ ‬سياسية‭ ‬وتنموية‭ ‬عميقة‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬البلاد،‭ ‬ما‭ ‬تزال‭ ‬تمتلك‭ ‬القدرة‭ ‬على‭ ‬النهوض‭ ‬إذا‭ ‬أحسنت‭ ‬قراءة‭ ‬ما‭ ‬لديها‭ ‬من‭ ‬إمكانيات‭.‬

أن‭ ‬تأتي‭ ‬تونس‭ ‬بعد‭ ‬المغرب‭ ‬وجنوب‭ ‬إفريقيا‭ ‬ومصر‭ ‬مباشرة،‭ ‬فهذا‭ ‬يعني‭ ‬أن‭ ‬البلاد‭ ‬ما‭ ‬تزال‭ ‬تملك‭ ‬قاعدة‭ ‬صناعية‭ ‬حقيقية،‭ ‬وكفاءات‭ ‬تقنية،‭ ‬وخبرات‭ ‬بشرية،‭ ‬وموقعا‭ ‬جغرافيا،‭ ‬وبنية‭ ‬إنتاجية‭ ‬تجعلها‭ ‬قادرة‭ ‬على‭ ‬المنافسة‭ ‬في‭ ‬قارة‭ ‬تبحث‭ ‬اليوم‭ ‬عن‭ ‬إعادة‭ ‬تشكيل‭ ‬اقتصادها‭ ‬الصناعي‭. ‬والأهم‭ ‬من‭ ‬ذلك،‭ ‬أن‭ ‬هذا‭ ‬التصنيف‭ ‬يأتي‭ ‬في‭ ‬مرحلة‭ ‬دقيقة‭ ‬يمر‭ ‬بها‭ ‬الاقتصاد‭ ‬الوطني،‭ ‬حيث‭ ‬تتداخل‭ ‬الضغوط‭ ‬الاجتماعية‭ ‬مع‭ ‬صعوبات‭ ‬التمويل‭ ‬وتراجع‭ ‬نسق‭ ‬النمو‭ ‬وارتفاع‭ ‬كلفة‭ ‬العيش‭.‬

لكن‭ ‬السؤال‭ ‬الحقيقي‭ ‬ليس‭: ‬لماذا‭ ‬تقدمت‭ ‬تونس؟‭ ‬بل‭: ‬لماذا‭ ‬لم‭ ‬تتقدم‭ ‬أكثر؟

ذلك‭ ‬أن‭ ‬المشكلة‭ ‬التونسية‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬يوما‭ ‬في‭ ‬غياب‭ ‬الكفاءات‭ ‬أو‭ ‬ضعف‭ ‬الإمكانيات‭. ‬بل‭ ‬كانت‭ ‬دائما‭ ‬في‭ ‬البيروقراطية‭ ‬التي‭ ‬تتحرك‭ ‬ببطء‭ ‬في‭ ‬عالم‭ ‬يتحرك‭ ‬بسرعة،‭ ‬وفي‭ ‬القوانين‭ ‬التي‭ ‬تُكتب‭ ‬بعقلية‭ ‬الخوف‭ ‬لا‭ ‬بعقلية‭ ‬المبادرة،‭ ‬وفي‭ ‬مناخ‭ ‬استثمار‭ ‬يرهق‭ ‬المستثمر‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬يبدأ‭ ‬مشروعه‭.‬

لقد‭ ‬تغير‭ ‬العالم‭. ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬الثروة‭ ‬اليوم‭ ‬في‭ ‬امتلاك‭ ‬المواد‭ ‬الخام‭ ‬فقط،‭ ‬بل‭ ‬في‭ ‬القدرة‭ ‬على‭ ‬تحويلها،‭ ‬وتطويرها،‭ ‬وتصديرها‭ ‬كمنتج‭ ‬ذي‭ ‬قيمة‭ ‬مضافة‭. ‬والدول‭ ‬التي‭ ‬فهمت‭ ‬ذلك‭ ‬مبكرا‭ ‬أصبحت‭ ‬تبيع‭ ‬التكنولوجيا‭ ‬والخبرة‭ ‬والمعرفة،‭ ‬لا‭ ‬مجرد‭ ‬المواد‭ ‬الأولية‭. ‬وتونس‭ ‬قادرة‭ ‬على‭ ‬دخول‭ ‬هذا‭ ‬العالم‭ ‬إذا‭ ‬غادرت‭ ‬عقلية‭ ‬الاقتصاد‭ ‬الإداري‭ ‬المغلق‭ ‬إلى‭ ‬عقلية‭ ‬الاقتصاد‭ ‬المنتج‭ ‬والمبتكر‭.‬

