2026-06-04

االفوبرولوسب‭ ‬والمسكن‭ ‬الأول‭:‬ قيود‭ ‬تكبّل‭ ‬المواطن‭ ‬لصالح‭ ‬جشع‭ ‬الباعثين‭ ‬العقاريين‭ ‬وانتهازية‭ ‬البنوك

الصحافة‭ ‬اليوم‭ : ‬سامية‭ ‬جاء‭ ‬بالله

تواجه‭ ‬الطبقة‭ ‬المتوسطة‭ ‬صعوبات‭ ‬متزايدة‭ ‬بشكل‭ ‬يومي‭ ‬في‭ ‬ما‭ ‬يتعلق‭ ‬بالحق‭ ‬في‭ ‬السكن‭ ‬وذلك‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬الارتفاع‭ ‬الجنوني‭ ‬لأسعار‭ ‬العقارات‭ ‬التي‭ ‬تجاوزت‭ ‬كل‭ ‬الخطوط‭ ‬وقدرة‭ ‬المواطن‭ ‬الشرائية‭. ‬

وربما‭ ‬في‭ ‬محاولة‭ ‬لامتصاص‭ ‬هذا‭ ‬الغضب‭ ‬وتوفير‭ ‬حلول،‭ ‬جددت‭ ‬الشركة‭ ‬العقارية‭ ‬للبلاد‭ ‬التونسية‭ ‬توضيح‭ ‬آلية‭ ‬االمسكن‭ ‬الأولب‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬توضيح‭ ‬شروط‭ ‬وكيفية‭ ‬الانتفاع‭ ‬بهذا‭ ‬البرنامج‭ ‬وآلية‭ ‬االفوبرولوسب‭.‬

‭ ‬وفي‭ ‬الوقت‭ ‬الذي‭ ‬تروج‭ ‬فيه‭ ‬الشركة‭ ‬اوالجهات‭ ‬المعنية‭ ‬لهذه‭ ‬الآليات‭ ‬بأنها‭ ‬ميزة‭ ‬تسهل‭ ‬امتلاك‭ ‬العقار،‭ ‬يرى‭ ‬المواطن‭ ‬أنها‭ ‬بمثابة‭ ‬المُسكّن‭ ‬المؤقت‭ ‬لأنه‭ ‬يؤجل‭ ‬الأزمة‭ ‬المالية‭ ‬للمواطن‭ ‬عوض‭ ‬حلها‭ ‬بالنسبة‭ ‬للمسكن‭ ‬الاول‭ ‬وحصر‭ ‬خيار‭ ‬المواطن‭ ‬في‭ ‬زاوية‭ ‬ضيقة‭ ‬بالنسبة‭ ‬لفوبرولوس‭ ‬،‭ ‬وذلك‭ ‬وسط‭ ‬غياب‭ ‬كبير‭ ‬لرقابة‭ ‬الدولة‭ ‬على‭ ‬نزيف‭ ‬أسعار‭ ‬العقارات‭ .‬

وحسب‭ ‬ما‭ ‬نشرته‭ ‬الشركة‭ ‬العقارية‭ ‬للبلاد‭ ‬التونسية،‭ ‬فإن‭ ‬آلية‭ ‬المسكن‭ ‬الأول‭ ‬تهدف‭ ‬إلى‭ ‬مساعدة‭ ‬العائلات‭ ‬متوسطة‭ ‬الدخل‭ ‬التي‭ ‬لا‭ ‬تمتلك‭ ‬مسكنا‭ ‬على‭ ‬اقتناء‭ ‬شقة‭ ‬سكنية‭ ‬متوفرة‭ ‬لدى‭ ‬الباعثين‭ ‬العقاريين‭ ‬المرخصين‭. ‬الميزة‭ ‬الأساسية‭ ‬التي‭ ‬ترتكز‭ ‬عليها‭ ‬هذه‭ ‬الآلية‭ ‬هي‭ ‬توفير‭ ‬الدولة‭ ‬للتمويل‭ ‬الذاتي‭ ‬الذي‭ ‬تطلبه‭ ‬البنوك‭ ‬عادة‭ ‬بنسبة‭ ‬20‭ ‬بالمائة‭ ‬من‭ ‬قيمة‭ ‬العقار،‭ ‬وذلك‭ ‬في‭ ‬شكل‭ ‬قرض‭ ‬ميسر‭ ‬يتم‭ ‬سداده‭ ‬بشروط‭ ‬تبدو‭ ‬في‭ ‬ظاهرها‭ ‬مريحة‭.‬

لكن‭ ‬التدقيق‭ ‬في‭ ‬تفاصيل‭ ‬هذا‭ ‬الإجراء‭ ‬يكشف‭ ‬عن‭ ‬حقيقة‭ ‬اخرى‭ ‬تبدو‭ ‬مغايرة‭ ‬،‭ ‬فالآلية‭ ‬تقوم‭ ‬فقط‭ ‬على‭ ‬تأجيل‭ ‬سداد‭ ‬التمويل‭ ‬الذاتي‭ ‬لمدة‭ ‬خمس‭ ‬سنوات‭ ‬اي‭ ‬انها‭ ‬فترة‭ ‬إمهال‭ ‬ليبدأ‭ ‬المواطن‭ ‬في‭ ‬الدفع‭ ‬بعد‭ ‬انقضاء‭ ‬هذه‭ ‬المدة‭ ‬على‭ ‬أقساط‭ ‬تمتد‭ ‬لسنوات‭ ‬بفائض‭ ‬ضئيل‭. ‬هذا‭ ‬يعني‭ ‬ببساطة‭ ‬أن‭ ‬المشتري‭ ‬سيجد‭ ‬نفسه‭ ‬بعد‭ ‬مرور‭ ‬5‭ ‬سنوات‭ ‬مجبرا‭ ‬على‭ ‬دفع‭ ‬قسطين‭ ‬متزامنين‭, ‬قسط‭ ‬القرض‭ ‬البنكي‭ ‬الرئيسي‭ ‬للشقة‭ ‬وقسط‭ ‬التمويل‭ ‬الذاتي‭ ‬المؤجل‭ ‬للدولة،‭ ‬ما‭ ‬يشكل‭ ‬بطبيعة‭ ‬الحال‭ ‬ضغطا‭ ‬ماليا‭ ‬مضاعفا‭ ‬على‭ ‬ميزانية‭ ‬العائلة‭ ‬التي‭ ‬تعاني‭ ‬أصلا‭ ‬من‭ ‬تدهور‭ ‬المقدرة‭ ‬الشرائية‭ ‬وغلاء‭ ‬كل‭ ‬الاسعار‭ ‬والخدمات‭ .‬

نزيف‭ ‬مستمر

ولا‭ ‬يمكن‭ ‬فصل‭ ‬تقييم‭ ‬آلية‭ ‬االمسكن‭ ‬الأولب‭ ‬عن‭ ‬الواقع‭ ‬العقاري‭ ‬المعيش‭ ‬،‭ ‬فالسوق‭ ‬اليوم‭ ‬تشهد‭ ‬طفرة‭ ‬في‭ ‬الأسعار‭ ‬بشكل‭ ‬غير‭ ‬مسبوق‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬وصفها‭ ‬الا‭ ‬بـ‭ ‬االجنونيةب‭. ‬لقد‭ ‬اصبح‭ ‬ثمن‭ ‬الشقة‭ ‬العادية‭ ‬في‭ ‬الضواحي‭ ‬أو‭ ‬المدن‭ ‬الكبرى‭ ‬يتطلب‭ ‬من‭ ‬الموظف‭ ‬المتوسط‭ ‬العمل‭ ‬لعقود‭ ‬دون‭ ‬إنفاق‭ ‬مليم‭ ‬واحد‭ ‬لتأمين‭ ‬ثمنها‭. ‬وهذا‭ ‬الارتفاع‭ ‬تغذيه‭ ‬المضاربات‭ ‬العقارية‭ ‬وجشع‭ ‬بعض‭ ‬الباعثين‭ ‬العقاريين‭ ‬والوكالات‭ ‬العقارية‭ ‬والوسطاء‭ ‬الذين‭ ‬يحددون‭ ‬هوامش‭ ‬ربح‭ ‬خيالية‭ .‬

كما‭ ‬تشمل‭ ‬التعقيدات‭ ‬شروط‭ ‬اقتناء‭ ‬مسكن‭ ‬اجتماعي‭ ‬أواقتصادي‭ ‬عن‭ ‬طريق‭ ‬صندوق‭ ‬النهوض‭ ‬بالمسكن‭ ‬لفائدة‭ ‬الأجراء‭ ‬المعروف‭ ‬بـ‭ ‬االفوبرولوسب‭ ‬الذي‭ ‬يعتمد‭ ‬على‭ ‬تقسيم‭ ‬الأجراء‭ ‬إلى‭ ‬فئات‭ (‬فوبرولوس‭ ‬1و2‭ ‬و3‭ ‬و4‭) ‬حسب‭ ‬دخلهم‭ ‬الشهري‭ ‬الخام‭ ‬مقارنة‭ ‬بالأجر‭ ‬الأدنى‭ ‬المهني‭ ‬المضمون،‭ ‬ويفرض‭ ‬شروطا‭ ‬تزيد‭ ‬من‭ ‬تكبيل‭ ‬المواطن‭ ‬وحصر‭ ‬خياراته‭ ‬في‭ ‬زاوية‭ ‬ضيقة‭ ‬ومحددة‭ ‬جدا‭ .‬