فالصناعة‭ ‬اليوم‭ ‬ليست‭ ‬مجرد‭ ‬مصانع‭ ‬ودخان‭ ‬ومناطق‭ ‬صناعية‭. ‬إنها‭ ‬سيادة‭ ‬اقتصادية‭. ‬وهي‭ ‬أيضا‭ ‬حماية‭ ‬للعملة‭ ‬الوطنية،‭ ‬وخلق‭ ‬لمواطن‭ ‬الشغل،‭ ‬وتقليص‭ ‬للتبعية‭ ‬الخارجية‭. ‬وكل‭ ‬مصنع‭ ‬جديد‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬أقل‭ ‬كلفة‭ ‬من‭ ‬قرض‭ ‬خارجي‭ ‬جديد‭. ‬وكل‭ ‬منتج‭ ‬تونسي‭ ‬قادر‭ ‬على‭ ‬المنافسة‭ ‬في‭ ‬الأسواق‭ ‬الإفريقية‭ ‬أو‭ ‬الأوروبية‭ ‬هو‭ ‬خطوة‭ ‬نحو‭ ‬استعادة‭ ‬التوازن‭ ‬الاقتصادي‭ ‬المفقود‭.‬

غير‭ ‬أن‭ ‬هذا‭ ‬المسار‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يتحقق‭ ‬إذا‭ ‬استمرت‭ ‬العلاقة‭ ‬بين‭ ‬الدولة‭ ‬ورجال‭ ‬الأعمال‭ ‬قائمة‭ ‬على‭ ‬الشك‭ ‬والارتياب‭ ‬المتبادل‭. ‬فالاستثمار‭ ‬يحتاج‭ ‬إلى‭ ‬الثقة‭ ‬قبل‭ ‬الامتيازات‭. ‬ويحتاج‭ ‬إلى‭ ‬وضوح‭ ‬الرؤية‭ ‬قبل‭ ‬كثرة‭ ‬الخطب‭. ‬المستثمر،‭ ‬سواء‭ ‬كان‭ ‬تونسيا‭ ‬أو‭ ‬أجنبيا،‭ ‬يريد‭ ‬إدارة‭ ‬سريعة،‭ ‬وقانونا‭ ‬مستقرا،‭ ‬وعدالة‭ ‬ناجزة،‭ ‬ومناخا‭ ‬لا‭ ‬يتغير‭ ‬كل‭ ‬شهر‭.‬

وفي‭ ‬المقابل،‭ ‬تحتاج‭ ‬الدولة‭ ‬أيضا‭ ‬إلى‭ ‬رجال‭ ‬أعمال‭ ‬حقيقيين،‭ ‬لا‭ ‬تجار‭ ‬امتيازات‭ ‬ومضاربين‭ ‬يعيشون‭ ‬على‭ ‬القرب‭ ‬من‭ ‬السلطة‭ ‬أو‭ ‬على‭ ‬اقتصاد‭ ‬الريع‭. ‬تحتاج‭ ‬إلى‭ ‬فاعلين‭ ‬اقتصاديين‭ ‬يؤمنون‭ ‬بالإنتاج‭ ‬والتصدير‭ ‬والتشغيل،‭ ‬لا‭ ‬فقط‭ ‬بالربح‭ ‬السريع‭.‬

ولعلّ‭ ‬أهم‭ ‬ما‭ ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬تنتبه‭ ‬إليه‭ ‬تونس‭ ‬اليوم‭ ‬هو‭ ‬أن‭ ‬إفريقيا‭ ‬نفسها‭ ‬تتغير‭. ‬القارة‭ ‬التي‭ ‬كانت‭ ‬تُقدَّم‭ ‬لعقود‭ ‬باعتبارها‭ ‬سوقا‭ ‬استهلاكية‭ ‬هامشية،‭ ‬أصبحت‭ ‬فضاء‭ ‬تنافس‭ ‬دولي‭ ‬حاد‭. ‬الصين‭ ‬وتركيا‭ ‬والهند‭ ‬وروسيا‭ ‬ودول‭ ‬الخليج‭ ‬وأوروبا،‭ ‬جميعها‭ ‬تتحرك‭ ‬بقوة‭ ‬داخل‭ ‬القارة‭. ‬وتونس،‭ ‬بحكم‭ ‬موقعها‭ ‬وخبرتها،‭ ‬قادرة‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬جزءا‭ ‬من‭ ‬هذا‭ ‬التحول،‭ ‬لا‭ ‬مجرد‭ ‬متفرج‭ ‬عليه‭.‬