ويكمن‭ ‬المشكل‭ ‬في‭ ‬شرط‭ ‬صندوق‭ ‬االفوبرولوسب‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬المسكن‭ ‬المعني‭ ‬بالشراء‭ ‬جديدا‭ ‬ومقتنى‭ ‬حصريا‭ ‬عبر‭ ‬باعث‭ ‬عقاري‭ ‬مصادق‭ ‬عليه‭ . ‬ويمثل‭ ‬هذا‭ ‬الشرط‭ ‬العائق‭ ‬الاكبر‭ ‬الذي‭ ‬يحرم‭ ‬المواطن‭ ‬من‭ ‬مرونة‭ ‬البحث‭ ‬وشراء‭ ‬مساكن‭ ‬مستعملة‭ ‬أو‭ ‬فردية‭ ‬بأسعار‭ ‬معقولة‭ ‬علها‭ ‬تناسب‭ ‬إمكانياته‭.‬

ولا‭ ‬ننسى‭ ‬ايضا‭ ‬ان‭ ‬الأزمة‭ ‬تكمن‭ ‬في‭ ‬غياب‭ ‬السلطات‭ ‬وتخليها‭ ‬عن‭ ‬دورها‭ ‬متناسية‭ ‬ان‭ ‬ترك‭ ‬السوق‭ ‬لآليات‭ ‬العرض‭ ‬والطلب‭ ‬في‭ ‬بيئة‭ ‬اقتصادية‭ ‬هشّة‭ ‬جعل‭ ‬من‭ ‬حلم‭ ‬الاستقرار‭ ‬السكني‭ ‬حلما‭ ‬بالنسبة‭ ‬إلى‭ ‬فئة‭ ‬كبيرة‭ ‬من‭ ‬الشعب‭ ‬وحوّل‭ ‬البرامج‭ ‬التسهيلية‭ ‬مثل‭ ‬المسكن‭ ‬الأول‭ ‬إلى‭ ‬آلية‭ ‬لضخ‭ ‬الأموال‭ ‬في‭ ‬جيوب‭ ‬الباعثين‭ ‬العقاريين‭ ‬لإنقاذ‭ ‬مخزونهم‭ ‬الراكد‭ ‬عوض‭ ‬دعم‭ ‬المواطن‭ ‬بشكل‭ ‬حقيقي‭ .‬

‭ ‬في‭ ‬خضم‭ ‬هذا‭ ‬الوضع‭ ‬فإن‭ ‬الدولة،‭ ‬مطالبة‭ ‬بالتدخل‭ ‬العاجل‭ ‬لوقف‭ ‬نزيف‭ ‬الأسعار‭ ‬وضبط‭ ‬السوق‭ ‬العقارية‭ ‬عبر‭ ‬آليات‭ ‬تسعير‭ ‬عادلة‭ ‬والحد‭ ‬من‭ ‬نسب‭ ‬الفائدة‭ ‬البنكية‭ ‬المشطة‭ ‬على‭ ‬القروض‭ ‬السكنية‭ ‬خاصة‭ ‬وأن‭ ‬البنوك‭ ‬اصبحت‭ ‬تمتنع‭ ‬عن‭ ‬تقديم‭ ‬قروض‭ ‬لمدة‭ ‬25‭ ‬سنة‭ ‬لتصبح‭ ‬15‭ ‬سنة‭ ‬فقط‭ ‬وبنسب‭ ‬فائدة‭ ‬مشطة‭ ‬تتجاوز‭ ‬قدرة‭ ‬الموظف‭ ‬بكثير‭.‬

‫شاهد أيضًا‬

المياه‭ ‬مجهولة‭ ‬المصدر‭ ‬في‭ ‬الأحياء‭ ‬الشعبية‭:‬ صيف‭ ‬حارّ‭ ‬تقوده‭ ‬مخاوف‭ ‬التّسمم

الصحافة‭ ‬اليوم‭:‬ مع‭ ‬حلول‭ ‬فصل‭ ‬الصيف‭ ‬وما‭ ‬يشهده‭ ‬من‭ ‬ارتفاع‭ ‬في‭ ‬درجات‭ ‬الحر…