لكن‭ ‬ذلك‭ ‬يتطلب‭ ‬توجيه‭ ‬البوصلة‭ ‬الصناعية‭ ‬نحو‭ ‬ما‭ ‬تحتاجه‭ ‬الأسواق‭ ‬الإفريقية‭ ‬والإقليمية‭ ‬فعلا‭: ‬الصناعات‭ ‬الغذائية،‭ ‬الأدوية،‭ ‬مكونات‭ ‬السيارات،‭ ‬الخدمات‭ ‬الرقمية،‭ ‬الصناعات‭ ‬الكهربائية،‭ ‬التكنولوجيا‭ ‬الصحية،‭ ‬الطاقات‭ ‬المتجددة،‭ ‬وصناعات‭ ‬التحويل‭ ‬الزراعي‭. ‬أي‭ ‬نحو‭ ‬القطاعات‭ ‬التي‭ ‬تمتلك‭ ‬فيها‭ ‬تونس‭ ‬خبرة‭ ‬وكفاءة‭ ‬وقدرة‭ ‬تنافسية‭.‬

كما‭ ‬يتطلب‭ ‬الأمر‭ ‬إصلاحا‭ ‬حقيقيا‭ ‬للتكوين‭ ‬المهني‭ ‬والجامعي،‭ ‬حتى‭ ‬لا‭ ‬تبقى‭ ‬الجامعة‭ ‬التونسية‭ ‬تنتج‭ ‬شهادات‭ ‬أكثر‭ ‬مما‭ ‬تنتج‭ ‬مهارات‭. ‬لأن‭ ‬الصناعة‭ ‬الحديثة‭ ‬لا‭ ‬تقوم‭ ‬فقط‭ ‬على‭ ‬رأس‭ ‬المال،‭ ‬بل‭ ‬على‭ ‬المعرفة‭ ‬والابتكار‭.‬

ثم‭ ‬إن‭ ‬الحديث‭ ‬عن‭ ‬التصنيع‭ ‬لا‭ ‬ينفصل‭ ‬عن‭ ‬العدالة‭ ‬الجهوية‭. ‬فلا‭ ‬معنى‭ ‬لنمو‭ ‬صناعي‭ ‬يترك‭ ‬الجهات‭ ‬الداخلية‭ ‬خارج‭ ‬الدورة‭ ‬الاقتصادية‭. ‬المطلوب‭ ‬اليوم‭ ‬هو‭ ‬تحويل‭ ‬المناطق‭ ‬المهمّشة‭ ‬إلى‭ ‬فضاءات‭ ‬إنتاج،‭ ‬وربط‭ ‬التنمية‭ ‬بالبنية‭ ‬التحتية‭ ‬والنقل‭ ‬والرقمنة‭ ‬والطاقة‭.‬

صحيح‭ ‬أن‭ ‬إفريقيا‭ ‬ما‭ ‬تزال‭ ‬تمثل‭ ‬أقل‭ ‬من‭ ‬2‭ ‬بالمائة‭ ‬من‭ ‬الإنتاج‭ ‬الصناعي‭ ‬العالمي،‭ ‬وفق‭ ‬تقرير‭ ‬البنك‭ ‬الإفريقي‭ ‬للتنمية‭. ‬لكن‭ ‬الصحيح‭ ‬أيضا‭ ‬أن‭ ‬القارة‭ ‬تدخل‭ ‬مرحلة‭ ‬جديدة،‭ ‬وأن‭ ‬الدول‭ ‬التي‭ ‬تستعد‭ ‬مبكرا‭ ‬ستربح‭ ‬مواقعها‭ ‬لاحقا‭. ‬وتونس‭ ‬تملك‭ ‬فرصة‭ ‬حقيقية‭ ‬لتكون‭ ‬ضمن‭ ‬هذا‭ ‬التحول‭.‬

‫شاهد أيضًا‬

حين‭ ‬تتحول‭ ‬الكفاءات‭ ‬إلى‭ ‬قوة‭ ‬وطنية‭:‬ ‭ ‬ تونس‭ ‬على‭ ‬موعد‭ ‬مع‭ ‬العالم‭ ‬في‭ ‬مؤتمر‭ ‬القمح‭ ‬2028

الصحافة‭ ‬اليوم‭ : ‬عادل‭ ‬البرينصي في‭ ‬عالم‭ ‬يتغيّر‭ ‬بسرعة،‭ ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬قيمة‭ ‬الدول‭…